"رشّة ملح وشويّة زيت يا ماما"... كيف نحاكي طبخات أمهاتنا في الغربة؟

السبت 29 فبراير 202001:31 م

في السنة الرابعة من دراستي الجامعية، تعرفت إلى مادة اسمها "القياس والتقويم"، شكّلت لي حافزاً لسؤال رافقني منذ تلك الأيام، عن الكيفية التي نقيس بها الأشياء، حيث كانت تهدف لمحاولة معرفة مقدار الأشياء التي لا مقادير ومقاييس واضحة لها، كالعواطف، الانفعالات والسلوكيّات.

لا تنسى أمي أن توصيني بإضافة "كمشة" زيادة من العدس أو الأرز للطبخة، لأنها وكما تقول: "يزيد ولا ينقص ماما، بلكي حدا مر فجأة؟".

فحين كان من الصعوبة بمكان قياس الحزن بالميلغرام، العنف بالمتر، أو الأنانية بالليتر، كان لابد من طريقة أخرى للقياس. فكان من الممكن الاحتيال على الأمر من خلال مقاييس واستبيانات تقترب من المقدار ولا تتمكن من تسميته، ومع مرور الوقت، يعود السؤال إليّ، وأراني أحاول أن أجد مقاييس لتقدير الأشياء، ما جعلني ألاحظ أن حتى المقاييس المتعارف عليها من شأنها أن تتغير، فلا يقاس الانتظار دوماً بالدقائق أو الساعات أو السنوات، ألم يحدث أن حلت محلّها اللهفة، الشوق أو السأم؟

تدور هذه الأفكار في ذهني في كل مرة تقول أمي: "رشّة ملح، وشويّة زيت يا ماما". مستندة إلى الخبرة، تؤمن أمي أن الرشة مقدار ثابت وبالغ الوضوح للجميع. ومرتبكة بخوفي، أجدني في كل مرة أستفسر: "يعني كيف رشّة؟ وقديش هي الشوية؟". وفي كل مرة تبذل جهداً في الشرح، وأبذل ما بوسعي لتطبيق التعليمات والخطوات، لنجد بذلك صيغة جديدة للتواصل فيما بيننا، نتجاوز فيها المسافة ما بين قارتين، بأحاديث عن البهارات وزيت الزيتون وصنع مربى المشمش، فهل كنت وحدي في ذلك؟

كيف بدأت الحكاية؟

على عكس المتوقع، لم تكن البدايات دوماً هي الأمثل. فمن الملفت أن واحدة من الأشياء التي تطلبها الأمهات أحياناً من أولادهن وبناتهن هي مغادرة المطبخ كي يتمكن من الطبخ بسلام وتركيز: "لبّكتيني، اتركي المطبخ وخليني اشتغل لحالي"، كانت تلك العبارة التي تتذكرها المهندسة المعمارية نور شقير، المقيمة حالياً في فرنسا، عن تجربتها الأولى في المطبخ مع والدتها، حين كانت لا تزال تعيش مع أسرتها في الكويت.

ويؤكد مورو العلي المقيم في برلين، على نفس الفكرة، حيث يقول: "خليك عالباب، واتركني أطبخ لحالي"، هي العبارة التي سمعتها دوماً من أمي. خيارات الغربة فيما يتعلق بالطعام مرتبطة بطبيعة الحياة في هذا المكان، وعلى وجه التحديد، سرعة الحياة، وبالتالي ما يناسبها من سلوكيّات في إعداد الطعام وتناوله، إلا أننا، وعلى ما يبدو وبعد اغترابنا، نعود لندق أبواب المطابخ، لا بأيدينا بل بأسئلتنا، لنطلب من أمهاتنا أن يعلمننا ما فاتنا.

 أجدني في كل مرة أستفسر: "يعني كيف رشّة؟ وقديش هي الشوية؟". وفي كل مرة تبذل جهداً في الشرح، وأبذل ما بوسعي لتطبيق التعليمات والخطوات، لنجد بذلك صيغة جديدة للتواصل فيما بيننا، نتجاوز فيها المسافة ما بين قارتين، بأحاديث عن البهارات وزيت الزيتون وصنع مربى المشمش

تجارب الطبخ الأولى، والبحث عن نَفَس الأمّهات

تجربة الغربة واحدة من الأسباب التي تخلق الحاجة إلى تعلّم الطبخ، تلك الحاجة التي لا تكون واضحة أو ملحة، طالما ما زلنا نعيش ضمن نطاق الأسرة. اليوم تعيش معلمة الموسيقى ريما الصبّاغ في برلين، وفي كل مرة ترغب فيها بالطبخ، تتصل وتسأل والدتها عن طريقة إعداد الطبخة، حيث تشرح لرصيف22: "أطبّق كل صغيرة وكبيرة وأتبع الخطوات، إلا أن الأمر لا ينجح، لأن شيئاً مهماً ينقص هذه الوصفة... ينقصها نَفَس أمي". تفرح ريما في كل مرة تقارب طعم طبخة من طبخات والدتها، حيث تقول: "وقتها بصير باكل، بتذكر وببكي وبشتاق بسبب البعد عنها".

أما نور شقير فلم يكن الطبخ في حسبانها، لولا السفر وتجربة الحياة مستقلة في فرنسا بعيداً عن أسرتها، حيث تذكر: "في حياتي لم أتخيّل أن أدخل المطبخ أو أن أتقن عمل طبخات كبيرة. في كل مرة أتصل لسؤال أمي عن الوصفة، حتى صارت تقول لي بدلاً من آلو: شو بدك تطبخي اليوم يا نور؟". ويشرح مورو العلي، وهو يعّد الملوخيّة للغداء، كيف أنه بدأ الطبخ منذ أن كان في سوريا، أيام الدراسة والعيش بمفرده بعيداً عن أسرته، إلا أنه اليوم يطبخ أكثر بطبيعة الحال، بعد انتقاله إلى ألمانيا، حيث يقول: "أشعر حين أطبخ أنني أنسخ كل ما تعلّمته من والدتي، لا ألجأ إلى اليوتيوب أو إلى أي وسيلة أخرى، بل أتصل بها مباشرة حين تعصى عليّ الإجابات".

المحاكاة والتقليد والأمّهات، حبل ود لا ينقطع

في سنوات حياة الطفل الأولى، يتعلّم من خلال محاكاته لسلوكيات من حوله وتقليدها، أي أنه ينظر، يلاحظ ويراقب، ومن ثم يحاول التطبيق، لتكون هذه الفترة بمثابة جسر ما بين المعارف الأولى وما سيبنى عليها لاحقاً من معارف وأفعال، ويبدو أن الأمر في الطبخ قريب إلى حد بعيد مما سبق. أي أن الأمر أبعد من مجرد طبخة تطبّق بطريقة معيّنة، أو بإضافة مكونات دون غيرها، بل يمتد إلى سلوكيّات إعداد الطعام وعاداته، وهو ما يعبّر عنه في الجلسات بعبارات من قبيل: هكذا علّمتنا أمي، أو هذه طريقة أمي في الطبخ، أو ما كانت أمي لتستخدم السمنة بدلاً من الزيت، وما شابهها من عبارات، تعيد خصوصية السلوك إلى الأمّهات على وجه التحديد، فكيف يكون شكل هذه المحاكاة إذن؟

عن ذلك تقول ريما الصباغ: "اعتادت أمي الطبخ مستغنية عن البصل والثوم في الكثير من الأحيان، لرفض والدي مذاقهما في الطعام، وحين أطبخ أتجاوز هذين المكونين عن غير قصد، لا لشيء بل لأن وعيي تشكّل على غيابهما من الطبخات، تماماً كما فعلت أمي".

أما عن تجربة نور شقير، فيبدو أن أثر الأمور امتد ليصبغ شخصيتها خلال إعداد الطعام، بملامح تشبه ملامح شخصية والدتها، فهي، وعلى حد تعبيرها، تتقمص شخصية والدتها حتى تنتهي من إعداد الطبخة، ثم تعود إلى شخصيتها فور الانتهاء، فتوضّح: "أقوم بنفس حركاتها، أكلم نفسي بصوت عال، وأخبر نفسي بخطوات الطبخ، وأعد لنفسي مثلها برنامجاً لطبخة اليوم، كأن أقول: أولاً أقطّع، ثم أسلق، وهكذا"، وتكرر نور عبارات وسلوكيات والدتها في كل مرة يدخل فيها أخوها، الذي انتقل إلى العيش معها في فرنسا، المطبخ، فتطلب منه أن يغادره لتتمكّن من متابعة الطبخ كما يحلو لها!

أما مورو فيروي تفاصيل يحاكي فيها طريقة طبخ والدته للأرز، والتي لا زال يطبّقها حتى اليوم، فيقول: "لم تتوفر الشعيرية دائماً لدينا، فكانت أمي تحمّص بعضاً من الأرز بدلاً من الشعيرية، ثم تطبخ باقي الأرز".

واليوم، ورغم توفّر الشعيرية، يكرر مورو هذا التفصيل دوماً حين يطبخ الأرز. تسمّيه نور شقير "اتصال الوصفات"، وبرأيها فإن الأمر قد خلق مستوى آخر من التواصل ما بينها وبين والدتها، فتذكر: "يمتد اتصال الوصفات إلى ساعات، وأحياناً نبدأ بمكالمة الفيديو من أول خطوة في الطبخة إلى أن أنتهي، هي طريقة مختلفة للتواصل فيما بيننا"، أما مورو الذي يصعب عليه وصف هذه المحاكاة، إلا أنه يجد فيها طريقة للتواصل مع أهله وبلده ومنطقته، وكما يقول: "هي محاولة للشعور بأن شيئاً مشتركاً فيما بيننا ما زال موجوداً".

إن أثر طبخات الأمهات يمتد إلى مدى أوسع مما نظن، فيسبق إعداد الطبخة، يتخللها ويبقى بعدها. والمحاكاة بالتالي قد تبدأ من شراء مقادير الطبخة، ثم تستمر في تحضيرها الذي يتبّع آلية مختلفة من شخص إلى آخر، وفق ما تعلّمه، ليستمر كذلك بعد أن تجهز الطبخة

ما بين الطنجرة، وصندوق الطعام

تشير التفاصيل السابقة إلى أن أثر طبخات الأمهات يمتد إلى مدى أوسع مما نظن، فيسبق إعداد الطبخة، يتخللها ويبقى بعدها. والمحاكاة بالتالي قد تبدأ من شراء مقادير الطبخة، ثم تستمر في تحضيرها الذي يتبّع آلية مختلفة من شخص إلى آخر، وفق ما تعلّمه، ليستمر كذلك بعد أن تجهز الطبخة.

أذكر أمي كيف أحياناً وقبل أن تبدأ في تناول الطعام، تضع بعضاً منه في علب، لأنها كانت قد وعدت أحدهم بأن يتذوق هذه الطبخة، أو لعلمها فقط أن أحداً يحب هذه الطبخة ومن الممكن أن يشتهيها فيخجل أن يطلبها بنفسه، ولا تنسى أن توصيني بإضافة "كمشة" زيادة من العدس أو الأرز للطبخة، لأنها وكما تقول: "يزيد ولا ينقص ماما، بلكي حدا مر فجأة؟".

الفرق، أنه من غير المتوقع في الغربة أن يمر أحدهم فجأة، وهو من التفاصيل التي تغيّرت مع غيرها، فتغيّر المشهد من اجتماع أفراد الأسرة على الطعام والطناجر الكبيرة، إلى صناديق طعام تناسب في حجمها حقيبة ظهر ترافقنا طيلة النهار، وربما غابت كذلك طقوس إعداد المونة، من تجفيف التين، وتيبيس الملوخيّة، إلى المكدوس ودبس الفليفلة.

هذا كله قلّص المساحة التي تُمنح يومياً للطبخ ولتناول الطعام، بالمقابل، شكّل ما سبق طريقة مختلفة في نظرتنا إلى الطعام، الذي صار في الكثير من الأوقات جزءاً من الأنشطة الجماعية في الغربة خلال العطلات، أي أن نخطط لنلتقي ونطبخ معاً.

وربما كان القصد هو اللقاء والاستمتاع، أو أن في الأمر شيئاً من التعويض، فحيث توجد كميات طعام أكثر، توزيع للمهام، وعدد أكبر من الأشخاص، قد يصير الأمر محاولة لخلق حالة في جمالها ودفئها تشبه حالة "طبخة الأم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard