عقب الضربة الموجعة… ما هي خيارات أردوغان في إدلب؟

الجمعة 28 فبراير 202008:03 م


في أكبر خسارة تعرّض لها الجيش التركي منذ اندلاع الأزمة السورية، أعلنت أنقرة أن 33 من جنودها لقوا مصرعهم في غارة شنتها مقاتلات حربية سورية في إدلب شمال سوريا، وهذا ما وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام خيارات صعبة سواء ردّ أم لا.

وكشفت صحيفة دير شبيغل الألمانية، نقلاً عن مسؤول تركي، أن عدد القتلى في صفوف الجيش التركي قد يكون أكبر، لافتةً إلى قلة المعلومات المؤكدة بشأن هوية المقاتلات التي نفذت هذا الهجوم.

وقال المرصد السوري لحقوق الإنسان إن عدد القتلى في صفوف الجيش التركي بلغ 34 على الأقل، مشيراً إلى أنه، بهذا، ارتفع عدد الجنود الأتراك الذين قضوا في سوريا هذا الشهر إلى 54 قتيلاً.

وأضاف المرصد أن القوات التركية لا تزال تواصل قصفها العنيف على مواقع للجيش السوري ولا سيما في مدينة سراقب التي كانت تحت سيطرة المعارضة. 

لماذا استهدفت القوات التركية؟

يبدو أن تركيا هي التي بادرت بشن غارات عبر طائرات بدون طيار على مواقع الجيش السوري، وهذا ما أدى إلى سقوط مدينة سراقب في يد الجماعات المسلحة السورية الموالية لها، وبعضها جهادي.

بحسب ما نشرته وكالة رويترز، فإن روسيا اتهمت تركيا قبل وقوع الهجوم بساعات، بإرسال طائرات بدون طيار لمساندة قوات المعارضة في مدينة سراقب التي تعد مركز تقاطع الطرق الدولية في شمال سوريا.

ونشرت وكالة الأناضول التركية مقاطع فيديو للقصف الجوي التركي الذي استهدف قوات الجيش السوري في إدلب، قبل وقوع الهجوم السوري على الجنود الأتراك، والذي يبدو أنه ردة فعل على الغارات التركية في سراقب ومحيطها.

مندوبة أمريكا في الناتو ترى الهجوم على القوات التركية "درساً لأنقرة". هل تلجأ تركيا إلى المادة (5) من ميثاق حلف الناتو؟

وقال صحافيون أتراك إن الهجوم التركي استهدف جميع أسلحة ومعدات القوات السورية، وكان سبباً في انهيار قوات النظام في سراقب.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أن "تركيا لم تخبرها بمواقع قواتها في إدلب، وكان يجب ألا تنتشر القوات التركية في المنطقة المقصوفة".

وأكدت الوزارة في بيان أن "القصف كان موجهاً ضد المسلحين الإرهابيين، وتبيّن لاحقاً أن صفوفهم ضمت عسكريين أتراكاً".

وذكرت أن الطائرات الحربية الروسية لم تنفذ أي مهمات في المنطقة التي تعرّض فيها العسكريون الأتراك للقصف.

ورد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار على البيان الروسي بأن أنقرة أبلغت روسيا بمواقع قواتها قبل وقوع الهجوم، مضيفاً أنهم أرسلوا تحذيراً إلى موسكو خلال المرحلة الأولى من الهجوم على الجنود الأتراك، لكن الغارات استمرت حتى أنها استهدفت سيارات الإسعاف.

خيارات صعبة

في ظل هذا التصعيد، ترأس الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اجتماعاً للأمن القومي في أنقرة، استمر ست ساعات، من مساء 26 شباط/فبراير إلى الساعات المبكرة من صباح 28 شباط/فبراير، ولم تُرشح معلومات عن نتائجه.

وقالت الرئاسة التركية إن "أنقرة عازمة على مواصلة نضالها المشروع في سوريا بموجب القوانين الدولية، حتى تحقيق جميع أهدافها".

كما أعلنت أنها لن تغيّر خططها عقب الهجوم الدموي الذي تعرضت له قواتها في إدلب.

وفي وقت لاحق، أوضحت تركيا أنها استهدفت أكثر من 200 هدف سوري رداً على الهجوم الذي استهدف جنودها. وأضاف وزير الدفاع التركي: "قصفنا 200 هدف سوري بالطائرات المسيرة والمدافع الثقيلة في إدلب".

وتابع: "تم تحييد (قتل) 309 عناصر من قوات النظام السوري وتدمير خمس مروحيات و46 دبابة ومدفعاً ومنظومتين للدفاع الجوي طراز SA-17 و SA-22".

وقال المحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو لرصيف22: "لا خيار الآن سوى الحرب بعد الهجوم الدامي الذي استهدف القوات التركية في إدلب".

تركيا أرسلت جيشاً كبيراً إلى إدلب من دون وجود غطاء جوي، فبات هدفاً سهلاً لروسيا وسوريا. هل قدّمت أنقرة جنودها فريسة إلى دمشق وموسكو؟ ما خياراتها الآن؟

 ورأى المحلل السياسي التركي علي باكير أن "جميع خيارات أنقرة سيكون لها تكاليف، أقلها استقبال ثلاثة ملايين لاجئ ومواصلة تحدي روسيا".

وأشار إلى أن القضية الآن بالنسبة إلى تركيا هي تقليل هذه التكاليف مع بلوغ أهدافها الخاصة. وقال إن "أنقرة تتجنب الإشارة إلى روسيا في الهجوم الذي استهدف قواتها، وهذا أمر مفهوم في ظل عدم وجود دعم ذي مغزى من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو)".

وأضاف باكير: "تحتاج تركيا إلى تغيير أوراق اللعبة أو ستواصل روسيا رفع التكاليف التي تتحملها أنقرة".

وحذر من أن التردد في الرد لدى الجانب التركي سوف يؤدي إلى مزيد من الخسائر، مشيراً إلى أن أنقرة "دفعت بقوات كبيرة إلى إدلب في ظل غياب السيادة الجوية التركية، وهذا ما يجعلها هدفاً لروسيا. لذا هي خطوة مخطئة من أنقرة".

دعم دبلوماسي

أما المستشار السابق لحملة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الانتخابية، وليد فارس، فنبّه إلى أن أردوغان في موقف صعب، لأن الجبهة التي تقاتل بجانب قواته تتكون من "ميليشيات إسلامية متطرفة تتخطى فكرة الثورة السورية. وهذه هي المعضلة الحقيقة التي تعوق الغرب عن دعم أنقرة في إدلب".

وأضاف لرصيف22: "الغرب والولايات المتحدة غير مرتاحين لدعم هذه الميليشيات التي لها ارتباطات بتنظيمات تشكل خطراً على أمن أوروبا وروسيا والنظام. لذا لن يتراجعا في ظل وجود هذه التنظيمات".

وتابع فارس: "الدعم الأمريكي سيظل دبلوماسياً وكلامياً، لأن الرأي العام، بحزبيه الجمهوري والديمقراطي، في واشنطن لا يريد أن يدعم ميليشيات ذات ارتباط بتنظيمات متطرفة، على الرغم من أنهم يريدون المساعدة ضد نظام الأسد وروسيا".

وقال: "الخيار التركي يستند إلى اعتماده على قواته التي هي قادرة على تحقيق انتصار على قوات النظام إذا تدخلت بشكل واسع، لكن الرأي العام التركي تعب من الحرب، خصوصاً أن الوضع الاقتصادي يتراجع في الداخل فيما نفوذ المعارضة يتصاعد".

وتابع: "سيكون الخيار الأنسب للرئيس التركي هو عقد صفقة جديدة مع روسيا تتضمن التخلي عن الجماعات المتشددة".

واشنطن: نتضامن مع تركيا 

في المقابل، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب تركيا، وأنها "قلقة جداً".

وقالت الخارجية الأمريكية: "نقف إلى جانب حلفائنا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تركيا، ونواصل الدعوة إلى وضع حد فوري لهذا الهجوم البغيض من قبل نظام الأسد وروسيا والقوات المدعومة من إيران".وأضافت أن ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو يبحثان "خيارات أفضل" لدعم تركيا.

ودعا السيناتور الأمريكى ليندسي غراهام إلى إقامة منطقة حظر طيران فوق إدلب وحثّ ترامب على المساعدة "لوقف مقتل المدنيين هناك" من دون أن يتطرق للهجوم على القوات التركية.

وأضاف: "أنا واثق من أنه إذا تصدى العالم، بقيادة الولايات المتحدة، لإيران وروسيا، فإن هذا سيمهد الطريق لمفاوضات سياسية من أجل إنهاء هذه الحرب في سوريا".

مجلة التايم الأمريكية قالت أن "حلف الناتو لا يلعب أي دور مباشر في سوريا، وأن أعضاءه منقسمون بشأن تصرفات أنقرة هناك، ومترددون في التدخل في صراع من صنع تركيا". أردوغان وحيداً؟

لكن سارعت مندوبة الولايات المتحدة لدى حلف الناتو، بيلي هاتشيسون، بعد سماعها بالهجوم على القوات التركية إلى القول: "آمل كثيراً أن يرى الرئيس أردوغان من هو شريكه الموثوق به… إنهم يرون من هي روسيا الآن".

وأردفت: "نريد أن تفهم تركيا أننا نحن الذين تحالفت معهم"، مضيفةً "إذا هاجم الروس القوات التركية، أجهل ما الذي يحدث، لكن هذا بالتأكيد تغيير كبير". 

وتوترت العلاقات بين واشنطن وأنقرة عقب شراء الأخيرة منظومة أسلحة روسية من طراز إس 400.وقررت واشنطن عدم تسليم طائرات من طراز أف 35 إلى تركيا، وهددت بفرض عقوبات عليها.  

هل يتدخل الناتو؟

في سياق متصل، عقد أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) محادثات طارئة بناءً على طلب تركيا بعد مقتل الجنود الأتراك في سوريا.

وقال الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في بيان إن محادثات عُقدت بموجب المادة (4) من معاهدة تأسيس حلف الناتو، التي تسمح لأي حليف بطلب مشاورات إذا شعر أن سلامته الإقليمية أو استقلاله السياسي أو أمنه في حال الخطر.

ودعا ستولتنبرغ روسيا وسوريا إلى وقف الهجوم في إدلب، وقال بعد اجتماع مع سفراء التحالف، إن الحلف متضامن مع تركيا.

غير أن وزير خارجية لوكسمبورغ قال إن التدخل في سوريا ليس من مسؤولية الناتو.

وذكرت مجلة التايم الأمريكية أن "حلف الناتو لا يلعب أي دور مباشر في سوريا، وأن أعضاءه منقسمون بشأن تصرفات أنقرة هناك، ومترددون في التدخل في صراع من صنع تركيا".

وأضافت المجلة أن "فرنسا بشكل خاص تحاول فتح نقاش بشأن ما يجب على حلفاء تركيا فعله إذا طلبت أنقرة مساعدتهم بموجب المادة (5) من معاهدة واشنطن- التي تنص على قيام جميع الحلفاء بالدفاع عن أي عضو يتعرض للهجوم- لكن هذا النقاش لم يحدث".

ولفتت إلى "أن أنقرة أوجدت أزمة مع أعضاء الحلف عندما قررت شراء صواريخ S400 الروسية الصنع، وتهدد بها أمن الناتو".

عقب مقتل جنود أتراك بضربة جوية في سوريا،  سمحت أنقرة للاجئين السوريين بالعبور نحو بلغاريا واليونان التي قررت إغلاق حدودها. هل تخطت تركيا خطاً أحمر  بالنسبة لأوروبا؟

إلا أن مجلة التايم ترى في الوقت نفسه أنه "على الرغم من التوترات السياسية والعسكرية العالية، فإن تركيا مهمة جداً في التحالف الذي يضم 29 دولة".

وأضافت: "لتركيا أهمية إستراتيجية كبيرة بالنسبة إلى حلف الناتو. تقع هذه الدولة ذات الأغلبية المسلمة على مضيق البوسفور، وهذا ما يجعلها جسراً حيوياً بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وهذا المضيق هو الممر المائي الوحيد من البحر الأسود وإليه. وفيه يتمركز الأسطول البحري الروسي".

وتابعت: "يعتمد حلفاء الناتو أيضاً على قاعدة إنجرليك الجوية في جنوب شرقي تركيا كنقطة انطلاق للوصول إلى الشرق الأوسط. يدير الحلف عمليات مراقبة جوية في المنطقة انطلاقاً من هذه القاعدة، ولدى الولايات المتحدة أسلحة نووية هناك أيضاً".

اللاجئون سلاح تركي للضغط 

في خطوة عدّها كثيرون ضغطاً من أنقرة على أوروبا، سمحت أنقرة للاجئين السوريين بالعبور نحو بلغاريا واليونان التي قررت إغلاق حدودها. وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أن الخطوة التركية يبدو أنها ترمي إلى إجبار الاتحاد الأوروبي والناتو على دعم عملية أنقرة العسكرية في إدلب.

وقالت الصحيفة إن اللاجئين شعروا أن موافقة تركيا على عبورهم نحو البحر إجراء مؤقت، لذلك بدأوا التحرك بسرعة للعبور نحو أوروبا.

في هذا الإطار، قال وليد فارس إن هذه الخطوة تعدٍّ تركي على الخط الأحمر الأوروبي، عدا أنها تهدد الحكومات الأوروبية المعتدلة بسقوطها أمام اليمين المتطرف الذي وصل إلى السلطة بفضل وصول هؤلاء اللاجئين في الأعوام السابقة.

وأضاف: "سيكون هناك غضب داخل أوروبا من الخطوة التركية ومخاوف من صعود اليمين بفعل موجة جديدة من المهاجرين. ولن تحصل أنقرة على دعم حلف الناتو إلا بعد وقف المهاجرين، لكن الموقف الأمريكي المتردد قد يفشل هذه المقايضة أيضاً".

وقال عضو البرلمان الأوروبي غي فيرهوفشتات إن "الحرب الكارثية في سوريا، وهي كارثة إنسانية تزداد سوءاً، ولها تداعيات سياسية في أوروبا بشأن صعود اليمين المتطرف، إذ تظهر مدى ارتفاع تكلفة التقاعس عن العمل في منطقتنا. السماح لبشار الأسد وروسيا بالذهاب إلى هذا الحد سوف يطارد أوروبا ويُخجلها".

وقال المحلل السياسي البريطاني ماركوس بابادوبولوس: "لو لم تسعَ تركيا إلى إطاحة الحكومة السورية من خلال استخدام الإرهابيين الإسلاميين، لما كانت هناك أزمة لاجئين تهدد أوروبا".وأضاف: "للأسف، فإن تركيا تشكل تهديداً ليس لجيرانها فحسب، بل كذلك لأوروبا".

ودعت الإعلامية والصحافية البريطانية كاتي هوبكينز إلى "الدفاع عن حدودنا ووضع نقاط أمنية"، مضيفةً أن "اللاجئين سيتوجهون في الشاحنات، وفي قوارب، إلى اليونان ومنها إلى بريطانيا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard