أفكار حول مسابقات ملكة وملك الجمال… وماذا يمكننا أن نفعل؟

الجمعة 28 فبراير 202003:12 م

في عام 1974، تم سحب اللقب من ملكة جمال بريطانيا هيلين مورغان، بعد أربعة أيام من فوزها باللقب، لأن لجنة المسابقة اكتشفت أنها أم عازبة لطفل عمره ما يقارب العام والنصف.

في هذا العام، أجرت ألمانيا تغييراً جذرياً ومثيراً للإعجاب عندما فتحت الباب للنساء حتى عمر الخامسة والثلاثين، حتى المتزوجات منهن، للتقدم لمسابقة ملكة الجمال، كما ألغت بدورها عرض النساء لأجسادهنّ بالبكيني، وتميزت أيضاً بمشاركة قاضيات للمرة الأولى، لتتوج أخيراً السيدة ليوني شارلوته، كملكة جمال ألمانيا.

الأم الأولى منذ تاريخ تأسيس المسابقة في العام 1927، والبالغة خمسة وثلاثين عاماً، والتي تنقلت بين عدة وظائف، من نادلة في مقهى إلى مديرة مبدعة وصحافية، وبهذا تكون ألمانيا قد أضافت بصمتها الأساسية في تغيير معايير الجمال لتصبح أشمل وأنسب للعصر، الذي عرف حركات نسوية مؤثرة وتغييراً كبيراً في مفاهيم ثقافية واجتماعية تتعلق بحقوق الإنسان، وبتخصيص أكبر، بحقوق المرأة ونظرتها لنفسها.

ملكة جمال الولايات المتحدة لهذا العام، كاميل شيرير، أيضاً حالة استثنائية إذا ما قورنت مع المتسابقات في السنوات الماضية، حيث نالت اللقب بعد أن أجرت تجربة كيميائية على المسرح بثياب المخبر البيضاء، دون اللجوء إلى ثياب البحر التي ألغتها أميركا في العام 2018. شيرير حاصلة على شهادتين جامعيتين وطالبة دكتوراه، وأرادت استغلال موقعها الجديد والأموال التي حصلت عليها من المسابقة، لنشر وعي يهدف الوقاية من تعاطي المخدرات.

تختلف الآراء حول هذا النوع من المسابقات، فالبعض يرى أنها غير عادلة عندما تحكم على المرأة من خلال شكلها فقط، وتغض النظر عن كفاءتها وإنسانيتها، وآخرون يرون أنها تصور المرأة كسلعة جنسية، بينما يجد موقف آخر أن لها إيجابيات على صعيدين، شخصي واجتماعي، فهي تشجع على زيادة الثقة بالنفس وفرصة للحصول على منح دراسية، ومن ناحية اجتماعية لها تأثيرات اقتصادية وسياحية جيدة وتزيد من الأنشطة الخيرية.

اختيار ملكة جمال العالم من أصل أفريقي هذا العام، كما التركيز على الثقافة والنجاح والتأثير، بعد أن كانت المسابقات من قبل تركز على لون البشرة، الوزن، الطول والعزوبية. بالإضافة إلى ما ذكرته قبل، من التغيرات العالمية التي تطرأ على مسابقات ملكات الجمال في العالم وشروطها الجديدة، كلها معايير تحاول الاستجابة ولو ببطء وأقل من اللازم للحركات النسوية ومطالبة النساء بحقوقهن وبالمساواة.

إن تنمر الناس على خديجة بن حمو، التي تُوّجت العام الماضي ملكة جمال الجزائر، لأنها سمراء البشرة، فإنه مرة أخرى تصوير دقيق جداً للطريقة التي يقيّم بها بعض الناس الجمال في مجتمعاتنا العربية عامة، ببياض البشرة والعيون الملونة

مسابقات ملكات الجمال العربيات

هذه التغيرات تقودني إلى مقارنتها (ولو كانت المقارنة غير عادلة) مع بعض المسابقات التي تُقام في عالمنا العربي، وتناسبها مع ظروفه من كافة الجوانب في ظل الديكتاتوريات.

في سوريا على سبيل المثال، اختيار ملكة الجمال أمر مثير للسخرية، لأنه دائماً ما يتم "بالواسطة" وغالباً لا تتمتع الملكة المُختارة بأي تمييز على الصعيد الفكري، الثقافي والإنساني. وفي لبنان التي تختار ملكات الجمال بحدث احتفالي سنوي، تم خلال السنوات الأخيرة مراعاة بعض الشروط الثقافية لكنها ما زالت خجولة، وغالبية الملكات تحولن لفاشنيستات، مذيعات، ممثلات أو مغنيات، وأغلبهن بإمكانيات متواضعة، ولم تبرز حتى الآن ملكة جمال ذات تأثير يستوقفك على الصعيد الثقافي أو الإنساني.

دائماً تحضرني ملكة جمال لبنان السابقة، نادين نسيب نجيم، التي صارت ممثلة مشهورة جداً، رغم إمكانياتها الفنية المتواضعة، عندما قالت في أحد لقاءاتها التلفزيونية، إنها ليست مع المساواة بين الرجل والمرأة، وأنها تشجع ابنها على إقامة العلاقات الجنسية بينما ابنتها لا. ورغم أن البعض اعتبر ما قالته نادين إهانة للمرأة، ورغم ما تعرضت له من انتقادات واسعة، إلا أنها لم تعد التفكير بما قالته ولم تعتذر، بل أصرت عليه دون حَرَج. مع أنه لا ينقصها الذكاء لتوارب بإجابة دبلوماسية، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن السؤال محرج (بالنسبة للعادات الاجتماعية العربية) والإجابة أياً كانت، ستلقى انتقاداً.

أما تنمر الناس على خديجة بن حمو، التي تُوّجت العام الماضي ملكة جمال الجزائر، لأنها سمراء البشرة، فإنه مرة أخرى تصوير دقيق جداً للطريقة التي يقيّم بها بعض الناس الجمال في مجتمعاتنا العربية عامة، ببياض البشرة والعيون الملونة. بينما لم يتطرق الكثيرون لانتقاد خديجة من جوانب أخرى، مثل: من هي؟ ماذا فعلت؟ ماذا حققت؟ وللإنصاف فإنها أيضاً تلقت دعماً من ناشطين جزائريين وعرب رائعين.

لا نستطيع إيقاف هذه النوع من المسابقات، ولن نغير بسهولة الأحكام الاجتماعية غير العادلة في الحكم على الناس من خلال أشكالهم وآثارها النفسية عليهم، لكن نستطيع أن نفعل شيئاً واحداً مهماً ومؤثراً للغاية، وفي متناول الجميع، وهو أن نربي أطفالنا على قيم أخلاقية وإنسانية عادلة

مسابقة ملك الجمال للرجال

جانب آخر لمسابقات الجمال لكن يتعلق بالرجال هذه المرة (ملك الجمال) وآثارها السلبية على الرجل وعلى ثقته بنفسه، من الضروري أيضاً عدم إغفاله، لكن ربما لأسباب اجتماعية وتاريخية، لا تلقى مسابقات الرجال الشهرة والاهتمام ذاته الذي تحصده ملكات الجمال لدينا، وما زالت معايير تقييم جمال الرجل مختلفة عن تقييم جمال المرأة.

لكن إذا أردنا التدقيق في مقاييس تصنيف الجمال لدى الرجال اجتماعياً سنجدها أيضاً معيبة، فالعبارات الشائعة المستخدمة لوصف جمالهم غير أخلاقية وغير عادلة، كالطول، اللحية، الأكتاف العريضة، الصوت الجهوري، الأناقة والعضلات المفتولة، وكلها معايير تضع الرجل قصير القامة أو خفيف اللحية، وكل من لا تنطبق عليهم مقاييس الجمال الاجتماعية، في موقف محرج، وتسبب لهم، كما للنساء، أزمات نفسية وقلة ثقة بالنفس، وتضع بعض النساء اللواتي يعترضن على مقاييس تقييم جمال المرأة في مأزق أخلاقي، عندما تُقحم نفسها في هذه التصنيفات، وتحكم على الرجل أيضاً من خلال شكله، وتغض النظر عن إنسانيته وكفاءته، وتحمّله فوق طاقته.

لا نستطيع إيقاف هذه النوع من المسابقات التي تعود بملايين الدولارات على الشركات التي تنظمها والمحطات التلفزيونية التي تنقلها، ولن نغير بسهولة الأحكام الاجتماعية غير العادلة في الحكم على الناس من خلال أشكالهم وآثارها النفسية عليهم، لكن نستطيع أن نفعل شيئاً واحداً مهماً ومؤثراً للغاية، وفي متناول الجميع، وهو أن نربي أطفالنا على قيم أخلاقية وإنسانية عادلة. للأهل دورهم وللمعلمين/ات أدوارهم/ن، وكل شخص واعٍ له دور يجب أن يأخذه، طالما الغالبية تعاني من التمييز والتنمّر والعنصرية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard