"عودي لمطبخك"... تونسيات اخترقن "مهن الرجال"

الخميس 27 فبراير 202006:46 م

"اخترت العمل في محطة لبيع الوقود ولست نادمة، فأنا أثبت طيلة سنوات عملي أنني سيدة بألف رجل، وأنني أستحق هذا العمل بجدارة"، هكذا بدأت بيّة (50 عاما) حديثها مع رصيف 22، وهي امرأة تونسية اختارت العمل في مهنة ظلت إلى زمن غير بعيد حكرا على الرجال.

بدأت بية العمل في محطة لبيع الوقود بتونس العاصمة منذ سنة 1995، تبدأ عملها اليومي الساعة السادسة صباحاً، وتعود إلى منزلها في العاشرة ليلا، تقضي معظم وقتها في مكان عملها بين الزبائن، ورائحة الوقود من بزوغ الشمس إلى آخر ساعات الليل.

اضطرت بية في شبابها إلى مغادرة جامعة العلوم السياسية في تونس، بحثاً عن عمل تعيل منه إخوتها، وتساعد والدها على تربيتهم، فبدأت العمل في شركة استيراد وتوريد، قبل أن تغادرها وتستقرّ في محطة بيع وقود.

عاملة وقود: "لم أبال بالمجتمع"

لم تخفِ بية تعرضها لعدّة مضايقات منذ أن امتهنت عمل كان إلى زمن غير بعيد غير قابل للتأنيث، تقول لرصيف22: "الرجال يعتبرونني منافسة لهم في عمل يعتقدون أنه ملكهم وحدهم، لكنني لم أبالِ بهم، قاومت أنانيتهم وأكملت طريقي، واليوم أنا المسؤولة عليهم في محطة بيع الوقود".

وتنحدر بيّة من مدينة قعفور، التابعة لولاية سليانة، شمال غرب البلاد، وهي أم لطفلين، وتتحدث الفرنسية بطلاقة، حيث تعتبر أن المرأة في بلادها لم تعد عاجزة عن فرض نفسها في أي مهنة، مهما كانت صعوبتها، كما أنها ترفض تقسيم المهن حسب الجنس.

وتضيف بيّة بوجه مبتسم، متحدثة عن بداية طريقها: "في بداية عملي، وجدت صعوبات كثيرة، ورفضاً كبيراً من المجتمع، من زملائي الرجال في العمل، ومن المحيطين بي، إلا أنني تمكنت مع الوقت من كسب ثقة مديري، بعد أن أثبتُّ قدرتي على إتقان العمل وكسب احترام الغير".

"الرجال يعتبرونني منافسة لهم في عمل يعتقدون أنه ملكهم وحدهم، لكنني لم أبالِ بهم، قاومت أنانيتهم وأكملت طريقي، واليوم أنا المسؤولة عليهم في محطة بيع الوقود"

وعن أسباب نجاحها في عملها، تؤكد أنها نجحت بفضل قوة شخصيتها، وعزيمتها في تحدي المصاعب، وتجاهل التعليقات السلبية، ورفض المجتمع لها، حيث أنها دافعت عن اختيارها، وساهمت في محو الفكرة النمطية السائدة بأن المرأة لا تنجح في "مهن صعبة".

وإلى جانب قوة شخصيتها وعزيمتها، تَدين بيّة لصاحب محطة بيع الوقود، الذي تعتبر أنه "رجل مثقف لا يقصي المرأة"، وأنه شجعها وساندها في عملها، وأمنها على محطة بيع الوقود.

من رسم الغرافيتي إلى عاملة بناء

الشابة التونسية آمنة القاسمي (20 عاماً) اختارت هي الأخرى العمل في مهنة كانت ولازالت إلى اليوم حكراً على الرجال، فهي تحدّت صغر سنها، وضعف بنيتها الجسدية، وبدأت العمل في مجال البناء منذ أن كان عمرها 16 عاماً.

تدرس آمنة في أحد المعاهد في العاصمة تونس، وتذهب للعمل في العطل الرسمية، وفي أوقات فراغها في حظائر البناء، حيث تقوم بتركيب "أسقف الجبس" بحرفية ودقة عالية، كما تصف نفسها، تحب عملها، وتقول لرصيف22: "عملي لا ينقص من أنوثتها".

"في البداية كنت أرسم الجرافيتي على جدران روضات الأطفال بمقابل مادي، لكنني سرعان ما اقتحمت عالم البناء، وبدأت في تعلّم تركيب أسقف الجبس في المنازل، وبعد وقت قصير أصبحت محترفة في عملي، وتفوقت حتى على الرجال".

"اقتحمت عالم البناء، أركّب أسقف المنازل، وتفوقت حتى على الرجال".

عملت آمنة في البداية برفقة شقيقها في حظائر البناء، لكنها اليوم استقلت عنه، وأصبحت تشرف على فريق من العاملين، بعد أن احترفت تركيب "أسقف الجبس"، كسبت ثقة الزبائن وذاع صيتها في تونس.

وأكدت آمنة أنها واجهت في البداية صعوبات في التعامل مع أصحاب العمل، فقط لأنها امرأة، وتضيف: "صاحب العمل غالباً ما يتفاجأ عندما يعرف أنني فتاة شابة، ويعبر لي عن خوفه من أن أفشل في تركيب أسقف منزله كما يريد، فاضطرر في أحيان كثيرة إلى ابتكار حيلة كي لا أخسر فرصة العمل، فأقول لهم: إذا لم يعجبكم العمل لا تدفعوا لي".

وتتتابع آمنة: "بهذه الحيلة نجحت في الحصول على عشرات فرص العمل بصفة مستقلة، وفي كل مرة أنهي فيها عملي يأتيني صاحب المنزل فرحاً بالنتيجة، ويقول لي إنني أتقنت عملي أفضل من الرجال".

ورغم أن تونس كانت سباقة في تكريس مبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين، وسن ترسانة من القوانين لتحقيق المساواة التامة بين المرأة والرجل، إلا أنه يتمّ إلى اليوم تفريق المهن وتقسيمها لـ"رجالية" و"نسائية". وهو ما تعتبره آمنة "أمراً خاطئاً".

وتؤكد آمنة أن هناك من يرفض عملها، ويعتبر أن ما تقوم به "عيب"، في حين أنها تلقت تشجيعاً من البعض الآخر، كما أصبحت ملهمة للنساء في تونس، حيث تتلقى آلاف الرسائل من نساء وفتيات يطلبن منها أن تدلهن على طريقة يتعلمن من خلالها فن تركيب "أسقف الجبس".

وتطمح آمنة إلى تكوين شركة تختص في تركيب أسقف الجبس، وتزويق المنازل بطريقة عصرية، حيث تؤكد أن "شركتها ستفتح أبوابها للنساء والرجال على حدّ سواء، لتكوينهم في هذا المجال وتشغيلهم دون تمييز".

"سائقة تاكسي وأفتخر"

"تعرضتُ لمضايقات عديدة عندما اخترت العمل كسائقة تاكسي لإعالة أطفالي، وسمعت كلاماً جارحاً من زملائي الرجال، لكنني لم أهتم بعنصريتهم وتمسكت بعملي كي أعيش"، تقول فاطمة (49 عاماً) عن عملها كسائقة تاكسي، تجربة تصفها بـ"الصعبة".

وتشير فاطمة في حديثها لرصيف22 أنها تعرضت للتحرش، والمضايقات، والسخرية أثناء ممارستها لمهنتها، وهي مضطرة للتواصل مع جميع الفئات العمرية والاجتماعية، لكنها كانت قوية في التعامل مع النظرات السلبية التي كانت تلاحقها أينما ذهبت.

وتضيف فاطمة: "في البداية كنت سريعة التأثر بتصرفات الناس، لكنني بعد 15 سنة من الخبرة والعمل الميداني، أصبحت قوية، وأحببت عملي أكثر، أنا اليوم فخورة بكوني سيدة تونسية اقتحمت مهنة رجالية، ونجحت فيها بامتياز".

تتذكر فاطمة ذات مرة زميلاً لها تهجَّم عليها، وطلب منها العودة إلى مطبخها، تقول فاطمة بتأثر: "لا يمكنني أن أنسى كيف هاجمني زميلي وقال لي بالحرف الواحد: عودي إلى مطبخك".

وتدعو فاطمة النساء العربيات اللاتي اخترن مهناً رجالية صعبة إلى الصبر والتحمل، فهي تؤكد أن تقبّل المجتمع لهن، ولاختياراتهن سيحتاج الكثير من الوقت، كما تعتبر أن المرأة التونسية اقتحمت جميع المجالات، وجميع المهن، وصمدت في وجه "المجتمع الذكوري".

ورغم كل العقبات، إلا أن فاطمة تؤكد أنها لم تفكر يوماً بترك عملها، فهو المصدر الوحيد لرزقها وقوت عائلتها، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها تونس.

"عنف رمزي ضد المرأة"

يعلّق المختص في علم الاجتماع، سامي نصر حول ما تتعرض له المرأة من تمييز في مهن يحتكرها الرجال: "إن أغلبية الممارسات التي تميز بين المهن وتصنفها إلى نسائية ورجالية، تستبطن في داخلها احتقاراً للمرأة".

وبحسب سامي نصر، فإنه وفقاً لما يسمى بـ"سوسيولوجيا المعيش اليومي"، فإن المجتمع ينظر للمرأة على أنها "كائن نكدي، وأنها لا تصلح للعمل في عدة مهن".

"لا يمكنني أن أنسى كيف هاجمني زميلي وقال لي بالحرف الواحد: "عودي إلى مطبخك"، لكني فخورة اليوم بنجاحي كامرأة تونسية في عملي كسائقة تاكسي"

ويوضح نصر في حديث لرصيف22: "مجتمعاتنا لا تتقبل المرأة عندما تقتحم مهناً صعبة، ومحسوبة على الرجال فقط، بينما يتقبلها بشكل عادي عندما يتم استغلال جمالها، وتشغيلها في مجالات التسويق، والإشهار لترويج البضائع والماركات".

ويفسر سامي نصر أن "التمييز بين عمل المرأة وعمل الرجل يمكن أن نصنفه بالعنف الرمزي، حيث يؤكد أن هذا النوع من العنف يمكن رؤيته ولكن لا يمكن إثباته".

وكمثال على ذلك، يضيف سامي، فإن في تونس أكثر من 350 مديراً عاماً، منهم 1% فقط نساء، إضافة إلى الحضور الضعيف للمرأة في مراكز القرار في الأحزاب السياسية وفي حكومة تونس الجديدة.

"تصنيف العمل لنسائي ورجالي يستبطن احتقارا للمرأة، ولا علاقة له بالكفاءة".

وتابع سامي: "نحن نعيش في مجتمع ذكوري يمارس العنف الرمزي على المرأة، ووفقاً لهذا العنف تم تصنيف المهن إلى رجالية وأخرى نسائية"، مؤكداً "أن الكفاءة ليست المعيار".

ويؤكد نصر أن المرأة نفسها وهي تستسلم لمعايير المجتمع استبطنت هذا التمييز وأصبحت تختار عملها وفقاً لما يراه المجتمع، وهو ما عبر عنه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو بـ"استبطان ما هو خارجي" أو ما يعبر عنه بـ"التطبيع مع التمييز".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard