مات مبارك… "اذكروا محاسن موتاكم" ما عدا الطغاة

الأربعاء 26 فبراير 202005:30 م

نحن لم نقتل الملايين بتركهم على أبواب المستشفيات بلا علاج، وفي غياهب السجون، لأنهم طالبوا بالحرية، نحن لم نؤجج الفتنة الطائفية ونترك المتطرفين يسيطرون على المساجد ليخرّجوا لنا إرهابيين يستبيحون دماءنا، نحن لم نسرق ملايين الجنيهات من شعب نصفه تحت خط الفقر، ولم نتاجر بأحلام الناس بوعود كاذبة، ولم نحوّل بلد بأكملها لعزبة للمحاسيب والأقارب، ولم نُسلم الناس لعصابة تسرقهم ليل ونهار.

نحن لم نفعل كل ذلك ليُقال لنا: اذكروا محاسن موتاكم، فأنتم أيضاً ستموتون وستحتاجون من يذكركم بالخير، نعم سنحتاج ذلك، لكن حتى وإن ذكرونا بسوء فنحن لم نحكم شعباً بأكمله لمدة ثلاثين عاماً، وفعلنا فيه ما فعله الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والذي رحل في الساعات الماضية، من جرائم.

مات مبارك بعد عمر مديد في السلطة وتسع سنوات خارجها، محتفظاً بمعاملة ملكية حتى آخر أيام حياته، وسرعان ما ظهرت "هوجة" الترحّم عليه، وبات ممنوعاً على أي فرد ذكر أي جريمة ارتكبها الراحل، لأن ذلك يتعارض مع الحديث النبوي "اذكروا محاسن موتاكم"، ولأنه لا شماتة في الموت.

وبعيداً عن الحديث النبوي المشكوك في صحته، بحسب أئمة الحديث، أستطيع أن أفهم المغزى الجيد منه وحثّه لنا على احترام الأموات، كما أتفهم من يمنعوننا من الشماتة في الموت، فقط أعيب عليهم اختلاط المفاهيم، فهل ذكر الحقائق يعني شماتة؟ وهل معنى هذا الحديث ألا نذكر أي حاكم بسوء، وألا ننتقد ما فعله؟ وهل إذا كتبت أن مبارك حرامي، وهذا أمر بت فيه القضاء، أكون قد أسأت للرجل؟

نحن لم نفعل كل ذلك ليُقال لنا: اذكروا محاسن موتاكم، فأنتم أيضاً ستموتون وستحتاجون من يذكركم بالخير، نعم سنحتاج ذلك، لكن حتى وإن ذكرونا بسوء فنحن لم نحكم شعباً بأكمله لمدة ثلاثين عاماً، وفعلنا فيه ما فعله الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، والذي رحل في الساعات الماضية، من جرائم

وفي رأيي، إن من يطالبوننا بذكر محاسن موتانا، لا يدركون الفرق بين الرجل العادي والحاكم أو المسؤول، فالأول لم يؤذني حتى لو أذى نفسه، وبالتالي ليس لي حق ذكره بسوء، أما الثاني فيخضع للمحاسبة والمناقشة حياً وميتاً، فإن كان عظيماً يُذكر بالخير، وإن ارتكب الجرائم مخلفاً وراءه آلاف الضحايا، يُذكر بما فعل طوال الدهر.

وحتى لا يعتقد البعض أن ذلك أمر متعلق بشخصية مبارك، وأنني لا أريد سوى سبّه فقط، وهو يستحق، لكن القضية أكبر من ذلك، فالتذكير الدائم بما فعله الطغاة وأساليبهم وما ارتكبوه من كوارث واجب على الجميع، وذلك لأكثر من سبب.

وأول تلك الأسباب أنه يجعلنا ندرك كشعب، أسباب عدد من المشكلات التي نحياها اليوم، ويخلق لدينا حاسة التوقع بما ستفضي إليها بعض التصرفات الديكتاتورية، والأهم يعطينا خبرة كيف نتفادى المصائب، فلو لم نكتب أن جمال عبد الناصر ارتكب كارثة في 1967 لم نكن لنصل لنصر أكتوبر، فكيف سيكون المشهد لو اتبعنا ذكر محاسن الأموات وقتها؟

السبب الثاني الذي يجعلنا نصرّ بأن ذكر مساوئ الطغاة هو أمر مشروع وواجب أحياناً، هو الأمانة التاريخية المفترض أن نحملها للأجيال المقبلة، فلو اتبعنا ذكر ما يسمى "محاسن موتاكم"، فكيف سنقدم تاريخنا من خلال الوسائل المختلفة، من تدوين، سينما وأفلام وثائقية، كيف سنحلل ما حدث ونفنّد الرؤى ونتتبع خيط الحقيقة، إن كنا محكومين في النهاية بتقديم تاريخ ملائكي لأناس هبطوا من السماء ليحكمونا، وممنوع علينا ذكر المجرمين لا لشيء سوى لأنهم ماتوا، وبات الحديث عما اقترفوه إساءة يعاقبنا عليها المنتمون لـ"شرطة الأخلاق"، والذين يدّعون المثالية في كل شيء.

أفهم أن للموت رهبة تجعل الألسنة تصمت والقلوب تغفر، لكنني أعرف جيداً أن مبارك الذي عشت في عصره 21 عاماً، واستنشقت الغاز المسيل للدموع بسبب مطالبتي برحيله، هو طاغية مستبد ثار الملايين ضده وأسقطوه، تلك الحقيقة لا يمكن أن تخفيها جنازة عسكرية

السبب الثالث الذي يجعلنا لا نعترف بذكر محاسن الأموات، إن كانوا من الطغاة مثل المخلوع مبارك، هو العدل، فلا يمكن المساواة بين حاكم آمن بحقوق أمته وأنه ليس إلهاً يحكم في الأرض وحافظ على أموالها، وبين آخر حولها لملكية خاصة يفعل فيها من يشاء ما يشاء، وضع الاثنين دون التفرقة بينهما هو نوع من الكذب والتدليس، وهو ما نهتنا عنه كل الشرائع السماوية.

أما السبب الأخير والأهم من وجهة نظري، إن ذكر ظلم الراحلين والحديث عن جرائمهم حتى بعد رحيلهم، أكبر تحذير للظَلَمة الأحياء من الظلم والجور، ليعرفوا أنهم إن استطاعوا تكميم الأفواه بفضل قوتهم في الدنيا، فسيلعنهم الناس في النهاية، لعل ذلك يردعهم، وكما يُذكر العظيم بالخير سيُذكر الفاسدون بفسادهم، ولذلك، حين ذكر الله في قرآنه الكريم قصة فرعون وكيف طغى وتجبر وما هي نهايته، وحين جعل المسلمين يلعنون أبا لهب حتى نهاية العالم، لم يكن القصد من وراء ذلك الإساءة، بل العبرة لكل "فرعون" في أي زمن، الله نفسه ذكر مساوئ الطغاة وجعلها خالدة.

أفهم أن للموت رهبة تجعل الألسنة تصمت والقلوب تغفر، لكنني أعرف جيداً أن مبارك الذي عشت في عصره 21 عاماً، واستنشقت الغاز المسيل للدموع بسبب مطالبتي برحيله، هو طاغية مستبد ثار الملايين ضده وأسقطوه، تلك الحقيقة لا يمكن أن تخفيها جنازة عسكرية، أو إعلان حداد، أو زعماء يسيرون في جنازته، أو تقارير رسمية تشير ببطولاته، لن تخدعنا "الزفة الكدابة"، ولن تجعلني أخجل من قول إن هذا الـ"حرامي" بحكم المحكمة، مكانه الحقيقي مزبلة التاريخ، بعد أن جعلناه عبره لكل من ظنّ أنه خالد في الحكم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard