"نحتاج إلى خيال واسع لا تهدده السياسة والمعتقدات"... صناع الكارتون في مصر

الأربعاء 26 فبراير 202005:14 م

يتذكر صناع الكارتون المصريون في مثل هذا الشهر  عرض أول فيلم رسوم متحركة مصري "مشمش أفندي" في 8 فبراير 1936 قبل 84 عاماً، و هو من أعمال الأخوة فرانكلين، حيث دخلت هذه الصناعة مصر بعد أمريكا، أكبر منتج في العالم اليوم، والتي كانت تحتفل أيضاً في ذات الشهر بعيد ميلاد "توم وجيري" الثمانين، خلال مهرجان أوسكار.

ويالتزامن مع تلك الذكرى، تنطلق في نهاية فبراير وبداية مارس كل عام، فعاليات "ملتقى القاهرة للرسوم المتحركة".

يتحدث ثلاثة ممن يعملون في صناعة الكارتون في مصر لرصيف22، عن التجربة العربية والمصرية، وتأثير التطور، والإنتاج العالمي على وجودها، وانتشارها.

"صناعة الكارتون مرتبطة بالحروب"

يتداول مؤرخون للفن أن مصر تأتى بعد أمريكا في الصناعة تاريخياً، حيث بدأ إنتاجها للرسوم المتحركة في 1936 بفيلم "مشمش أفندي"، وهي المعلومة المنسوبة للكاتب عبد الله أحمد عبد الله، الشهير بميكي ماوس، إلا أن أحداً لم يستطع تأكيد المعلومة أو نفيها.

أنطونيوس القمص، مهندس معماري (42 عاماً) ترك العمارة ليعمل في مجال الرسوم المتحركة في مصر، قبل أن يتجه لصقل هذا العمل بدراسة animaton في Vancouver Film School، ليعمل بعدها في أحد أكبر أستوديوهات كندا في المجال، أستوديو atomic cartoons Vancouver.

يقول أنطونيوس لرصيف22: "ما يعرفه الجميع أن الأخوة فرانكلين، الأخوة الثلاثة الروس اليهود، هم أول من بدأوا صناعة الرسوم المتحركة في مصر، لكن من خلال دراستي لتاريخ الرسوم المتحركة في شمال أمريكا بالذات، فإن الفكرة بدأت من الكوميكس، والتي كان يرسمها فنانو الكاريكاتير في الصحف".

"تحتاج لتعليم قوي، إنتاج ضخم، وبالطبع حرية كبيرة في التعبير، وهي تعتمد على خيال واسع وناضج، غير مهدد بالحالة العقائدية أو المجتمعية أو حتى السياسية"

ويربط أنطونيوس ذيوع صناعة أفلام الكارتون بالحروب، فهو يرى أن أفلام "ديزني" كانت موجهة ضد النازية في الحرب العالمية الثانية، بجانب أفلام موجهة للجنود، لأنهم كانوا يموتون بالخطأ، فصنعوا لهم أفلاماً تعليمية، تتضمن كيفية ارتداء الخوذ، واتباع تعليمات الأمان والسلامة في الحرب.

يضيف أنطونيوس: "كما أن دونالد داك، الشخصية المعروفة، تتهكَّم كثيراً على هتلر والحرب العالمية، وتأثر مشمش أفندي في مصر بأفكار الكبار أيضاً في أمريكا".

"هذا بالنسبة للتاريخ"، يكمل أنطونيوس، "لكن السؤال الذي يجب طرحه اليوم: هل لدينا احتياج فعلى للرسوم المتحركة في مصر، حتى للأطفال؟".

يجيب أنطونيوس: "نحن في مصر حصرنا الرسوم المتحركة بالأطفال، وعلى الرغم من ذلك لدينا نقص في كل ما يخص الطفل ورعايته".


"لا يوجد لدينا كوادر"

يرى أنطونيوس أن هناك مجهوداً يُبذل في تطوير أفلام الكارتون في مصر، ولكن ينقصه شيئان، الأول وجود كوادر ترعى التفاصيل الصغيرة، أو "أسطى" للصناعة، تستطيع أن تستوعب تطورها.

وكذلك ينقص صناعة الكارتون في مصر "التعليم"، يقول: "المتعلمون غير مؤهلين بدرجة كافية، الكم المعرفي لا يواكب التطور الهائل في الخارج، وهذا سبب معظم شكاوى صناع الرسوم المتحركة في مصر".

ويقارن أنطونيوس نظام العمل الخاص بالصناعة بين مصر وكندا، يقول: "أنا أعمل في أستوديو atomic cartoons Vancouver في كندا، أعمل ثماني ساعات، مسموح التأخير لساعة فقط، في مصر لظروف ما تجد الأشخاص يعملون في أكثر من استوديو وهذا يؤثر سلباً".

ويلفت أنطونيوس النظر إلى تنوّع الصناعة في كندا والغرب مقارنة بمصر: "ستجد أعمالاً غير تجارية صنعت للفن فقط، هناك أعمال تعتمد على الفلسفة والفكر، أعمال للكبار والصغار وهكذا، طبعاً هؤلاء يعانون مثل جميع أنواع الفنون غير التجارية، لكن هذا يجعلك تستطيع الخوض في أي فكرة إلى حد ما".

"على سبيل المثال شركة "كارتون صالون"، تنتج أفكاراً مختلفة ليست فلسفية عميقة، لكن تختلف تماماً عن "ديزني"، إخلاصاً للأبداع، من أشهر أفلامهم "غنوة للبحر"، وفيلم "سر القتل"، وهي أفلام تتحدث عن التراث الأيرلندي والسكوتلندي".

"نحتاج تعليم وإنتاج وحرية"

إبراهيم غريب، ممثل مصري، بدأ العمل في الرسوم المتحركة منذ عام 1997، واليوم يعد من أصحاب الرصيد الكبير في مجال الأداء الصوتي (الدوبلاج)، هو أيضا حاصل على دبلوم النقد السينمائي.

يقول إبراهيم عن الطريق الذي سلكه ليتعلم هذا الفن: "المشوار التعليمي في مصر لهذا المجال محدود جداً، إما معهد الفنون المسرحية قسم تمثيل، أو ورش العمل الخاصة بإعداد الممثل، الأمر معي كان مختلفاً، وكذلك مع الرعيل الأول في التسعينيات مثلاً، فمعظمنا مارس المهنة كهواية ممتدة لهواية التمثيل المسرحي، منبع تخريج الممثلين، ومع تكرار التجربة تكونت الخبرة التي جعلت منا قادرين على إنجاز العمل باحترافية ومهنية شديدتين".

وعن الفارق بين أفلام الكارتون الأمريكية التي تمت دبلجتها، والعربية، يتحدث إبراهيم لرصيف22: "هناك فرق بين العمل العربي والأجنبي، فالأخير يأتي جاهزاً تماماً، ويتم استبدال شريط الصوت بشريط صوت عربي، أما العربي فمن البداية يتم تحريك الشخصيات ورسمها بعد تسجيل شريط الصوت، بمعنى أدق، في الأجنبي يكون المهم هو أداء الممثل الأجنبي ورسم الشخصيات، لكن في العربي المهم هو خيال الممثل وتوجيهات المخرج".

"لماذا لا يوجد كارتون باللهجة السورية أو التونسية؟ حتى ميزة أن الأطفال تتعلم الفصحى ليس بالضرورة أن تكون من خلال الأفلام"

ويشدد إبراهيم على أن صناعة الرسوم المتحركة تحتاج لتعليم قوي، إنتاج ضخم، وبالطبع حرية كبيرة في التعبير، يقول "إنها صناعة تعتمد على خيال واسع، وناضج، غير مهدد بالحالة العقائدية أو المجتمعية أو حتى السياسية".

وينهي إبراهيم حديثه: "مازال أمامنا الكثير للبعد عن الأعمال الكارتونية الساذجة، والخروج لعالم النضج في صناعة الرسوم المتحركة".

"الفصحى تقيّد الأفلام"

ليلى سامي، ممثلة ومؤدية للأصوات في الأفلام الشهيرة لـ"ديزني" بالعربي، ترى ليلى أن مشكلة صناعة الرسوم المتحركة هي الإنتاج، فهي تحتاج للأموال لكي تجعل المشاهد يشجع هذا النوع من الأفلام، لذلك الإسهامات المصرية في عالم الرسوم المتحركة ليست كبيرة.

تقول سامي: "بالفعل لدينا صناعة لكنها في إطار محدود وضيق، وكانت تصنع للتلفزيون الرسمي، لم يدفعها الإنتاج الضخم ليجعلها أفلاماً تعرض في السينما".


وبحكم موقعها من الصناعة، لا تشجع سامي دبلجة الكارتون بالفصحى، لأنها برأيها تقيّده، تقول لرصيف22: "لا يوجد بلد عربي يستخدم الفصحى في حياته اليومية، فعندما نصنع دوبلاج يعتمد على دراما الحياة اليومية والتصرفات، فأشعر كممثلة أنه يجعل بيني وبين المتلقي مسافة، لأن من يسمعني في أي بلد يعلم أنني لا أتحدث فصحى في حياتي اليومية، فهذا قرار ليس لصالح التسويق للأفلام بلغتنا، فلماذا لا يوجد كارتون باللهجة السورية أو التونسية؟ حتى ميزة أن الأطفال تتعلم الفصحى ليس بالضرورة أن تكون من خلال الأفلام" .

"أشعر كممثلة أنَّ الفصحى تخلق مسافة بيني وبين المتلقي".

وعن دور الأداء الصوتي في صناعة أفلام الكارتون تقول: "أفلام مثل نيمو، شركة المرعبين المحدودة وليون كينج، صنعت بشغف وحب، فصوت الممثل يؤثر على قربنا من الشخصيات، ويلفت انتباهنا".

وعن شروط نجاح أفلام الكارتون، تقول سامي: "لكي ينجح فيلم مصري لابد أن تكون القصة والكتابة مثيرة وذكية لتشد انتباه المشاهد، لكن الصناعة لها قوانينها التي ينبغي معرفتها وتعلمها".

وتنهي سامي حديثها قائلة: "نحن في محطة انتظار لتكنولوجيا الغرب، وهي تكلفتها عالية، أيضاً المهرجانات لن تشجّع هذا، صديق لي استخدم الأنميشن ليحيي مرحلة (سيكونس) في فيلم تسجيلي عن قصته الشخصية، كلفه ذلك البحث الطويل عن منحة أو أكثر ليمول مشروعه، فالتكلفة كما قلت في السابق، هي الاحتياج الأساسي في الصناعة لارتفاعها، وندرتها محلياً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard