الفنّ التشكيلي في المخيم... صناعة الأمل بالريشة والألوان

الخميس 27 فبراير 202004:25 م




يعتبر فنّ الرسم من الفنون الجميلة الأكثر تعبيراً عن الحاجة الإنسانية لإفراغ المحتقن في النفس، فحين نرسمُ نعيد تكوين الأمل من جديد. في مخيم نهر البارد، شمال لبنان، هناك الكثير من الرسامين التشكيليين المعروفين بفنّهم الذي شكّل حالة متميزة في المجتمع الفلسطيني العام، ليس لأنّ الرسم فنُّ العامة، بل من أجل قدرة الرسّام الذي يعيش الألم الملموس، على صياغة جراحهِ وهواجسهِ في المخيم.

إن تمشيتم في أزقة المخيم فستجدون الكثير من اللوحات العفوية الجميلة والمعبّرة على جدران البيوت، وفي الشوارع العامة، من صور الشهداء، وخريطة فلسطين، وحنظلة، والقدس، حتى صور أخرى للقادة والشعراء والمبدعين الكبار، تملأ جدران المنازل والأزقة الضيقة.

فمن الرسّامين مَن يرسمُ لوحات من الفن التشكيلي/التجريدي الذي يعتمد على الرموز الطافحة في اللوحة، ولا يفضِّل أن يُظهر المعنى بشكلٍ مباشرٍ، بل، يسترهُ وراء الرّمز الذي يوحي به، وهذا النوع له فرادة خاصة، ليس كلّ الرسامين قادرين على القيام به، ومنهم مَن يعتمد على الرسم التقليدي المباشر الذي يستحضر صور الشخصيات المعروفة أو البيوت القديمة، وجرار الماء على أكتاف الصبايا ، وهناك أيضاً مَن يفضّل رسم الجداريات على الجدران فقط، ويعتمد على الرّسم ذي المعنى المباشر والواضح.

تحدث رصيف22 مع الفنان التشكيلي الفلسطيني، علي عبد العال، الذي لهُ الكثير من اللوحات، وقد شارك في معارض محلية، وحاز على دكتوراه فخرية من المركز الألماني للفنون في بيروت. فقال علي: "في ظلّ الظروف الصعبة التي يمرُّ بها المخيم تنقسم حياة الرسّام إلى قسمين؛ هما: دور الفنان في إبراز معاناته من خلال لوحاتهِ، والتقاط المواضيع الفنية ومعانيها من الحالة الواقعية التي يعيشها. والثاني هو معاناة الرسام في إيجاد الموادّ الخاصة بالرسم وقدرته المادية على تأمين هذه الموادّ في ظلّ غياب الرعاية والدّعم من قبل المؤسسات المتخصصة بذلك."

وأضاف: "أواجه كرسّام عدة صعوبات وتحديات في إبراز انتاجي الفنيّ الإبداعي إلى الضوء البعيد؛ عدم القدرة على المشاركة في معارض عالمية ودولية بسبب صعوبة الحصول على تأشيرة السفر وتكلفتها، فتنحصر المشاركات على النشر الإلكتروني والمعارض المحلية القليلة. وعلى الفنان أن يتحدّى الواقع الصعب، ويجتهد في تجسيد قضية شعبه فنّاً جميلاً."

تفضّل ريتا طه برسوماتها العنصر المتخيّل، وهذه الميزة تميّزها عن غيرها من الرسامين من أبناء جيلها؛ فهي ترسم وجوه النساء بألوان خفيفة، وشعورهنّ السوداء الطائرة في الريح

لعبد العال الكثير من اللوحات المنوّعة فهو ينوّع برسوماته بين الوجوه والطبيعة والقرية العربية القديمة ومشاهد للمدن والشخصيات، ويقول إنّ لعبة الألوان لها لذّة خاصة في الرّسم، ويفضّل الألوان التي تعطي ضوءاً واضحاً. يعيش علي في المخيم تحت الظروف المعيشية الصعبة، لكنّه يقاوم بالفن الذي يشكّل بالنسبة له عالماً جديداً يختلف عن عالمهِ المظلم.

أمّا الرسامة التشكيلية، ريتا يحيى طه، بنت المخيم، هي الأخرى، تختار عالمها المختلف في الرسم الذي تتقنه منذ كانت صغيرة. ترسم ريتا شخصيات ثقافية معروفة مثل الشاعر محمود درويش، وصور لفتيات جميلات يرفعن وجوههنّ نحو السّماء. تقول ريتا لرصيف22: "الرّسمُ في المخيم يحتاج إلى اهتمام ورعاية، لأنّ الرسم ليس لهُ أي مردود مادّيّ في ظلّ الظروف الحياتية الصعبة التي نعيشها. لدينا الكثير من المبدعين، لكن الفضاء ضيق عليهم، فلا يستطيعون التحليق أعلى، وذلك لعدّة أسباب وهي أنّ المخيم مجتمع محاصر ومنغلق، والحالة الاقتصادية الصعبة وضعت الكثير من الحواجز أمام الرسّام لممارسة هذه الموهبة الجميلة، ومن الأصعب أيضاً، تقبّل فنّ الرسم كمهنة في المؤسسات الفلسطينية."

وأضافت ريتا: "أنا أعلم أن هناك الكثير من الأطفال في المخيم، يمارسون الرسم بإتقان واحتراف، لذلك أطلب من هذه المؤسسات والمرجعيات الثقافية والاجتماعية، بذلَ الجهود لتوفير بيئة أفضل، ودعمها لكي تستمرّ وتتطوّر على كافّة الأصعدة."

تفضّل ريتا طه برسوماتها العنصر المتخيّل، لكي تضيف حالة التفكير عند المتلقين، وهذه الميزة تميّزها عن غيرها من الرسامين من أبناء جيلها؛ فهي ترسم وجوه النساء بألوان خفيفة، وشعورهنّ السوداء الطائرة في الريح. تمتزج الألوان الخفيفة والثقيلة في بعضها البعض، ويرى المتلّقون اللوحة بأعينهم الخاصة، ويحاولون وضع عنواناً مناسباً لها. كما أنّها تصنع الدهشة، في تفسيرها. وهذا هو الرسم المختلف في عبقرية ريتا الرسامة التي تحلم بأن تصبح رسامة كبيرة، لتنقل تجربة شعبها الفلسطيني إلى العالم الأوسع.



وبين الرسم التشكيلي والتقليدي، نضيء على تجربة الرسام المبدع، أوس العامر، الذي كان لهُ بصمة مختلفة في المخيم بموهبة الرّسم التي لم يمارسها أحد بهذه الطريقة المختلفة. أوس شابٌّ وخريج هندسة معمارية، لكنّهُ يمارس الرّسم منذ الصّغر، ولهُ الكثير من اللوحات المختلفة التي أدهشت الكثير من الناس.

يقول أوس لرصيف22: "الرسم يحتاج إلى فرشاةٍ وألوانٍ، وبعض الوقت فقط. أمّا الإبداع فحالته تختلف، فهو يحتاج إلى عدّة أشياء أساسية لصناعة المختلف. أساس الإبداع هي الموهبة، وهي الأساس، ولكنّها لا تكفي وحدها، فتحتاج إلى اجتهاد وصقل ومتابعة وإلا ستتلاشى وتموت في أزقة المخيم إن لم يكن فيها الاهتمام الكبير."

في المخيم نجد القدرة على المقاومة لاستمرار الحلم في الفنّ، ولا نريد لهذا الحلم أن يتعثّر في طريقهِ إلى التحقيق بسبب الظروف المادّية الصّعبة التي نعيشها

ويضيف: "في المخيم نجد القدرة على المقاومة لاستمرار الحلم في الفنّ، ولا نريد لهذا الحلم أن يتعثر في طريقهِ إلى التحقيق بسبب الظروف المادية الصّعبة التي نعيشها، لأنّ المبدع بصراحة مشغولٌ بقوت يومه، وهذا يعيق استمرار موهبته، فهو يحتاج إلى تفرّغ كامل وتأمل وهدوء للقدرة على المتابعة الحثيثة، وإلا سيجد نفسَهُ في طريق الفشل. هذا هو الأساس والمشكلة."

يعتقد أوس أنّ الرسام أحياناً لا يحتاج إلى جامعات ومعاهد ومختصّين لتعليم فنّ الرسم. إنه يحتاج فقط إلى أن ينمي فكرهُ وثقافتهُ ويطوّر معرفتهُ لصقل هذه الموهبة التي تنمو في نفسه مثل الوردة. كما يحتاج إلى الخروج من الحصار الفكري الذي يعيشه في المخيم، ويحاول التطلّع إلى عوالم الجمال والتفكير المطلق بالأشياء التي تساعده على تحقيق حلمه.

ويقول: "أنا أصبت بالإحباط بفترة من الفترات لكنني عندما سافرتُ ورأيت العالم من قريب، أصبحت مشاريعي في الرسم كثيرة، وأشتغل اليوم على جداريات تجسّد حالة الحرب على سوريا."

يتميّز أوس العامر في لوحاتهِ بأنّهُ يرسم وينحت في لوحاتهِ للعثور على مشهد فنّي جديد. يُبدع في رسم وجه الأسد، ووجوه غريبة بألوان مزخرفة ذهبية، وصور قناطر بألوان الخشب الطبيعي، وبألوان رصاصية لأصحاب استوديوهات التصوير في المخيم، لخلفيات الصور الشخصية على الحائط. وهذا الفنّ هو أبرز تجربة شبابية متميزة في المخيم.


لا يتوقف الإبداع في الفنّ التشكيلي الفلسطيني، ولو تحت الحصار والظروف الصعبة؛ إنّهُ ما زال يشكّل حالة المقاومة المستمرّة، مهما تصاعدت معايير اليأس، وطغى الإحباط، فالأمل ما زال ممكناً في اليد والريشة واللون الجميل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard