شباب "حي الطفايلة" الأردني المعتصم: لماذا نحن بالذات لم تحل مشكلتنا بعد؟

الاثنين 24 فبراير 202002:42 م

كل منهم يرتدي فروة ويلف رأسه حتى منتصف وجهه بشماغه، يخرج البخار من أفواههم وهم يتحدثون ويحكون أيديهم ببعضها استحضاراً للدفء، وبعد أن يطفئوا النار التي أشعلوها في منقل الفحم هذا المساء، يتأهبون لتحضير الفرشات وما تيسر من كنب استعداداً للنوم، قبل استقبال يوم جديد يضاف لروزنامة تجاوزت المائة يوم من الاعتصام... هنا شباب "حي الطفايلة".

"مش رح أحكي عن معاناتنا.. إنتوا اللي جوا البيوت، كيف مر عليكم البرد؟".

يفترش الخمسة وخمسون شاباً من أبناء حي الطفايلة، وهو حي من أحياء منطقة عمان الشرقية، الأرض ويلتحفون السماء، بحسب وصفهم، منذ أكثر من 107 أيام، أمام الديوان الملكي وبالقرب من الساحة الهاشمية في وسط البلد، للمطالبة بشيء لا تتناسب بساطته مع حجم المعاناة التي يكابدها أولئك الشباب الذين لا تبدو عليهم علامات الشباب من أفاعيل البرد وتبعاته، فمطلبهم واحد ومشروع وفق الدستور: الحصول على عمل.

أسماهم الإعلام الأردني بـ"المتعطلين عن العمل من أبناء حي الطفايلة"، لكنني فضلت أن أسميهم خلال إعدادي لهذا التقرير بـ"الوجوه اليائسة للشباب الأردني". لم يأت هذا التوصيف من فراغ، فهذا ما لمسته خلال حديثي مع بعضهم، حيث تبدو عباراتهم مبللة باليأس وهي تخرج من أفواه متعبة ومنهكة لا تشبه أصوات الشباب، وفق ما تمناها الأخطل الصغير عندما قال: "نحن الشباب لنا الغد"، فغدهم مثل يومهم ويومهم مثل أمسهم، والحكومة منذ 107 يوماً "أذن من طين وأذن من عجين"، وفق ما قاله الشاب منيب الرعود.

يعتصم الخمسة وخمسون شاباً من أبناء حي الطفايلة منذ أكثر من 107 أيام، أمام الديوان الملكي وبالقرب من الساحة الهاشمية في وسط البلد في عمان، للمطالبة بمطلب واحد ومشروع وفق الدستور: الحصول على عمل

"كنا عارفين إنه كل هداك الحكي وهم"

يبلغ منيب من العمر 22 عاماً، حاصل على شهادة دبلوم تجارة إلكترونية، وخلال حديثه معي قال: "قبل أن أتحدث عن سبب اعتصامي مع باقي الشباب، لا بد من الإشارة إلى أن الدولة لا تنصف أبناء الحراثين والطبقة الكادحة أمثالي، فرص العمل في القطاع الحكومي في وطني هي محاصصة بين المسؤولين والواصلين ومعارفهم".

فمثلاً، يضيف الرعود: "اللي زي حالتي شاب من عائلة مقاطعة للانتخابات ما في عنا مين يمثلنا كنواب حتى يدافعوا عن مطالبي... وهاد الي خلاني أنزل مع الشباب من أبناء حيي للشارع"، ويبين أنه وفي شهر نيسان/أبريل 2019، كانت انطلاقة شرارة اعتصام أبناء حي الطفايلة من المتعطلين عن العمل واستمر الاعتصام 22 يوماً، ليتم تعليق الاعتصام بعد "إبر التخدير" التي قدمتها أكثر من مؤسسة في الدولة، بأنه وبعد شهر من تلك الفترة سيتم تأمين الشباب المعتصمين بوظائف.

ويتابع الرعود: "إحنا كنا عارفين إنه كل هداك الحكي هو وهم، بس قلنا يلا خلينا نمشي معهم..."، لتنتهي مدة الشهر بعد سلسلة من المد والجزر بين المعتصمين ووزير العمل الأردني وبعض المؤسسات، بنتائج توقعها المعتصمون في البداية: "كأنك يا بو زيد ما غزيت".

"مؤسسات الدولة هي البعيدة عنا مو إحنا البعاد عنها"، يقول محمد الرعود في سياق حديثه عن حالة "التهميش" التي يتعرض لها شباب حي الطفايلة، والتي ترجمت بعدة أشكال، مثل تنفيعات وتعيينات من قبل الحكومة وبضغط من نواب لصالح أشخاص معينين.

ويتابع: "إنت ورا ظهرك نائب أو مسؤول؟ بعيّنك"، وهذا ما لن يحصل مع محمد والمعتصمين معه، فهم أبناء الحراثين، وهم شباب من أبناء حي يعتبر بؤرة ساخنة لحراكات الشارع الأردني، ويشهد حراك عام 2011 على ذلك.

هنا انتقل الحديث مع محمد الرعود إلى السياق السياسي، وهو السياق الذي يبدو أنه طرف الخيط للإجابة على سؤال: "لماذا أبناء حي الطفايلة بالذات من المتعطلين عن العمل لم تحل مشكلتهم بعد؟"، هو ليس بعقاب، كما يقول محمد، ولا انتقام، لكنه ذلك الحاجز الذي ضيق خناقنا كشباب في حي الطفايلة، والذي صنعته أجهزة الدولة منذ العام 2011، وها نحن نلقى نتائجه اليوم واعتصامنا الذي لم يجد حلاً هو أكبر مثال.

ويضيف: "الطفايلة هو الحي السياسي الوحيد في العاصمة عمان، وممكن أن نقول عنه أنه حي سياسي بامتياز، منذ أجدادنا الذين خاضوا معركتين مع العثمانيين، الحد الدقيق وجرح الدراويش".

ويتابع: "تخيلي أنا جدي شهيد واليوم حفيده بيعتصم وبنام في الشارع عشان آخد أبسط حقوقي إني أشتغل... كيف انحرفت البوصلة!".

"إنتو اللي جوا البيوت، كيف مرّ عليكم البرد؟"

وعند سؤاله كيف تمر عليهم أيام البرد القاسية وهم ينامون في الشارع منذ أكثر من مائة يوم؟ أجابني بسؤال: "مش رح أحكي عن معاناتنا.. إنتوا اللي جوا البيوت، كيف مر عليكم البرد؟".

"العالم كله ما بقدر يهمش حي الطفايلة... ومستمرون باعتصامنا وما رح نسمح ببقاء سياسة الإذلال والتجويع"، قالها محمد قبل أن يختم حديثه: "اللي انولد حر لا تتوقعي بيوم من الأيام إنه يخضع".

أصبح الشارع بالنسبة ليزن السعود، ابن الثلاثين عاماً، والحاصل على بكالوريوس إعلام، بمثابة مسكن، كغيره من المعتصمين من شباب حي الطفايلة، الذين يعمل أغلبهم على بسطات خضراوات وغيرها صباحاً، ليأمنوا قوت يومهم أو حتى لا يناموا جائعين على الأقل.

يزن، وفي حديثه الذي يشبه حديث المذيعين، ربما بسبب دراسته للإعلام، أو لحلمه الذي لم يتحقق بأن يعمل كإعلامي، أشار إلى أنه لم يأت للاعتصام بالباراشوت: "ما خليت شي ما اشتغلت فيه"، وعندما قرر أن يطرق باب البحث عن العمل بـ"القانون" دون واسطة وسند ذي ثقل خلفه، كان الشارع جواباً لبحثه عن العمل.

"أنا لما قدمت طلب عند ديوان الخدمة المدنية بدون تجاوز للقانون كنت عارف إنه عالفاضي، لأنه ما عندي واسطة، بس مع هيك أصريت أمشي بالقانون"، يقول يزن، ويضيف: "ضل حالي معلق لحد ما صار اعتصام شباب حي الطفايلة العام الماضي، ولقيت حالي معتصم معهم لأنهم بشبهوني بالأحلام والآمال اللي اصطدمت مع واقع مؤسف في بلدنا... واقع كله مشوه".

"هناك تهميش واضح من بعد حراك العام 2011،لما كان لحي الطفايلة دوراً باندلاع شرارة الحراك الأردني، وكأن الدولة لسان حالها يقول: إذا هاد الجيل بفكر هيك شو رح يكون الجيل اللي بعده؟ وها نحن اليوم ندفع ثمن أننا طالبنا بكرامة وطننا"

"هنالك سياسة تهميش واضحة"

يتذكر يزن أول اجتماع لهم كممثلين عن الاعتصام مع وزير العمل، نضال البطاينة، يتذكر ويستبعد أن ينسى كيف افتتح الوزير الاجتماع بسؤاله: "إنتوا شو بدكو؟"، وحسب يزن، ربما كان يعتقد معاليه أن هذا الأسلوب الفوقي في الخطاب سيجعلنا نرضى بالقليل مما تخبئه جعبته لنا من شواغر تصل إلى الحد الأدنى للأجور… ويتابع: "طبعا ما رضينا!".

"إحنا ما منروح على دورنا وبنام جوا المخازن"، يقول يزن ونبرة العزيمة ظاهرة في صوته، حتى عندما تطرقت للحديث عن ظروف البرد القاسية التي يمر بها المعتصمون لم يتلفت إليها كثيراً، ربما حرصاً منه على ألا يجعل من البرد الذي "ينخر عظامهم" نقطة ضعف في اعتصامهم المئوي.

هل هناك سياسة استهداف بتهميش أبناء حي الطفايلة؟ سألت يزن، وأجاب: "نعم هناك تهميش واضح بدأت ألمسه بشكل شخصي من بعد حراك العام 2011، وأنت تذكرين كيف كان دور حي الطفايلة وقت اندلاع شرارة الحراك الأردني، وكأن الدولة لسان حالها يقول: إذا هاد الجيل بفكر هيك شو رح يكون الجيل اللي بعده؟ وها نحن اليوم ندفع ثمن أننا طالبنا وما زلنا بمطالب تتعلق بكرامة وطننا، عندما هتفنا باسترداد موارد الوطن المنهوبة".

"إحنا بؤرة سخنة للحراكات"، يقول يزن لافتاً أن الدولة وحتى تشتت أبناء حي الطفايلة عن مطالبهم السياسية أشغلتهم بسياسة التضييق معيشياً، ويضحك يزن ويقول: "كأنه البطالة مش سياسية!".

مستمرون؟ سألته وأجاب كطريقة مذيع يختم حلقة برنامجه: "طبعاً حتى لو كمان 100 يوم".

إجراءات التشغيل غير فعّالة

إن اعتصام أبناء حي الطفايلة، وفق رأي الخبير بالحقوق العمالية والاقتصادية أحمد عوض، في حديثه لرصيف22، هو مؤشر لنتائج وعدم فعالية سياسات العمل التي اتبعتها الحكومة مؤخراً، والتي كشفت ووفق أرقام مؤسسة الضمان الاجتماعي، أن إجراءات التشغيل غير فعّالة، ولم تؤد إلى انخفاض نسبة البطالة، بدليل أن نسبة البطالة في الربع الثالث من العام 2019 وصلت إلى 19,1% و40% منها من فئة الشباب العاطلين عن العمل.

حتى فرص العمل في القطاع الخاص التي طرحها وزير العمل، وفق ما يقوله أحمد عوض، هي فرص غير لائقة وذات رواتب متدنية، بالتالي فإن المعتصمين من أبناء حي الطفايلة "ما بنلاموا".

مائة يوم من افتراش الأرض واحتضان السماء مروا على أبناء حي الطفايلة، ذكرتني بعبارة للكاتب الكولومبي ماركيز في روايته "مائة عام من العزلة"، عندما تساءل: "هل البشر مصنوعون من حديد ليتحملوا كل هذه الآلام والعذابات؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard