في مدينة جدة عرفت حرية لم أعشها يوماً

الأحد 23 فبراير 202005:08 م

أراقب وجوههن المبتهجة لحضور مباريات كأس السوبر الإسباني، في ملعب مكتظ بالنساء والرجال المحتفلين بهذا الحدث، فيما يعتبر سابقة، ضمن خطة تهدف للتطوير وتشجيع السياحة غير الدينية في السعودية.

أتأمل الشاشة أمامي، وأحاول أن التقط ملمحاً لمدينة عرفتها وحفظت رسم خريطتها لخمس سنوات: في كل هبوط وصعود في الطائرة، كنت أنتظر اقترابنا حتى أتأملها بانبساطها الممتد بغير تعقيد، إلى جوار البحر.

نتحدث عن تغيير قادم في مدينة ونتجاهل وجود كثيرين فيها ممن يعملون على هذا التغيير منذ زمن.

تظهر بوضوح أبنيتها غير المرتفعة، وشوارعها العريضة التي تبدو كقالب حلوى مقطع بشكل مربع، تضيء بابتهاج في الليل. كأغلب المدن البحرية، اعتادت جدة وجوه الغرباء العابرين، أحياؤها القديمة ذات الوداعة البسيطة تشي بتاريخها الطويل، شاطئها البحري بمتحفه المفتوح، يظهر شهية هذه المدينة في فترة السبعينيات للفنون والقطع الفنية، فأعمال فنانين مثل هنري مور، خوان ميرو وإسكندر كالدر، تمتد على طول شاطئها. هذه المجسمات يتم ترميمها حالياً في محاولة لاستعادة ألق مدينة تم تجاهلها، ففي حين تمّ العمل لتطوير مدن مثل الرياض، حافظت جدة على طابع شعبي يعطي لذة، تمنحنا إياه عادة المدن البحرية.

عرفت جدة بتناقضاتها الفجة، في فورة رغبتي بالانطلاق والاستقلال. هنا كانت بداية التناقض، ففي هذه المدينة التي تشترط لعمل المرأة فيها موافقة الأب، عملت تحت رغبة تحقيق الذات، التي لا أستطيع أن أجزم بأنني نجحت في تحقيقها. تبدو التناقضات جلية، فمع كل التضييق المفروض على حركة المرأة هناك، كنت أعمل وأعيش كامرأة عاملة دون محرم، كما يطلق على الرجل الوصي على المرأة، حياتي كمضيفة طيران جعلتني أقضي فترات طويلة خارج المملكة، لكن في الفترات التي كنت أعيشها هناك، كانت التحديات تتمثل بصعوبة التنقل والتي تقتضي استخدام التكسي، ما يعرّض الفتاة فيه لتحرش راكبي السيارات، وأحياناً تحرش سائق التكسي نفسه.

كأغلب المدن العربية التي نتعلم فيها نحن النساء مناورات تمكننا من التحرك، الحماية من التحرش، أو تجنب أحياء معروفة بارتفاع نسبة التعرض النساء للأذى فيها، تعلمت ثقافة المدينة، ما سهّل علي التنقل فيها. وعلى عكس ما يرغب كثير من الرجال بتصوره، أرغب بالتأكيد أننا نعاني، نحن النساء، من العنف بشكل شبه يومي في شوارع مدننا الحبيبة، وكما جميع المقاتلين، نتقن مع الزمن أساليب تمكننا من النجاة.

عرفت جدة بتناقضاتها الفجة، في فورة رغبتي بالانطلاق والاستقلال. هنا كانت بداية التناقض، ففي هذه المدينة التي تشترط لعمل المرأة فيها موافقة الأب، عملت تحت رغبة تحقيق الذات، التي لا أستطيع أن أجزم بأنني نجحت في تحقيقها

في البداية، تعرفت على المدينة من خلال مراكزها التجارية، سمح لي دخلي بإدمان التسوق والذي أصبح كهواية تقدمها "مولات" مدن الخليج لقاطنيها. هذه "السوسة" من الأمور التي أسفت على إدمانها، لكن طقس المدينة الحار يجعل المولات ملاذاً لتزجية الوقت.

تصف رواية "السقوط إلى أعلى" للكاتب وليد الحجار، متاهات الرغبة بالاستهلاك، وفخ السقوط في شهوة الثراء. كثيراً ما كنت أتذكر الأميرة قطر الندى، وأختها ميساء، مسلوبتي الإرادة أمام عالم المال والسلطة الذي بحثتا عنه في أوساط الأمراء. شعرت باستحواذ الجانب التعيس من عالم الاستهلاك عليّ. يصبح المرء مهووساً بالعمل ثم بإنفاق المال كفخّ، ثم تأنيب الضمير في دورة الاستهلاك الكلاسيكية للتعاسة.

لم أستطع الخروج من هذا الهوس إلا من خلال اكتشافي الجانب الآخر الذي تقدمه المدينة، فقد منحتني شطاً بحرياً لم أعتده من قبل، وكان هذا ما عمّق علاقتي بجدة، هذا الشاطئ المفتوح للأجانب جعلني أعشق المدينة. هناك تعلمت الغوص، وتعرفت على روائع البحر الأحمر الذي يعد ثروة مائية بشعبه المرجانية وتنوعه البحري.

تجربة العيش في مدينة بحرية أمدتني بقوة خاصة لم أكن أمتلكها في بداية عيشي في جدة، كنت غريبة فيها، أعجز عن فهم ثقافتها وفك رموزها، مع تعرفي على جانبها البحري تغيرت رؤيتي لها وفهمت مفاتيحها، تعرفت على فئة جميلة من السعوديين المنفتحين والمتعلمين المتقبلين للآخر، على عكس ما يرغب البعض فيه من تنميط لأهلها ووصمهم بالرجعية، يتميز أهل هذه المدينة بالثقافة والعلم، وهم معتادون على السفر والتكنولوجيا، يتقن الجيل الشاب اللغات وينحدر من زيجات مختلطة، تسهم في تنوع المدينة الثقافي وغناها. فمرة أخرى عند التعامل مع الآخر تسقط كثير من الصور الجاهزة التي نضعه ضمنها، والتي نحرمه فيها من فرادته وتميزه.

نتحدث عن تغيير قادم في مدينة ونتجاهل وجود كثيرين فيها ممن يعملون على هذا التغيير منذ زمن، نتحدث عنها كمدينة نتغافل فيها عن جمال ثقافتها وعراقتها. أرى وجوه النساء في الملعب، وجوهاً عرفت كثيراً منها في حفلات وسهرات ورحلات بحرية. صاحبات تلك الوجوه يعملن في مهن متنوعة، نساء قويات مستقلات، يحزنني تجاهل تجاربهن وأعمال كثير من الناشطات والعاملات على التغيير منذ سنوات. كثير من هؤلاء الناشطات يقبعن في عتمة السجون، لعملهن لصناعة تغيير حقيقي يحاكي هويتهن الأصيلة.

 تعرفت في جدة على فئة جميلة من السعوديين المنفتحين والمتعلمين المتقبلين للآخر، على عكس ما يرغب البعض فيه من تنميط لأهلها ووصمهم بالرجعية

في المقابل، يدفعنا هذا التغيير المفاجئ للتساؤل حول طبيعته، فيبدو لنا تغييراً مستورداً يتجاهل عراقة الثقافة في المنطقة، يقوم على الرغبة بأمركة مدينة لها طابع شرقي مميز، فيقوم بافتتاح بار إسلامي بشكل كاريكاتوري، في الوقت نفسه، تحقق النساء مكاسب كبرى فيها، فقد بدأن بالعمل كمضيفات طيران، في مهنة كانت حكراً على الرجال. ما يدفعنا للتساؤل عن مصير النساء الأجنبيات العاملات في هذا القطاع، والذي شكّل عملهن دخلاً مهماً لهن ولعوائلهن لسنوات طويلة. مع كون قرار التغيير سياسياً غير معني بحماية الهوية، يظل من المهم الاستفادة من بعض مكاسبه التي تعطي المرأة مساحة أكبر ضمن القانون.

أستعيد مدينتي من خلال محادثاتي مع صديقاتي هناك: منهن من أسست عائلة ومنهن من تتابع عملها في الطيران، أسألهن بلهفة عن التغييرات ورأيهن بها. تخبرني صديقاتي عن حماسة الشباب للتغيير الذي يسمح بالاختلاط بشكل علني في المطاعم والأماكن العامة، بينما ينظر البعض من كبار السن بشك نحو هذا التغيير خوفاً على الشباب المندفع.

وبين هذا وذاك، يتابع أهل جدة هذه التطورات بلحظات توحي بغربتهم، كغربة أهل الجزيرة التي تتحدث عنها روايات "مدن الملح" لعبد الرحمن منيف، فكما دخلت سفن الخبراء الأمريكيين مدن الملح، ومع اختفاء متعب الهذال البدوي الجميل، تحملنا الرواية في عالم التغيير المستورد الذي يتجاهل أبناء الجزيرة وأحلامهم.

أتساءل عن حال مدينة أحببتها وأتابع أخبارها عن بعد، فكلاجئة لا أستطيع زيارة مدينة غيّرت ذاتي وكبرت فيها، عرفت قصص الحالمين والساعين إلى التغيير فيها. أستمع لقصة مطار جديد يتم تحديثه في جدة، وقصص شباب يغنون في الحدائق دون هيئة الأمر بالمعروف "المطوعين" التي انقرضت من المنطقة. أستمع لقصص سَعْوَدة بعض الوظائف النسائية التي اعتادت النساء الأجنبيات العمل بها، وترحيلهن لصالح السعوديات. أتابع أخبار تشجيع السياحة غير الدينية وتطوير قطاعها، ضمن خطة لا تشمل لاجئة تشتاق لمدينتها وأهلها. في بحر جدة عرفت حرية لم أعشها يوماً، أشتاق لدلافينها ومرجانها، وأتمنى أن يشملنا التغيير، نحن من يدعون بالأجانب في أوطانهم. أن يعترف بنا الوطن كمشاركين في بنائه ومستمتعين بجماله، أن يتوقف التمييز ضد فئة لا ترى وجودها بعيداً عن عالم صنعته بجهدها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard