"الإسلام الفرنسي"… خطة ماكرون "لتوافق الإسلام" مع العلمانية

السبت 22 فبراير 202006:12 م


لدى زيارته مدينة مولوز، أحد معاقل المهاجرين بفرنسا، في 18 شباط/ فبراير 2020، شرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رؤيته للإسلام في فرنسا أو ما يعرف إعلامياً بـ"الإسلام الفرنسي" (l’islam de France) وهو مصطلح يعني"استنساخ إسلام يتوافق مع المبادئ العلمانية وقيم الجمهورية الفرنسية".

وأعلن ماكرون أن خطته من أربعة محاور، أولها "وقف التأثيرات الأجنبية على المؤسسات الإسلامية في فرنسا".

وقال إنه سينهي بالتدريج نظاماً ترسل بموجبه الجزائر والمغرب وتركيا معلمين وأئمة إلى فرنسا للوعظ في مساجدها.

ورأى أن إنهاء هذا النظام في منتهى الأهمية لكبح النفوذ الأجنبي والتثبّت من احترام الجميع قوانين الجمهورية.

ولفت إلى أن هذه الدول توفد 300 إمام إلى فرنسا سنوياً، وأن عام 2020 سيكون آخر عام يستقبل مثل هذا العدد.

ووافقت الحكومة عام  1977 على برنامج سمح لتسع دول بإرسال أئمة ومعلمين إلى فرنسا، لأن الدولة لا تستطيع وفق قانون عام 1905 توفير رجال دين أو القيان بأي نشاط ديني، لذلك تركت المهمة لدول أجنبية.

ويتلقى المعلمون والوعاظ الأجانب رواتب من من حكومتهم، ويستخدمون لغتهم الأم وليس اللغة الفرنسية، وهو ما أدى إلى وجود مدارس تركية وأخرى مغربية وجزائرية.

تغذية الشقاق؟

وشاركت أربع دول هي الجزائر وتونس والمغرب وتركيا في البرنامج الحالي، الذي يستهدف 80 ألف طالب كل عام.

وقال ماكرون: "لن أسمح لأي دولة، مهما كانت، بأن تغذي الشقاق... لا يمكن أن تجد القانون التركي مطبقاً على تراب فرنسي. هذا لا يمكن أن يحدث".

وبشأن التمويل، قال: "نحتاج إلى معرفة من أين تأتي الأموال، ومن الذي يحصل عليها، وماذا يفعل بها".

وستدرب "الجمعية الإسلامية للإسلام في فرنسا (AMIF)" التي أسسها ماكرون في كانون الثاني/يناير عام 2019 واعظين ومعلمين يتحدثون الفرنسية وعارفين بالقانون الفرنسي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يكشف عن خطة "ليتوافق الإسلام" مع علمانية فرنسا. هل يحق للدولة أن تتدخل في العبادات؟

وتبدو أن هذه الخطة تعود إلى ما قبل العام الماضي. وسعت حكومة ماكرون منذ عام 2018 إلى وضع إستراتيجية جديدة تدعو إلى الإصلاح في الإسلام بغية مواجهة صعود إسلاميين ذوي إيدلوجية متشددة في فرنسا.

ففي تقرير أصدرته مجلة ذا أتلانتك الأمريكية عام 2018  خطط ماكرون لتدريب الأئمة في فرنسا، تماشياً مع العلمانية وبالاعتماد على القيم الثقافية، وليس على النصوص الدينية، من أجل إنشاء جيل من الأئمة لإخراج منتج عنوانه "صنع في فرنسا".

ودعا ماكرون في المحور الثاني في خطته "ممثلي مسلمي فرنسا" إلى التنسيق بشكل أفضل فيما بينهم.

أما المحور الثالث  في خطته فهو "مكافحة الانعزالية داخل المجتمع الفرنسي" من دون الكشف عن تفاصيل هذه النقطة.

إلا أن  تقريراً للإذاعة الألمانية أشار إلى أن المقصود هو "محاربة الانعزال" كالاستحمام المنفصل في حمامات السباحة العامة وساعات الصلاة في النوادي الرياضية وانتهاكات قانون المساواة بين الفتيات والفتيان.

وفي المحور الرابع، دعا الرئيس الفرنسي إلى "عودة" العروض العامة في مجالات الثقافة والرعاية الصحية والتعليم والتدريب في المناطق السكنية المهملة في السابق. 

أهداف سياسية؟ 

في تقرير نشرته مجلة بوليتيكو الأمريكية عام 2018 عبّر مسؤولون فرنسيون عن مخاوفهم من أمرين: بزوغ "مجتمع موازٍ" للمسلمين داخل الجمهورية، وهو ما يولد أيديولوجيات راديكالية. ومشكلة المخاوف الأمنية من الإسلام، لأنه بات عنصراً أساسياً في حملات اليمين الانتخابية.

وشهدت فرنسا تفجيرات وعمليات إطلاق النار نفّذها متشددون إسلاميون في السنوات الأخيرة، أبرزها الهجوم الذي وقع في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في مسرح باتاكلان، وهجمات أخرى في مواقع متفرقة بباريس أسفرت عن مقتل 130 شخصاً.

ويرى الحقوقي والكاتب الفرنسي آلان جريش  أن ماكرون أعلن خطة للإصلاح الإسلامي من أجل جذب الناخبين في الانتخابات البلدية في الشهر المقبل. وقال: "ماكرون انخفضت شعبيته، ولا يريد خسارة الانتخابات البلدية أو الرئاسة المقبلة. لذا يستخدم الإسلام السياسي مثل اليمين في لعبة سياسية داخلية".

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعلن خطة من أربعة محاور لاستنساخ "إسلام فرنسي". ما هو؟    

وشرح جريش أن المشكلة الأولى للإسلام في فرنسا هي غياب مؤسسة واحدة تمثله خلافاً لباقي الديانات، مثل اليهود والمسيحية اللتين لدى كل منهما جهة تمثلها في التعامل مع الدولة، أي أن المشكلة تكمن في عدم وجود تنظيم للمسلمين في الجمهورية، بالإضافة إلى ضعف التنسيق فيما بينهم.

وقال لرصيف22: "يجب أن لا تتدخل فرنسا في كيفية ممارسة المسلمين عبادتهم. من الصعب أن تضع تفسيرات خاصة لنصوص دينية. وليس ممكناً أن تصنع أئمة ليبراليين. وأي محاولة لتنظيم المسلمين من قبل الدولة ستكون خطأ".

عقبات أمام ماكرون

صدر في فرنسا قانون عام 2004 الذي يحظر الرموز الدينية في المدارس. ورأى فيه المسلمون استهدافاً لهم على رغم أنه شمل سائر الأديان، كما فُرض حظر عام 2010 على الحجاب الكامل في الأماكن العامة.

لذا اعتبر بعض المسلمين أن فكرة الإسلام الفرنسي التي أوجدتها الدولة قد تبدو أداة لخنق حرية التعبير الديني.

ورأى خبراء أن ماكرون يريد تطبيق ما قام به الرئيس الفرنسي السابق نابليون بونابرت عام 1808 حين أنشأ منظمة تعرف باِسم "the Consistoire Central Israélite " بهدف تنظيم ممارسة الديانة اليهودية في فرنسا.

في سياق متصل، قال أوليفر روي، وهو خبير في الإسلام الفرنسي وأستاذ في الجامعة الأوروبية، لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية: "أحد مصادر الإلهام الواضحة في خطط ماكرون هو تلك المنظمة التي أنشأها نابليون لليهود، لكن نابليون كان قادراً على تحقيق ذلك، لأنه كان رئيس دولة استبدادية".

وأضاف: "ليس لدى الدولة المدنية حق قانوني في التدخل في الدين. سيكون ذلك غير دستوري".

وعام 2018، عيّن ماكرون الخبير المصرفي من أصل تونسي، حكيم القروي، وهو زميل في معهد مونتين، مستشاراً لشؤون المسلمين بهدف مساعدته في خطته.

يدعم القروي خطة ماكرون ويعارض المظاهر الدينية مثل الحجاب.

وأثار هذا الاختيار انتقادات عارمة لأن القروي ليس رجل دين بل مصرفي.

وقالت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية: "مصرفي سابق في شركة روتشيلد للاستثمار، ولديه خبرة اجتماعية رفيعة المستوى ويفضل البدلات المصممة جيداً، والقمصان البيضاء، والأفكار الكبيرة النبيلة، والرئيس الفرنسي مفتون بأفكاره".

وأضافت: "إذا كان القروي نموذجاً لتصور ماكرون دمج التقاليد الإسلامية والقيم الفرنسية، فقد ينتهي جهده بالتعثر".

كاتب فرنسي قال عن خطة الرئيس ماكرون في ما يخص المسلمين: "ماكرون يستخدم الدين الإسلامي لأغراض سياسية داخلية، حتى لا يخسر انتخابات البلدية أو الانتخابات الرئاسية المقبلة"

وتنقل الصحيفة عن ياسر اللواتي، وهو مدافع عن الحريات المدنية الفرنسية وعضو بارز في الجالية المسلمة أن "القروي منقطع عن المسلمين العاديين".

في هذا السياق، لفت تقرير صدر عن معهد بروكينغز الأمريكي عام 2019 إلى أن المغرب والجزائر وتركيا تواصل تعزيز وضع قبضاتها على التعبير الديني الإسلامي في فرنسا.

علماً أن المغرب والجزائر المتنازعان على خلفية قضية البوليساريو، يتنافسان في الداخل الفرنسي، وكلاهما لا يريد أن يؤثر الطرف الآخر في مواطنيه.

ولفت تقرير بروكينغز إلى أن تأثير تلك البلدان أدى الى إخفاق تجارب فرنسية سابقة، خصوصاً في ظل خوض الجزائر والمغرب حرباً بالوكالة من أجل كسب ولاء المسلمين الفرنسيين. 

بدايات الحركة الإسلامية في فرنسا

 قال الكاتب والمحلل محمد عبد الله ولد المرواني، مدير المرصد الفرنسي لقضايا الإسلام: "عام 1983، أسس ثلاثة طلاب قادمين من المشرق هم أحمد محمود من مصر، وأحمد زهير من العراق، ومحمد خلدون باشا من سوريا أول منظمة إسلامية في فرنسا اِسمها: اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا".

وتابع: "أُسست بعدها 31 جمعية أخرى للمسلمين، من تركيا والمغرب العربي، أبرزها جمعية اتحاد الطلاب المسلمين المعروفة آنذاك بـالاسم المختصر (EMF)".

وقال المرواني: "هذه الجمعيات كان هدفها مساعدة المهاجرين المسلمين الجدد، وخاصة الطلاب، في تنظيم صلاة الجمعة بالحي الجامعي، وفي الإفطار وصلاة التراويح في رمضان".

وبرأيه، تأثرت منظمة "اتحاد المنظمات الإسلامية" بفكر مؤسس جماعة الإخوان حسن البنا في مصر، لكنها لم تمارس السياسة بمفهومها العام، إلا لدى المشاركة في الانتخابات.

وقال أن "جمعية الطلاب المسلمين" كانت أكثر الجمعيات عرضةً لـ"الشيطنة" من قبل الصحافة والإعلام، بسبب نشاطها الثقافي في الأحياء الجامعية.

وأشار المرواني إلى أن القانون الفرنسي، وخاصة قانون 1905، المتعلق بفصل الدين عن الدولة، "يحظر حظراً باتاً خلط الدين بالشؤون العامة، ويمنع  المواطنين من الانصهار في السياسة العامة انطلاقاً من خلفية دينية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard