صحافية إسرائيلية قضت في السعودية 90 يوماً... كيف رأت المملكة وماذا كتبت عنها؟

السبت 22 فبراير 202011:13 ص

"تيندر، حفلات ولا شرطة للأخلاق: رحلة صحافية إسرائيلية إلى السعودية"... تحت هذا العنوان "المغري"، نشرت صحيفة "هآرتس" تقريراً مطولاً على موقعها، في القسم المخصص للأخبار الإسرائيلية، وفيه مشاهدات من يوميات قضتها الصحافية بين جدة والرياض ومناطق أخرى في المملكة.

الصحافية الإسرائيلية هي تمارا باراز (Tamara Baraaz) المعروفة بزياراتها إلى دول "لا يقصدها إسرائيليون عاديون"، كأفغانستان وكازاخستان، والتشاد، والنيجر، وعمان، والمغرب، وطاجيكستان، وكردستان العراق… باراز، البالغة من العمر اليوم 34 عاماً، كانت قد تحدثت في وقت سابق عن تجربتها مع المناطق غير المسموح للإسرائيليين بدخولها، وقالت إنها تفعل ما بوسعها لتزور تلك المناطق، فـ"فيها جرعة أدرينالين عالية"، واكتشاف لأناس جدد يخالفون الرواية السائدة عنهم.

في البلدان التي دخلتها سابقاً، استخدمت باراز جواز سفرها الأمريكي، فهي متحدرة من عائلة أمريكية هاجرت إلى إسرائيل، قائلة إنها لا تخبر من تلتقيهم عن كونها إسرائيلية، أما من ترتاح له من هؤلاء فتخبره. البعض كان يضحك والبعض ينفر، كما قالت في إحدى مقابلاتها.

هذه المرة، اختارت الصحافية التعريف بنفسها بالخط العريض في عنوان تقريرها المطوّل من السعودية، حيث قضت قرابة الشهر ونصف الشهر هناك ونقلت الكثير من التفاصيل اليومية لسعوديين وسعوديات.

"كيف يعيش هؤلاء مع فورة الحرية المستجدة عليهم؟"، سألت باراز، محاولة وصف مملكة اليوم كما رأتها وكما سمعت ممن قابلها.

"باتت على الورق فقط"

في البداية، تحكي باراز عن جلستها مع رجل ملتح كان يعمل في "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وحين تسأله عن رأيه بفقدان الهيئة لسلطتها مقارنة بالسابق، يجيب أن "ذلك بأمر من الملك ونحن نطيعه، ودوريات الهيئة هي جهة إنفاذ لأمر وليست جهة ذات أجندة"، مضيفاً "كنا كالجنود، ننفذ ما يُطلب منا، وليس لدي رأي شخصي حول المسألة". تقول الصحافية الإسرائيلية إن من أسمته إبراهيم أجاب عن سؤالها بـ"حماقة" ظاهرة، بينما كان يتجنب النظر إليها لكونها امرأة.

تنتقل الصحافية إلى صديق إبراهيم، طارق، قائلة إنه لم يشارك في الحديث في البداية واكتفى بالابتسام ساخراً من الكلام، وعندما بقيت معه على انفراد انتقد "من أخذوا شيئاً جميلاً، الدين، وصنعوا منه نسخة مشوهة".

تفترض الصحافية أن طارق حين قال ما قاله كان يفكر بحادثة مدرسة الفتيات في مكة عام 2002، حين منع عناصر الهيئة الفتيات من مغادرة المبنى الذي يحترق، بحجة عدم لبسهن للعباءة فماتت 15 واحدة منهن وجُرحت أخريات. ربما أيضاً، والكلام للصحافية، كان طارق يفكر بعنصر الهيئة الذي اقتحم منزل أحدهم لاشتباهه بأن الأخير يشرب الكحول وقام بضربه حتى الموت.

تقول الصحافية تعقيباً إن قصصاً مماثلة تبدو في السعودية اليوم جزءاً من ماض سحيق، أما الهيئة وبعدما حجّم دورها ولي العهد محمد بن سلمان، فقد أصبحت شبه غائبة وموجودة فقط على الورق.

كف يد "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" هو جزء من رؤية 2030، مثله مثل التساهل في لباس النساء في الأماكن العامة والسماح بالاختلاط وفتح البلاد أمام السياح الأجانب، تعلق باراز. 

وفي ما يتعلق بالشق الأخير، تحتفي الصحافية الإسرائيلية بأن "إسرائيل كذلك سمحت للإسرائيليين بزيارة السعودية، وليس فقط للحج في مكة"، ثم توضح بأن "الأمر ليس متاحاً للجميع وليس لكل الأغراض، لكن الاتجاه واضح في هذا الإطار (وإن كانت السلطات السعودية لم تخفف بعد القيود المفروضة على دخول الإسرائيليين)".

في منتصف شهر كانون الثاني/ يناير الماضي، أثار الصحافي الإسرائيلي هنريك زيمرمان الكثير من الجدل، بعدما نشرت قناة "i24" الإسرائيلية تقريراً خاصاً أعده لها من جدة حول "انفتاح السعودية في عهد محمد بن سلمان" و"اللحظة التاريخية التي تعيشها السعودية"، في وقت غرّد حساب وزارة الخارجية الإسرائيلية على تويتر موضحاً أن التقرير هو الأول من نوعه بعد فتح المملكة أبوابها لاستقبال سياح من 50 دولة.

وسط الجدل الذي أحدثه التقرير، جرت الإشارة إلى أن زيمرمان دخل إلى السعودية بجواز سفر غير إسرائيلي.

وفي السادس والعشرين من الشهر ذاته، أعلن وزير الداخلية الإسرائيلي أرييه درعي عن توقيع مرسوم يسمح لليهود ومن يحمل جواز السفر الإسرائيلي بالسفر إلى السعودية، "لأغراض دينية وتجارية".

وبعدما كان السفر العلني غير الرسمي من إسرائيل محصوراً بفلسطينيي48 (لأغراض الحج والعمرة) وفق الوصاية الأردنية، سمح المرسوم الجديد لليهود حملة الجواز الإسرائيلي السفر إلى السعودية والمشاركة في مؤتمرات تجارية واقتصادية واجتماعات عمل مع رجال أعمال سعوديين وعرب، أو البحث عن فرص للاستثمار التجاري بين البلدين.

"في عملها لم يقل أحد إن بالإمكان الحضور من دون غطاء رأس، لكن سرت أخبار تفيد بأن الحراس تبلغوا بضرورة عدم التعليق على اللباس. من هنا، قررت فتيات القدوم من دونه مع عباءة مفتوحة"... صحافية إسرائيلية تنقل مشاهدات 90 يوماً قضتها إلى السعودية

وبموجب المرسوم، يُسمح للإسرائيلي بالإقامة 90 يوماً كحد أقصى على الأراضي السعودية مع شرط مسبق بموافقة سلطات الأخيرة على دخوله، وإعطائه تأشيرة بعد تقديمه لدعوة من مسؤول أو جهة رسمية أو شركة تجارية.

وبالعودة إلى الصحافية الإسرائيلية، فهي لم توضح كيفية دخولها إلى المملكة وفي أي إطار جاءت الزيارة، وهي وإن كانت استخدمت ربما جواز سفرها الأمريكي للتنقل، إلا أن تحقيقها المطول لم ينف بدءاً من عنوانه حقيقة هويتها،  إنما العكس فقد أبرزها حتى بدت وكأنها في معرض الاحتفاء.

مساحات رمادية

حول ما عاينته باراز في زيارتها، فهي تقول إن "الفرق الأبرز بين السعودية اليوم والسعودية قبل أربع سنوات، هو أن الأبيض والأسود بين ما هو مسموح وما هو ممنوع تحوّل ليضم الكثير من المساحات الرمادية".

وتشرح الصحافية بأن في مقابل عدم السماح رسمياً بالكثير من "العادات الليبرالية"، كان هناك تقليل من الرقابة، ما سمح بوجود حالة من عدم اليقين تسمح بتجاوز بعض الحدود السابقة. وتقول باراز إنها لاحظت ذلك حين زارت جدة، المعروفة بليبراليتها النسبية سابقاً مقارنة بمدن أخرى، حتى يمكن للبعض تسميتها بـ"تل أبيب السعودية"، حسب الصحافية.

لفتت نظر باراز نساء يرتدين عبايات ملونة تركنها مفتوحة من الأمام تُظهر السروال والكنزة، كما تركن شعرهن من دون غطاء.

"هل هذا الأمر مسموح؟ كلا. هل هو ممنوع إذاً؟ أيضاً كلا"، تقول الصحافية، بينما تنقل عن سهيلة وهي موظفة في جدة أن الأمر يمشي وفق هذه الحال، ففي عملها لم يقل أحد إن بالإمكان الحضور من دون غطاء رأس، لكن سرت أخبار تفيد بأن الحراس تبلغوا بضرورة عدم التعليق على اللباس. من هنا، قررت فتيات القدوم من دونه مع عباءة مفتوحة، وعندما لم يعترضهن أحد، ارتاحت الأخريات أكثر في اللباس. 

تقول باراز إن الأمر غير محصور بجدة، فالألوان وصلت إلى الرياض كذلك. "صحيح أنني لا أتكلم هنا عن برشلونة أو ميامي، ولا أحد يمكنه أن يكون كما يحلو له بالفعل، لكن يمكن للزائر أن يشعر برياح التغيير في الأجواء".

هذه الرياح تقول باراز إنها التقطتها كذلك في مواقيت الصلاة، فبينما كانت المحال التجارية مجبرة على الإقفال، والموظفون على ترك العمل والذهاب للصلاة في المسجد تحت طائلة السجن، لم يعد الأمر حالة عامة كالسابق.

صحافية إسرائيلية تقضي تسعين يوماً في السعودية وتسجّل مشاهداتها في تحقيق مطوّل نشرته "هآرتس"، فتضيف إلى قائمة "الممنوع" و"المسموح" بين السعودية وإسرائيل، وإلى ما يُحكى عن التطبيع وما لا يُحكى، المزيد من الضبابية 

في العام الماضي، وحين أدرك السعوديون حجم الخسارة المادية التي تتكبدها الأسواق مع إقفالها لثلاث مرات على الأقل يومياً، سمح بن سلمان للمحال التجارية بأن تبقى مفتوحة على مدار 24 ساعة.

أما المراكز التجارية فتقول الصحافية إنها تبدو كمكان مثالي للقاء في السعودية، و"بعدما كانت تُخصَّص في عطلة نهاية الأسبوع للنساء والعائلات وتقفل أمام الرجال، تغيّر الحال".

الاختلاط، حسب ما ترويه الصحافية، انعكس كذلك في ثقافة السياحة الداخلية ضمن مجموعات لاكتشاف الجانب الطبيعي للمملكة من كثبان حمراء وسواحل ومنحدرات، بينما تقول إنها شاركت ضمن مجموعة من عائلات وعازبين من 200 شخص قاموا برياضة المشي، ثم عزفوا الموسيقى ورقصوا ليلاً.

"قبل سنتين من الآن، لم يكن هذا ليحدث"، تنقل الصحافية عن جواد الذي يجلس مع رفاقه وهم يدخنون النرجيلة ويسمعون الموسيقى، بينما يضيف "كنا في السابق نبحث عن أماكن مخفية في الصحراء ومع ذلك كان لشرطة الأخلاق الطاقة على ملاحقتنا وإيجادنا، أما اليوم وإن كانت لا تزال لديها القدرة على إيجادنا، إلا أنها تغض الطرف عن الأمر".

في نجران... الأمور مختلفة

تتوجه باراز لاحقاً إلى نجران على الحدود اليمنية، وهناك تقول إن الأمور تسير بشكل مختلف حيث كان عليها تغطية رأسها، حسب نصيحة إحدى السيدات.

وتنقل عن جعفر، وهو أحد السكان، قوله إن شرطة الأخلاق لا تزال توجه الملاحظات وتزعج الأشخاص في مواقف معينة، لكن نجران تسير نحو التغيير.

وتنقل الصحافية عن جعفر كذلك حديثه عن أن بعض الأمور  - كنقل سيدة من قبل شخص غير محرم عليها - ما زال أمراً غير مقبول، ليس لأن القانون يمنعه بل بحكم العادات والتقاليد وكلام الجيران.

المزيد من المساحات الرمادية

تتابع باراز في تجوالها منتقلة من الحديث عن السماح بالقيادة للنساء من خلال مقابلات مع نساء يحتفين بهذا التطور ورجال يتحدثن عن الأثر الإيجابي له والتخفف من الأعباء، مروراً بالحفلات ومن ثم قرار تجريم التحرش الجنسي بآلاف الدولارات، مذكرة بحفل Tiesto و David Guetta الذي شهد اعتقال العشرات من الرجال بتهمة التحرش من جهة وآخرين كسيدة كانت ترتدي كنزة شفافة لـ"ارتداء ملابس غير لائقة".

وبينما يحاجج البعض بأن القانون الحالي فضفاض، تقول الصحافية إن آخرين يدافعون عن الأمر بالقول إن "على الناس ألا ينسوا أنهم لا يزالون في السعودية".

تختم الصحافية الإسرائيلية مشاهدات رحلتها إلى السعودية بسؤال: "نبض الرياض سريع، وكذلك التغييرات التي تمر بها البلاد. فهل سينجح الربيع السعودي، الآتي من الأعلى، حيث فشل الربيع العربي؟"

وتصل الصحافية للحديث عن المواعدة وتطبيقاتها وكيف تغيّرت الأمور في السعودية، قائلة إن القانون لا يزال يجبر الشخص على الزواج من فتاة في حال فقدت عذريتها معه، إلا أن "تيندر دخل بقوة إلى السوق السعودية".

وفي حين تمر باراز على معارضة الفصيل المتشدد في المملكة لهذه التطورات، وعلى عدم انعكاس الأخيرة في مجال حقوق الإنسان وحرية التعبير والاعتقالات بحق ناشطين وناشطات وفي أحكام الإعدام التي لا زالت تُنفذ، إلا أن نهاية رحلتها تحمل "بشائر".

تنقل عن شاب اسمه كريم قوله: "في جدة أو في الرياض، لن ترى قطع الرأس والشنق في ساحة المدينة، فولي العهد يريد السياح الآن، وليس من الجيد إظهار ذلك الجانب".

وتحكي عن الساحة المجاورة لقلعة المصمك في الرياض، فـ"حتى وقت ليس ببعيد، كانت مركزاً لعمليات الإعدام وتُعرف باسم ′ميدان العدالة′، لكنها اليوم المكان الرئيسي لموسم مهرجان العاصمة السعودية ، تحت عنوان ′نبض الرياض′. وفي الحدث الأخير الذي استمر لمدة شهر، في أواخر العام الماضي، كان الرجال والنساء يتنقلون بين الأكشاك العديدة، بينما كانت الفرق الغربية تقدم عروضاً على خشبة المسرح"، حسب ما تذكّر باراز.

تختم الصحافية الإسرائيلية مشاهدات رحلتها إلى السعودية بالتساؤل: "نبض الرياض سريع، وكذلك التغييرات التي تمر بها البلاد. فهل سينجح الربيع السعودي، الآتي من الأعلى، حيث فشل الربيع العربي؟".

وتختم الصحافية الإسرائيلية رحلتها إلى السعودية بتحقيقها المطوّل، مضيفةً إلى قائمة "الممنوع" و"المسموح" بين السعودية وإسرائيل، إلى ما يُحكى عن التطبيع بينهما وما لا يُحكى، المزيد من المساحات الرمادية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard