بعث جديد للعمارة الإسلامية... جولة على مساجد هولندا ورسائل الاختلاف والاندماج

الجمعة 21 فبراير 202012:44 م

نسبة لا يُستهان بها يشكلها المهاجرون المسلمون في دول أوروبا الغربية من إجمالي عدد السكان. في هولندا، بلغ عدد السكان المسلمين 1.210.000 نسمة، بنسبة 7.1% من إجمالي عدد سكان البلاد، وفقاً لآخر إحصاء نشرته مواقع الإحصاءات العالمية لعام 2016، وهي نسبة تتضمن الكثيرين من أبناء الأجيال الثالثة والرابعة والخامسة للمهاجرين.

طوال عقود عدة، ساهم هؤلاء في تغيير شكل العمارة الهولندية جزئياً بما يتناسب مع متطلباتهم الدينية والاجتماعية، الأمر الذي خلق مساراً فكرياً موازياً سلكه هؤلاء وبقية السكان من أجل التوصل إلى أرضية مشتركة أساسها الأرض، لا الهوية أو الديانة.

المسجد الأول في هولندا

بدأت الوفود المسلمة الأولى بالوصول إلى "الأراضي المنخفضة" في الأربعينيات من القرن الماضي، وذلك عندما ظهرت حاجة هولندا إلى أيدي عاملة في المصانع والتجارة، وكان الباكستانيون من أوائل الوافدين إلى هولندا وتحديداً إلى مدينة لاهاي.

لم يكن الشعور بالغربة والحنين إلى الوطن سهلاً على الجالية المسلمة، فتولت الحركة الأحمدية في باكستان إرسال رجال دين لتفقيه المهاجرين الباكستانيين في أمور الدين، وظهرت الحاجة إلى وجود مكان يجمعهم في أوقات الصلاة، لأداء الفرائض.

تزامنت هذه الحاجة مع رغبة الحكومة الهولندية في إعادة إعمار البلاد بعد الدمار الذي لحق بها عقب الحرب العالمية الثانية، فأتى إنشاء المسجد في إطار إعادة إعمار مدينة لاهاي التي خُرّبت أثناء الحرب الطاحنة، وكانت واحدة من المدن المأخوذة في الحسبان ضمن خطة التطوير.

هكذا، كان المسجد المبارك أول مسجد تم إنشاؤه على الأراضي الهولندية، عام 1955.

المسجد المبارك

الطراز المعماري والخلفية الثقافية

طرح المسلمون إشكالية بناء المساجد في هولندا وانقسموا حولها. وفي حين تشاركوا الاعتقاد ذاته في الإله الواحد ورسوله محمد، انقسموا حول كيفية بناء دور العبادة وطُرُزها المعمارية إلى مدارس شتى.

فضلت الجاليات الإسلامية أن يكون لكل منها مسجداً خاصاً بها، يجتمع فيه أبناؤها ليتحدثوا اللغة ذاتها ويتشاركوا أمورهم الخاصة، ما خلق مجتمعات صغيرة مغلقة على ذاتها داخل المجتمع الهولندي.

انعكس ذلك على عمارة المساجد بشكل كبير، فتمسكت كل جالية مسلمة بخلفيتها الثقافية واختارت أن تبني مساجدها وفقاً لشكل المساجد في البلد الأم، فلم يجمعهم الدين كما اعتقدوا وإنما جمعتهم الأرض وحدها، فعاشت كل جالية داخل صورة مصغرة لوطنها.

كان الأتراك من أكثر الفئات تمسكاً بالمدرسة التقليدية في بناء المساجد، وفقاً لاعتبارات سياسية وتاريخية.

بعد سقوط الدولة العثمانية وقيام حركة أتاتورك، مالت الغالبية التركية إلى نبذ كل ما هو عثماني وعربي، وهو الأمر الذي ترك تأثيراً على عمارة المساجد التركية في هولندا، فاتجه كل من مسجد يونس إمري القابع في مدينة ألميلو الهولندية ومسجد السلطان أحمد في زاندام إلى الاستغناء عن شكل المسجد العثماني التقليدي وتأثرا بالعمارة الأوروبية في البناء، إذ اعتمدا على الدمج بين العناصر المعمارية التركية والهولندية.

مسجد السلطان أحمد 

بُني المسجدان بتبرعات مالية وأيدي عاملة تركية، وسط تطلعات إلى نسخة حديثة من الإسلام بعيداً عن ذكرى الدولة العثمانية، فجرى التخلي عن سلاسل القباب والبهرجة بينما احتفظا بمآذن قلمية الشكل ذات ملامح تركية.

مسجد يونس إمري

في المقابل، كان هناك اتجاه آخر اعتقد بأن التمسك بكل ما هو عثماني هو تمسك بفكرة الدولة الإسلامية ومن ثم تمسك بالإسلام ككل، وانعكس هذا الاتجاه على الطراز المعماري للمسجد الغربي في مدينة أمستردام، والذي يُشعرك وكأنك في قلب العاصمة التركية إسطنبول.

طرح المسلمون إشكالية بناء المساجد في هولندا وانقسموا حولها. وفي حين تشاركوا الاعتقاد ذاته في الإله الواحد ورسوله محمد، انقسموا في كيفية بناء دور العبادة وطُرُزها المعمارية إلى مدارس شتى... جولة على مساجد "الأرض المنخفضة" 

يُمثل المسجد الغربي استنساخاً لكل ما يميز المساجد العثمانية من حيث القباب الرئيسية المدعمة بسلاسل انتقالاً إلى شكل المآذن القلمية الرفيعة، وهي سمات لا تتوافر إلا في المساجد العثمانية.

المسجد الغربي

من جهتهم، اعتقد الوافدون من إندونسيا وجزر مولوكا في الإسلام كفكرة خالصة منزهة عن التبعية الثقافية، فمالوا إلى الطراز المعماري الأول للمسجد المستوحى من المسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة.

وتجلى كذلك في مساجدهم مبدأ تقديس الآثار والتراث النبوي، فكانت قبة مسجد طيبة مشابهة لقبة ضريح النبي، والمآذن الأربع رمزاً إلى رفاق النبي محمد الأربعة والخلفاء الراشدين له في الحكم.

ويشير الباحث الهولندي في فن العمارة الإسلامية إيريك روس إلى أن الجاليات الإندونيسية والباكستانية والمولوكية عارضت في اعتقادها الفكر الوهابي، ومثّل التراث والشخصيات الإسلامية التاريخية قيمة دينية كبيرة لها وجزءاً أساسياً من الإيمان لدرجة أدخلتها ضمن عمارة المساجد بشكل رئيسي وواضح، وهنا يظهر تأثر الجالية بالإسلام كقيمة أكثر من تأثرهم بالثقافة.

أما في العمارة العربية والمغربية، فتنوعت المساجد بين التمسك بالطراز المعماري المغربي المتمثل في باب المسجد المصنوع من خشب الأرز - كما جرت العادة في المغرب - والنوافذ المقوسة كما في مسجد الإسلام في مدينة لاهاي، أو الحفاظ على الأناقة مع دمج أكثر من عنصر معماري عربي مثلما حدث في مسجد السلام في روتردام، والذي جمع بين الطراز المعماري للمسجد النبوي في المدينة والطراز المعماري المملوكي في القاهرة، ليصبح أكبر مسجد من حيث المساحة في هولندا ومن أكثر مساجدها أناقة.

مسجد السلام

المهندس المعماري كحلقة وصل

لم تكن المهمة سهلة على المعماريين الذين عملوا على تصميم المسجد الأول. تطلب الأمر من ج. غ. ڤيبينخا J.G. Wiebenga، وهو أحد مَن طُلب منهم وضع تصميم للمسجد ولكن تصميمه لم يُعمل به فقد أُخذ بتصميم فريتس بِكْ Friets Beck، الكثير من القراءة عن العمارة الهندية والباكستانية ليتوصل إلى ماهية هذا "البناء العجيب ذي المدخنة العالية التي تُسمى مئذنة والخوذة الهندية التي تُدعى قبة"، وفقاً لتعبيره. كان المسجد بالنسبة إليه هو بناء مغطى بالكثير من الزخارف والبهرجة.

كانت الحاجة إلى مسجد حينها ماسة، ولم يكن الطراز المعماري للمسجد من أولويات المسلمين وقتها، بقدر حاجتهم إلى مكان يجمعهم وقت الصلاة، فجاء المسجد المبارك بسيط الشكل، يميزه اللون الأخضر الذي يرمز إلى الإسلام، وتعلوه الشهادتين باللغة العربية.

يُلاحَظ كذلك في المسجد المبارك شبهه بالطراز المعماري الهولندي وانسجامه مع ما حوله من مباني لدرجة أنه لم يكن يُعرف بالمسجد وقتها، لكن بعد إنشائه توجهت الأنظار إلى ماهية الطراز المعماري الذي يُبنى عليه المسجد.

لم تكن الجاليات لتعبر عن أفكارها الدينية معمارياً إلا عن طريق مصممين معماريين أكفاء شكلوا حلقة الوصل بين المسلمين باختلاف انتماءاتهم الفكرية وبين المبني على أرض الواقع.

كان المعماريون هم القلب النابض لعمليات البناء، يستوعبون مختلف الأفكار ويعبرون عنها بما يتوافق مع المحيط الهولندي وسياساته البنائية، وعلى رأس هؤلاء لطيف بيروتي Latif Perotti الذي اعتقد أن مهمة تطوير الإسلام ضرورية ولا تتم إلا بالرجوع إلى الجذور العقائدية.

بحسب بيروتي، لا يمكن أن يُبنى مسجد مستنسخ عن آخر بُني منذ ثلاثة قرون مضت، وإلا نكون أمام استنساخ مجوف نتيجة تجاهلنا للظروف التي تسببت في إنشائه على هذه الصورة، ويؤدي ذلك كذلك إلى أن نتجاهل ما لدينا من ظروف وإشكاليات خاصة بزماننا، وخصوصاً بالنسبة إلى الأجيال الثالثة والرابعة من المهاجرين التي انفصلت بشكل شبه كامل عن أصولها وأصبح الإسلام بالنسبة إليها معتقد منزه عن أية خلفيات ثقافية قديمة.

يقول بيروتي: "أنا أعطي للمبنى الروحاني كالمسجد أبعاداً روحانية قابلة للبناء لكي أتأكد أن البناء دبت فيه الحياة".

مسجد النور

جاء تصميم مسجد بيت الرحمن في مدينة ريدركيرك Ridderkerk بمثابة تطبيق لأفكار بيروتي، حيث دمج المصمم المعماري بين العناصر الرباعية والدائرية في بناء المسجد كإشارة إلى المادة والروح وتعارضهما.

وشكلت الأعمدة خلف المحراب في المسجد أركان الإسلام بالإضافة إلى الشهادة الإسلامية المكتوبة فوق الأعمدة، وتماويج الماء على الزجاج إشارة إلى أصل الحياة.

وحاول بيروتي في تصميمه لهذا المسجد شرح القيم الإسلامية بأسلوب مجرد دون انحياز إلى ثقافة بعينها مع مراعاة الاندماج بالمحيط المعماري الهولندي.

كان المسجد المبارك أول مسجد يُبنى في هولندا عام 1955، وقد تم إقناع البلدية ببناء المئذنة بصفتها رمز النور الذي يرسله الإسلام إلى العالم... جولة على مساجد هولندا المختلفة ورسائل الاختلاف والاندماج في طراز العمارة

أما في تجربته لتصميم مسجد النور في مدينة فالفايك Waalwijk فقد تحققت تفسيراته البنائية في ما يخص قيمة المربع والمثمن والدائرة والمئذنة والأعمدة الأربعة في مسجد بيت الرحمن، لكنه عمد كذلك إلى تقديم العنصر الأنثوي كثقل موازن للنشاط الذكوري عن طريق تصميم حجرتي صلاة النساء والرجال بشكل متجاور. 

وجاءت الأعمدة الأربعة معبرة عن عناصر الطبيعة الأربعة الماء والهواء والنار والتراب، وما زال القائمون على المسجد يشرحون أفكار بيروتي المعمارية المتمثلة في بناء المسجد لمرتاديه حتى الآن، فبينما كانت المساجد طريقة لإثبات وجود المهاجرين المسلمين في هولندا، كانت أيضاً طريقة لتحقيق التواصل والاندماج بين المهاجرين والهولنديين.

المساجد من وجهة نظر البلديات الهولندية

اتفقت السلطات الهولندية على أحقية الجاليات المسلمة في وجود أماكن للصلاة، لكنها انقسمت حول شكل هذه الموافقة.

وفقًا للباحث إيريك روس في كتابه "إعادة التقديم المعماري للإسلام في هولندا"، الصادر عن "جامعة أمستردام"، رأى فريق أن إنشاء المساجد على الطراز التقليدي الشرقي هو أمر غير مرغوب فيه لكونه يتعارض مع التكوين البنائي للطراز المعماري الهولندي، إذ سيكون وجود بناء ذي مئذنة عالية وقبة خارج عن الزمان والمكان المتواجد فيه كأن تضع قلعة من مدينة ديزني والليالي العربية بين الأحياء السكنية.

في المقابل، رأى فريق آخر أنها طريقة تُشعر الأجيال الأولى بالاطمئنان وبأنها لم تترك بلدانها، الأمر ما سيمكّنهم من الاستمرار ويساعدهم على الاندماج والعمل.

وعمل المسلمون والمهندسون وأصحاب القرار على التوصل إلى أشكال ملائمة للمساجد تحقق عنصر الاندماج مع المحيط الهولندي دون التخلي عن العناصر الأساسية للمسجد كالقبلة والمحراب والقبة والمئذنة.

وعند إنشاء المسجد المبارك عام 1955، تم إقناع البلدية ببناء المئذنة بصفتها رمز النور الذي يرسله الإسلام إلى العالم وإلى معتنقيه، وتم استصدار الموافقة على بناء المسجد على هذا الأساس.

ولم يكن المسجد الأول هو العقبة الأخيرة في ما يخص موافقة السلطات، إذ أثار المسجد الغربي في مدينة أمستردام، عند افتتاحه عام 2015، سلسلة من المباحثات الطويلة بين القائمين على إنشائه والبلدية بسبب هيئة المسجد التركية الخالصة، فقد كان تمسك القائمين عليه بإنشائه على هذه الهيئة غير قابل للنقاش، أما في حالة مسجد السلام في مدينة روتردام الذي افتتح عام 2010، وهو المسجد الأكبر في هولندا، فقد رأت السلطات الهولندية أن من شأنه تعزيز التنوع الثقافي في هولندا، ويضفي عليها الكثير من الجاذبية السياحية ويغنيها معمارياً.

تطور الإسلام بتعاقب الأجيال

عند النظر إلى الخط الزمني لإنشاء المساجد في هولندا منذ الخمسينيات وحتى وقتنا هذا، نجد أن المساجد تتطور بتعاقب أجيال المهاجرين المسلمين إلى هولندا، حيث ينفصل شيئاً فشيئاً أبناء الجيل الرابع والخامس عن أصولهم الثقافية وتتقطع أواصر علاقاتهم ببلدانهم الأم مع الاحتفاظ بالديانة وقوة العقيدة، الأمر الذي ينعكس على الطراز المعماري للمساجد الحديثة.

هكذا، ظهر مسجد بلا مآذن أو قباب تُذكر كالمسجد الأزرق في غرب أمستردام، وظهر بعضها كتعبير عن عالمية الدين والعقيدة بغض النظر عن الخلفية الثقافية كمسجد بيت الرحمن.

ويرى المهندس المعماري دايفيد بون Boon أن تأمل المساجد الإسلامية هو تأمل لشخصية العرب على مر التاريخ، حيث بُنيت أشهر المساجد التاريخية مشابهة للبيئة التي بُنيت فيها، فالعمارة الإسلامية من وجهة نظره هي فن تطبيقي.

المسجد الأزرق

بحث المسلمون الأوائل عن وسائل تربطهم بجذورهم، فكان للطراز المعماري الخاص بالمساجد الأولوية في ذلك، وكلما تعاقبت الأجيال ضعُف هذا النازع فأصبحت المساجد أكثر استقلالية عن الشرق وأكثر تجرداً، بالإضافة إلى نفور الأجيال الجديدة من الرفض أو الوصم بالانغلاق وعدم الاندماج.

روايات تتلوها مساجد المسلمين في أوروبا الغربية والتي تحمل تواريخ جديدة وسيراً ذاتية لأناس استطاعوا أن يخلقوا حلقات وصل عدة ليكونوا مقبولين كأوروبيي الهوية ومسلمي الديانة.

وظهرت الأصوات التي تنادي بالتخلي عن الطراز المعماري التقليدي، حيث أن شكل المسجد الجامد المغلق على ذاته والمنفصل عما حوله يعكس فكرة المجتمع المنغلق، ما يثير المخاوف لدى العامة ويشعرهم بأن الأبنية الإسلامية دخيلة على المجتمع من جهة، ويدفعهم إلى لفظ الأجيال المسلمة الجديدة باعتبارها ذات أصول شرقية وهم في الحقيقة لا يعرفون وطناً سوى هولندا من جهة أخرى.

ومن أشكال هذا التجرد ارتفاع أصوات تنادي بالاستغناء عن القبة والمئذنة، وهو ما يشرحه أستاذ العمارة الإسلامية في "معهد ماستشوسيتس للتكنولوجيا" الدكتور ناصر رباط بالقول إن التقليديين يتمسكون بالقبة والمئذنة وكأنهما الإسلام ذاته، ويعتبرون أن التخلي عن القبة والمئذنة أو معارضة بنائهما في المساجد الحديثة هو تخلٍ عن الإسلام، علماً أنهما لم تعودا ذات ضرورة في القيمة الدينية للمسجد.

لقد توقف خط السير الزمني لرحلة الإسلام التاريخية في بلاد الشرق عند الحدود الزمنية والشكلية للدولة العثمانية، بينما ترتفع أصوات مسلمي الغرب المهاجرين بتجارب وقصص مختلفة، ومحاولات لتطوير الإسلام بمعزل عن الشرق.

تلك الروايات تتلوها مساجد المسلمين في أوروبا الغربية التي تحمل تواريخ جديدة وسيراً ذاتية لأناس استطاعوا أن يخلقوا حلقات وصل عدة، ليكونوا مقبولين كأوروبيي الهوية ومسلمي الديانة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard