سافرتُ وصرتُ عدوّاً للتركيّ والعربيّ والعراقيّ والخُراسانيّ… الرحالة الإيرانيّ ناصر خُسرو

السبت 22 فبراير 202006:19 م

شهد الجزء الشرقي من الدولة الإسلامية (إيران والعراق والشام)، الكثير من الاضطرابات السياسية والدينية في القرن الرابع الهجري، والنصف الأول من القرن الخامس، فانقسم العباد بين سنة وشيعة، وكثر التناحر بين السامانيين والغزنويين والسلاجقة، وفي خضمّ ذلك التقلّب السياسي والديني، نشأ الرحالة والشاعر الفيلسوف الإيراني ناصر خسرو.

ناصر خسرو... الشاب النابغة في بلاط الندّين!

في شهر ذي القعدة، من عام 394هـ، وُلد ناصر خسرو بن حارث القبادياني (نسبة إلى بلدة صغيرة على أطراف مَروْ، التي كانت المدينة الرئيسية في مقاطعة بَلْخ التابعة لولاية خُراسان الكبيرة، وكانت حدودها تمتدّ من شرق إيران حتى نهر جيحون)، وفق إجماع الرواة المستندين إلى ما دوّنه، نصر الله تقَوي، ومجتبي مينوي، في شرحهما لديوان الرحالة الإيراني بالطبعة الصادرة عام 1307هـ.

حفظ ناصر خسرو القرآن في صباه، وتعلّم شيئًا من الخُطب والأشعار العربية، وكثيراً من نظائرها الفارسية، واشتهر بعض أفراد أسرته بالجاه والثراء والنفوذ، بحسب الدكتور أحمد خالد البدليّ، في كتابه "من أعلام الرحلات المسلمين في الجزيرة العربية: ناصر خسرو القبادياني"، الصادر عام 1997.

سعى خسرو منذ نعومة أظفاره إلى تحصيل العلم، ومطالعة العقائد والأشعار العربية والفارسية، واتجه في ريعان شبابه إلى العمل بديوان السّلطان محمود الغزنوي وابنه مسعود، كمسؤول عن الشؤون المالية في مدينة بَلْخ، العاصمة الشتوية للغزنويّين آنذاك، بحسب ما أشار إليه خالد البدليّ.

ومع تقلّب الأحوال السياسية في الجزء الشرقي للدولة الإسلامية، ودخول السلاجقة بلاد فارس، وبسط سلطانهم عليها، عهدوا إلى ناصر بأعمال كتابية اشتهر بها في شبابه، أو كما يقول في كتابه "سفر نامه": "كانت صناعتي الإنشاء، وكنت من المتصرّفين في أموال السلطان وأعماله، واشتغلت بالديوان، وباشرت هذا العمل مدة من الزمن، وذاع صيتي بين أقراني في ربيع الآخر سنة 437 هـ (أكتوبر ونوفمبر 1045)، أيام أبي سليمان جغري بيك بن داود بن ميكائيل بن سلجوق، حاكم خراسان".

"قد صدقت الرؤيا"... الترحال في سبيل معرفة الله

كثرت الملل والنِحَل، وحار النّاس في هواهم ما بين سنة وشيعة، وما يندرج تحت كلٍّ منهما من فِرَق، وكان لناصر خسرو نصيبُه من ذلك الشتات، "وقد نظر حوله فوجد هذا الخلاف قائماً، فحاول أن يصل إلى الحقيقة، فسلك في ذلك من الطّرق ما استطاع سلوكه"، وفقاً للمقدمة التي وضعها الدكتور يحيى الخشاب، مترجم كتاب "سفر نامه" للعربية، الصادرة في مصر للمرة الأولى عام 1943.

لمّا صحوتُ من نومي، كانت هذه الرؤيا ماثلة بأكملها أمامي، فقلت لنفسي: صحوتُ من نوم البارحة، وينبغي أن أصحو من نوم أربعين سنة خلَت

يقول الخشاب في مقدمته، إن ناصراً "رجع إلى القرآن، وكُتب الحديث، ورجع إلى التوراة والإنجيل وكُتب اليهود ومذاهب الهنود بلغاتها الأصلية، وأطال النّظر في الأفِستا والزند، واتصل بعلماء الأديان، مسلمين ونصارى ويهود وهنود ومجوس، وناقشهم في المسائل التي لم يهتدِ إلى رأي فيها، فلم يظفر بمن يقنعه، ورأى أن يرحل إلى بلاد العرب وفارس وتركستان والهند، لعلّه يجد من يهديه إلى الطريق الحقّ، لمعرفة الله".

قرّر خسرو بالرّحيل شهراً كاملاً، تاه خلاله في غياهب الشكّ، ومعاقرة الخمر، وطاله اتهام بالإلحاد في تلك الفترة وفق ما أكّده في ديوانه، بقوله: «رغم أني خالٍ من المعاصي... فقد صرتُ عدوّاً للتركي والعربيّ والعراقي والخراساني.. يبحثون دائماً عن هفوة عندي فلا يجدون... ومع ذلك فهم يقولون إني (هرطقي) وعدوّ للصحابة!".

ويذكر خسرو أن رؤيا أتته في منامه، أوحت إليه بفكرة التّرحال، قائلاً: "حتى إذا كانت ذات ليلة رأيتُ في المنام رجلاً يقول لي: إلى متى تشرب هذا الشّراب الذي يسلب لبّ الرجال؟ خيرٌ لك أن تصحو. فأجبت: إن الحكماء لا يستطيعون شيئاً غير هذا فإنه يقلّل هموم الدّنيا. فأجاب: إن التسرية عن النفس لا تتأتى بفقد الشعور والعقل، والحكم لا يستطيع أن يقول إن الرجل المسلوب الفؤاد يصلح هادياً للناس، بل ينبغي عليه أن يبحث عمّا يزيد العقل والحكمة. قلت: وأنّى لي هذا؟ قال: من جدّ وجد. ثمّ أشار إلى القبلة، ولم يقل شيئاً".

ويضيف: "فلمّا صحوتُ من نومي، كانت هذه الرؤيا ماثلة بأكملها أمامي، وقد أثّرت فيّ، فقلت لنفسي: صحوت من نوم البارحة، وينبغي أن أصحو من نوم أربعين سنة خلَت، وأمعنت الفكر فوجدتُني لن أسعد ما لم أعدِل عن كلّ سلوكي".

صدّق خسرو الرؤيا، وذهب إلى العاصمة آنذاك (مرْو)، في ربيع الآخر سنة 437 هـ/أكتوبر 1045م، واستقال من منصبه، مُقرّراً الرحيل لأداء فريضة الحج، أو حسبما يؤكد الخشاب في مقدمة ترجمته لـ"سفر نامه"، أن ناصرًا حدد وجهته نحو شجرة البيعة بمكة المكرمة، بعدما قرأ في سورة الفتح: "لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا"، فلعل من سحر المكان ما ينفذ إلى نفسه الحائرة بالسكينة والأمن.

ناصر خسرو ورحلة الأعوام السبعة

بدأت رحلة ناصر خسرو في جمادي الآخر سنة 437 هـ، مُنطلقاً برفقة شقيقه الأصغر وغلام هندي؛ لكنه "لم يشأ أن يخرج مع قافلة الحجيج التي كانت تنطلق من البلد كلّ عام، بل ابتعد عن القافلة، ولم يسلك طريق الحجّ المعروف المتجه إلى الغرب مباشرة نحو العراق وبغداد، وإنما سلك طريقاً متعرجاً، فاتّجه إلى الشمال الغربي، ثمّ انحدر من أذربيجان إلى الجنوب الغربي نحو الشام وفلسطين، فبدا وكأنه قد تفادى المرور في العراق (موطن الخلافة العباسية) كلية"، بحسب تأكيد الدكتور محمد السعيد جمال الدين في دراسته "الطريق إلى مصر الفاطمية... دراسة في دوافع ناصر خسرو للارتحال إلى القاهرة"، الصادرة عن جامعة قطر عام 1990.

وعندما انتهى موسم الحج لم يعد خسرو إلى بلده كما يفعل الحجّاج إذا ما أتمّوا مناسكهم، بل اختار اتجاهاً معاكساً تماماً، فولّى وجهه شطر مصر، فوصلها في سنة 139 هـ.

يذكر خسرو أن رؤيا أتته في منامه، أوحت إليه بفكرة التّرحال، قائلاً: "حتى إذا كانت ذات ليلة رأيتُ في المنام رجلاً يقول لي: إلى متى تشرب هذا الشّراب الذي يسلب لبّ الرجال؟ خيرٌ لك أن تصحو

بالنظر إلى رحلة ناصر خسرو، نجدها منقسمة إلى مراحل ثلاث: الأولى تبدأ من مرْو بإيران، وتنتهي ببلوغِه القاهرةَ في السّابع من صفر لعام 439هـ/4 أغسطس 1047؛ والثانية هي مدّة إقامته بمصر ثلاث سنوات حتى أواخر جمادي الثاني عام 442 هـ/ أكتوبر 1050؛ أما الثالثة، فهي عودته إلى بلْخ عن طريق الحجاز، ثمّ فلج، والحسا والبصرة، وتبدأ منذ قيامه من مصر، وتنتهي في السادس والعشرين من جمادي الآخر عام 444هـ/ 26 أكتوبر سنة 1052م.

وتميّزت نثريات خسرو في "سفر نامه"، الذي دوّن فيه رحلة الأعوام السبعة يوماً بيوم، بأسلوب بليغ يتوافق مع قريحته الشعرية، مُسهباً في الوصف، والتشبيهات بالغة العذوبة، فنراه يقول عن مصر التي تحتلّ ثلث الكتاب تقريباً (37 صفحة): "وكانت البيوت من النظافة والبهاء، بحيث تقول إنها بُنيت من الجواهر الثمينة لا من الجصّ والآجرّ والحجارة، وهي بعيدة بعضها عن بعض، فلا تنمو أشجار بيت على سور بيت آخر، ويستطيع كلّ مالك أن يعمل ما ينبغي لبيته في كلّ وقت من هدم وإصلاح، دون أن يُضايق جاره".

كنتُ وأخي قد بلغنا من العري والمسكنة والفاقة حداً جعلنا نبدو كالمجانين

وكان خسرو أميناً في كتابته، وفق ما قاله يحيى الخشاب، فإذا رأى شيئاً رأي العين نص على ذلك نصاً، وإذا سمع عن شيءٍ رواه وجعل العهدة على الراوي.

النهاية منفيّاً!

لم تمرّ رحلة خسرو دون محنة، بل تركت أثرها الشجي في الكثير من أشعاره. وحين وصل إلى البصرة في شعبان عام 443 هـ، كان لا يملك من حطام الدّنيا شيئاً، فيقول: "كنتُ وأخي قد بلغنا من العري والمسكنة والفاقة حداً جعلنا نبدو كالمجانين، وقد طالت لحانا وتبلدت الأقذار والأوحال على أجسادنا، ولا غرابة في ذلك، فإننا لم نغتسل منذ ثلاثة أشهر (...) فرآنا بعض الصّبيان فظنّونا من المخابيل، وانطلقوا خلفنا يقذفوننا بالحصى، ويصيحون علينا صيحات منكرة، وانتهى بنا المطاف أخي وأنا إلى زاوية بعيدة منعزلة خارج مدينة البصرة، وأخذنا نفكّر فيما انتهى إليه أمرنا، ونعجب لأحوال هذه الدنيا!".

وحملت السنوات الأخيرة في عمر ناصر خسرو الكثير من المتاعب، بحسب رواة الإسماعيلية، حين كان رئيساً للنشاط التبشيري الإسماعيلي للدعوة الفاطمية في خراسان، فقوبل بخطرٍ يهدّد حياته على يد علماء السنّة والشيعة الاثنى عشرية من جهة، والسلاجقة من جهة أخرى، مما اضطرّه إلى الهرب إلى مكان يُدعى "يمغان" بالقرب من مدينة بَدَخشان، مُعتزلاً النّاس حتى وفاته عام 481 هـ/ 1088م.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard