"حذفوا حسابه بسبب ابنه قسّام"... قصص وأرقام عن "قمع" فيسبوك للإعلام الفلسطيني البديل

الجمعة 21 فبراير 202005:30 م

في أيار/ مايو 2019، حظرت إدارة فيسبوك صفحة وكالة "فلسطين اليوم" الإخبارية، وذلك بعد أن تلقت العديد من البلاغات حول بعض النصوص الإخبارية المنشورة في الصفحة الفلسطينية، إضافة إلى بلاغات كانت تطال بعض الصور الإخبارية المنشورة، وهي بالتحديد صور "مسيرات العودة" التي امتدت فعالياتها في خمس نقاط موزعة على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة.

تواصلت إدارة "فلسطين اليوم" مع إدارة موقع فيسبوك، في محاولة منها لاستعادة الصفحة "الموثقة بالعلامة الزرقاء"، والتي يتابعها نحو نصف مليون متابع من جميع أنحاء العالم. بعد مرور أربعة أشهر من تبادل الرسائل، عادت الصفحة للعمل، في نهاية أيلول/ سبتمبر 2019.

يقول مسؤول السوشيل ميديا في "فلسطين اليوم" سائد حسونة: "تمت إعادة تفعيل الصفحة لكننا لم ننشر شيئاً، وبعد مرور أسبوعين كانت المفاجأة بإعادة حظرها مرة أخرى، ومن جديد تواصلنا مع إدارة فيسبوك لإبلاغها بطبيعة عملنا في نقل الأخبار فكان الرد بأن الحظر جاء ضمن حملة"، معلقاً بأن "رد فايسبوك كان يمثل اعترافاً ضمنياً بأن الحظر كان ضمن حملة إغلاق صفحات فلسطينية على فيسبوك هدفها تقييد المحتوى الفلسطيني".

ويُظهر تقرير صادر عن المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى" لشهر تشرين الأول/ أكتوبر 2019 أن "شركة فيسبوك واصلت عمليات حجب وإغلاق المزيد من الصفحات الإخبارية أو التابعة لمواقع إخبارية فلسطينية وتلك الخاصة بصحافيين/ات فلسطينيين/ات بدعوى مخالفتها قواعد النشر المجتمعية على فيسبوك"، كما "طالت عمليات الحجب والإغلاق المؤقتة والمستمرة التي نفذتها فيسبوك خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر ما لا يقل عن 19 صفحة خاصة وإخبارية، علماً أن بعض هذه الصفحات تعرضت لأكثر من انتهاك".

أما تقرير أيار/ مايو 2019 الصادر عن المركز، فقد رصد إغلاق فيسبوك ما لا يقل عن 77 صفحة من بينها 65 حساباً لصحافيين وصحافيات في قطاع غزة والضفة الغربية.

وبحسب متابعات "مدى"، فإن جميع من أُغلقت صفحاتهم الشخصية، تلقوا الإشعار نفسه من فيسبوك، وقد جاء فيه: "مرحباً، شكراً على ردك، سنطالبك بالرد مع إرفاق صورة لنفسك مع أحد عناصر قائمة بطاقتك الشخصية" إلى الرابط، وبعد قيامهم بإرسال صور هوياتهم، كانوا يتلقون الرد التالي: "هناك خطأ غير معروف قد حدث".

إغلاقات متكررة

في مرحلة سابقة لم تكن المراكز الحقوقية أو المراكز التي يتمحور عملها حول متابعة النشاط الرقمي في فلسطين، مهتمة برصد وتوثيق إغلاق الصفحات أو حسابات المشاركين على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن منذ أيار/ مايو 2019 وبسبب النشاط الملحوظ لشركة فيسبوك - تحديداً في إصدار التحذيرات والإغلاقات المتكررة، تابعت بعض المراكز مثل مركز "مدى" الموضوع باهتمام، وقد وثّق المركز ذلك في تقاريره الشهرية.


لم تكن الصفحات الإخبارية وحدها مستهدفة في عمليات الحظر والإغلاق من فيسبوك، فهذه العملية طالت حسابات شخصية لصحافيين وصحافيات في فلسطين.

"وكالة الرأي الفلسطينية" أيضاً تم إغلاق صفحتها على فيسبوك عدة مرات خلال السنوات الماضية، كان آخرها في أواخر آب/ أغسطس 2019.

ويقول مدير الوكالة إسماعيل الثوابتة: "عام 2015 أغلقت إدارة فيسبوك صفحتنا، لتتوالى عمليات إغلاقها في ما بعد، حيث أُغلقت للمرة العاشرة في آب/ أغسطس 2019".

وقبل كل عملية إغلاق، كانت الوكالة تتلقى رسائل من إدارة فيسبوك تتهمها بنشر محتوى في الصفحة "ينتهك معايير مجتمعها"، وهنا يلفت الثوابتة إلى أنه "أحياناً كان يصلنا المضمون الذي حُظرنا بسببه، وغالباً ما يكون خبراً صحفياً، وهذا من صلب عملنا، فنحن نقوم بنشر الأخبار كما تردنا ولا نقوم بالتحريض على الكراهية".

لم تكن الصفحات الإخبارية وحدها مستهدفة في عمليات الحظر والإغلاق من فيسبوك، فهذه العملية طالت حسابات شخصية لصحافيين وصحافيات في فلسطين، بعضهم كان يعتمد على حسابه الشخصي في نقل الأخبار والأحداث الميدانية ويتابعه الآلاف.

من هؤلاء الصحافي حسن إصليح من قطاع غزة، والذي عمل خلال السنوات الماضية لحساب العديد من وسائل الإعلام، فيما يعمل حالياً كصحافي حر ويعتمد في النشر على حسابه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي.

منذ عام 2016، يواجه إصليح العديد من المشاكل بسبب حظر حساباته واضطراره إلى إنشاء حساب جديد في كل مرة كان يتم حظره، ويقول: "كنت أسير في جنازات الشهداء وأنقل وقائعها، لكن بعد نقل وقائع كل جنازة كان يتم حظر حسابي، حتى وصلت إلى مرحلة إذا ما أنشأت حساباً يتم إغلاقه بعد ساعات معدودة، الأمر الذي دفعني للابتعاد عن شبكات التواصل بشكل نهائي لعدة أشهر، وحديثاً أنشأت قناة على تلغرام أنشر من خلالها تغطياتي الميدانية".

انتهاكات أم سياسات؟

أنشأت مجموعة من المتطوعين والمتطوعات في فلسطين مبادرة تطوعية هي شبكة "صدى سوشيل"، هدفها متابعة المحتوى الفلسطيني ورصده وتوثيقه، وتوثيق عمليات التضييق على المساحة الرقمية، كما تُصدر الشبكة التقارير الشهرية بشكل دوري حول آخر المجريات في هذا المجال.

يوضح مدير "صدى سوشيل" إياد الرفاعي أن سياسات فيسبوك الأخيرة، والتي تم خلالها تطوير خوارزميته وتزويدها بقائمة من كلمات تتعلق بالقضية الفلسطينية مثل أسماء شهداء معينين أو أسماء فصائل وأجنحتها العسكرية، أدى إلى ملاحقة وفرض عقوبات على مستخدميها ما نتج عنه انتهاكاً للحريات، وضعف في التمييز بين سياق خبري وآخر التحريضي.

"طالت عمليات الحجب والإغلاق المؤقتة والمستمرة التي نفذتها إدارة فيسبوك خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر ما لا يقل عن 19 صفحة خاصة وإخبارية فلسطينية، علماً أن بعض هذه الصفحات تعرضت لأكثر من انتهاك" 

وبحسب الرفاعي فإن "هذه الخوارزميات أصبحت تلاحق الكلمات بغض النظر أين كتبت، أو سياق كتابتها واستخدامها". وفي هذا الإطار، يذكر الرفاعي المثال التالي: "قام شاب فلسطيني بنشر صور عيد ميلاد طفله، وأرفق الصور مع معايدة مكتوبة ذكر فيها اسمه قسام، وعلى إثر ذلك حذف فيسبوك الصور وأغلق حسابه".

ويذكّر الرفاعي بأن فيسبوك شركة أمريكية، وبالتالي تخضع لقوانين الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ضمنها قانون الإرهاب الذي يعتمد ويصنف الكثير من الأعمال أو المصطلحات الفلسطينية كتعابير تحريضية أو إرهابية، لذلك "من الواضح أن فيسبوك يساهم في تطبيق السياسات الأمريكية القائمة على تحريض من حكومة الاحتلال الإسرائيلي، اتجاه القضية الفلسطينية في تعامله مع المحتوى الفلسطيني"، حسب قوله.

من جانبها، تشدد الباحثة في مركز "مدى" شيرين الخطيب على أن ما تقوم به إدارة فيسبوك يُعدّ انتهاكاً لحرية الرأي والتعبير، وتقول: "وثقنا نشاط الإغلاق الذي يتركز في ذروة الأحداث مثلاً في غزة، ووجدنا أن الصفحات والحسابات الشخصية التي يتم استهدافها كانت في حالة نشاط ونقلت ووثقت الأحداث الميدانية خاصة العسكرية منها، وغالباً ما تقوم إدارة فايسبوك بإغلاق هذه الصفحات أو حظرها في اليوم ذاته، أي أن فيسبوك يقوم بانتهاك الحريات الصحفية".

تبعات الحظر والإغلاق

لم يكن تقييد الحريات الصحفية والإعلامية من خلال حظر وإغلاق الصفحات الإخبارية على موقع فيسبوك هو المشكلة الوحيدة التي واجهت أصحاب الصفحات المحظورة، بل كان لتلك العقوبات تأثير متعدد المستويات.

من الناحية التقنية، يوضح حسونة أن الانقطاع عن جمهور من المتابعين لفترات طويلة أثّر بشكلٍ كبير على نسبة انتشار المنشورات في "وكالة فلسطين اليوم" النصية منها إضافة إلى الصور والفيديوهات، وانخفضت بالتالي نسبة المشاهدات عبر الصفحة، ولم تعد منشوراتها تظهر على صفحات المتابعين بشكل تلقائي كما كان الأمر في السابق.

سياسات فيسبوك التي تم خلالها تطوير الخوارزميات وتزويدها بكلمات تتعلق بالقضية الفلسطينية مثل أسماء شهداء معينين أو أسماء فصائل، أظهرت ضعفاً في التمييز بين سياق خبري وآخر تحريضي

ويقول إصليح: "في السابق عندما كنت أنشر خبراً أو صورة كانت منشوراتي تظهر تلقائياً على صفحات المتابعين في فلسطين وخارجها، لكن بسبب إغلاق حسابي عدة مرات، خسرت آلاف المتابعين، كما خسرت أرشيفاً كبيراً، يحتوي صوراً وفيديوهات وقصصاً صحافية ومنشورات عن أحداث ميدانية وثقتها خلال عملي في السابق، نتاج سنوات من العمل والتوثيق اختفى فجأة".

وأكد الرفاعي على ضرورة أن تأخذ مؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية دورها في الدفاع عن الحقوق والحريات الخاصة بالفلسطينيين، مشدداً على ضرورة تدخل المستوى الرسمي أيضاً من خلال عمل نشاط موازي للنشاط الذي تقوم به حكومة الاحتلال الإسرائيلي في محاربة المحتوى الفلسطيني ونقل الرسالة الصحافية الفلسطينية.

وكانت الحكومة الإسرائيلية شكلت لجنة وزارية لمتابعة شؤون مواقع التواصل الاجتماعي، هدفها التواصل بشكل مباشر ورسمي مع شبكات التواصل الاجتماعي، بينما لا يوجد اهتمام كاف على المستوى الرسمي الفلسطيني للحد من هذه الإشكالية.

هناك العشرات من الصحافيين والصحافيات في قطاع غزة والضفة الغربية الذين طالتهم عملية إغلاق الحساب الشخصي خلال عام 2019.

ما واجهه إصليح من إغلاق حسابه الشخصي ليست مشكلة فردية، فبحسب التقارير الشهرية لمركز "مدى" من خلال عمليات الرصد والتوثيق، يتبين أن هناك العشرات من الصحافيين والصحافيات في قطاع غزة والضفة الغربية الذين طالتهم عملية إغلاق الحساب الشخصي خلال عام 2019، الأمر الذي يوجب طرح تساؤلات واستفسارات على فيسبوك في محاولة لاستيضاح الأمر.

إدارة فيسبوك: لا تعليق

كان لا بد من البحث عن إجابة لدى إدارة فيسبوك حول سلوكها المتكرر تجاه الصفحات الفلسطينية ذات الطابع الإخباري، فقمنا بالتواصل، عبر البريد الإلكتروني، مع مسؤولة السياسة العامة وحقوق الإنسان في الشركة شهد الهندي.

تضمنت الرسالة الإلكترونية الأولى التي أرسلناها في 12 كانون الثاني/ يناير الماضي، بعض الأسئلة والاستفسارات حول الإجراءات الأخيرة المتمثلة في إرسال تحذيرات وإغلاق صفحات إخبارية وحسابات صحافيين وصحافيات من غزة والضفة، كما تضمنت الرسالة توجيه سؤال مباشر يتعلق بملاحقة المحتوى الفلسطيني المنشور على فيسبوك؟ ولماذا يحظر الموقع تداول أسماء بعض الشخصيات أو الأحزاب الفلسطينية؟

الرسالة الأولى لم تلق أي رد، أما الثانية التي أرسلناها بعد أيام نكرر فيها أسئلتنا، فكان الرد عليها بإحالتنا إلى راوية عبد القادر وهي مسؤولة الاتصال والتواصل في موقع فيسبوك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبعد استفسار حول التقرير، وبعدما قمنا بإعادة التذكير بموضوعنا وبتكرار إرسال الرسالة عدة مرات، بقيت أسئلتنا بلا أي رد من طرف إدارة فيسبوك، وبلا أي توضيح حول إجراءاتها تجاه المحتوى الفلسطيني.

تم إنجاز هذه المادة في إطار برنامج التدريب الذي ينظمه مكتب العلاقات الخارجية بـ "الجامعة الأمريكية في بيروت" بالتعاون مع "مؤسسة دعم الإعلام الدولي". اضغط هنا للمزيد من المعلومات حول البرنامج.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard