المظاهر الأمريكية في أوساط حزب الله... هوامش على تحوّلات المجتمع والثقافة

الأربعاء 19 فبراير 202003:48 م

جاءت سيارة الفولفو. هكذا كانوا يقولون في لبنان. من الثمانينيات من القرن الماضي وصعوداً، ارتبطت هذه السيارة، وكانت أقرب إلى مصفحة منها إلى سيارة، بحزب الله.

كان الحزب معادياً للثقافة الأمريكية بوضوح. ما يمكننا معرفته اليوم من الناس أن سيارة الفولفو "سويدية". وكان ذلك يعني لهم أن حديدها كان صلباً وقوياً، رغم أن شكلها كان بشعاً بالمقارنة مع السيارات الأخرى.

ومثلما اقترنت "البيجو" بالاستخبارات السورية أيام وجودها في لبنان، اقترنت "الفولفو" بحزب إسلامي صاعد، سيصير لاحقاً صلباً وقوياً، مثل السيارة التي اقترن اسمها به لوقت طويل.

"الرانجات" ترث الفولفو

لوقت طويل أيضاً في لبنان، كانت أنواع السيارات دليلاً على هويات أصحابها السياسية. اكتسبت شبهاً بهم واكتسبوا شبهاً بها. قد لا تكون هذه الفكرة المتداولة دقيقة، وهي لا تقوم على إحصاء، أو على تفسيرات منهجية، لكنها تبقى مؤشراً لا يكن تجاهله.

مع الوقت، تراجعت "الفولفو" الباهتة التي قد تُعَدّ بمواصفاتها منتَجاً يشبه المنتجات الاشتراكية التي تتجنب البهرجة وتخصص نفسها بجوانب عملية، وكأن جدوى اختيارها قد ذهبت. صارت سيارة من الماضي، وصورة للحزب، من الماضي أيضاً.

بعد حرب تموز/ يوليو 2006، ظهرت صورة جديدة. الناس أنفسهم، الذين تتجول الفولفو في أوتوسترادات ذاكراتهم، فتمرّ أحياناً بهدوء وأحياناً تسحقها، يتحدثون عن مرحلة جديدة بدأت بعد تلك الحرب: "الرانجات"، و"الرانج" في الاستخدام الشعبي اللبناني ليس فقط الرانج روفر بل كل سيارة دفع رباعي.

استُبدلت الفولفو بالسيارات الرباعية الدفع، خاصةً الأمريكية منها، المفضلة في سوق هذا النوع من السيارات. هزمت الضخامة الأمريكية، أو هيبة "الرانجات" كما يفترض سائقوها، التصفيح السويدي. قوة "محرّكات العدو" صارت ميزاناً للهيبة.

بموازاة ذلك، بدأت تطفو على سطح المجتمع الشيعي اللبناني محاولات اختراع سلوك طبقي جديد، يناسب طبقة تعتبر نفسها جديدة، محصورة بسقوف الجماعة والإيديولوجيا المهيمنة. صار شائعاً في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، وليس بالضرورة أن يكون هذا الشائع دقيقاً، أن مسؤولي الحزب يفضلون قيادة السيارات الضخمة. الإنفوي، وهو أمريكي، ورث الفولفو في وعي أهل الضاحية للتغيرات التي استجدّت بعد حرب تموز. ثم كرّت السبحة، فصرنا تارةً نرى الـGMC وتارةً أخرى جيبات الشيروكي. السيارات الصغيرة للصغار، "الحزب" صار كبيراً.

في الثقافة، تطوّر حزب الله، وربما يكون هذا وصفاً مستسهلاً. وقد تكون المظاهر الأمريكية تغلغلت في بيئته. وقد يكون الاستدلال إلى هذا، من طفرة سيارات الدفع الرباعي الأمريكية في معاقل الحزب وبين مسؤوليه، استسهال آخر. لكن ما هو مؤكد أن هذا الحزب تعولم على مراحل، وأن بيئته مثل البيئة اللبنانية الكبيرة، اعتادت على الاستهلاك، وعلى تمويه انتماءاتها الطبقية الحقيقية بمجموعة سلوكيات. يصدف أن "الرانجات"، من بين عدة مظاهر أخرى، أمريكية.

في إحدى مقولاته الشهيرة، يقول نيوم تشومسكي إن عبارة "اكتشاف أمريكا" غير دقيقة. ما اكتشفه المُستعمِرون بالضبط كان قارة سبق أن اكتشفها سكانها منذ آلاف السنين. ما حدث كان غزواً.

نحن أمام محاولة لصدّ الثقافة الأمريكية، من مستهلكي هذه الثقافة حتى النخاع. وهذه ليست خطة جيدة.

إذا دققنا جيداً في إعادة الصياغة التي يقترحها تشومسكي، قد نتمكن من تحديد نقاط استدلال بسيطة، لفهم الفوارق بين عدة مصطلحات مثل "الاكتشاف" و"الغزو"، وبين معاني هذه المصطلحات كما تُستخدم، مقابل معانيها الحقيقية.

حتى اليوم، ما زال جزء كبير من المستعمَرون، يعتقدون أنهم "يكتشفون" المُستعمِرين، بينما يقوم المُستَعمِر بغزوهم. وهم إذ يرغبون بمقاطعته، يستخدمون أدواته. لم يكتشف العالم أمريكا. أمريكا هي التي اكتشفته. الغزو أمريكي، والدفاع ضدّ الغزو، أمريكي أيضاً. نحن أمام محاولة لصدّ الثقافة الأمريكية، من مستهلكي هذه الثقافة حتى النخاع. وهذه ليست خطة جيدة.

محال بيع الأفلام: أمريكا أولاً

إذا ارتديت قميصاً عليه إشارة تمبرلاند فهذا لا يعني أنك أمريكي. حاول بعض المعلّقين "التنغيص" على حزب الله والمنتسبين إليه بمطاردة ثيابهم وقبعاتهم، والبحث عن أن أي شيء يمتّ إلى أمريكا بصلة فيها. هذه مبالغة. فالحديث عن منتجات أمريكية، من دون فهم العولمة، سيبقى كلاماً في الهواء. المفارقة، أن معظم النقاش حول مقاطعة أمريكا، يحدث على وسائل التواصل الاجتماعي. هناك حيث تطارد سوق الإعلانات المعولمة الجميع.

العلاقة بمظاهر الثقافة الأمريكية في أوساط حزب الله ليست علاقة "مستهلكين" عاديين ضمن سياقات العولمة، فهي تشكّل بالنسبة إلى كثيرين، دليلاً على مرتبة طبقية جديدة

ينشط عدد كبير من المحازبين على السوشال ميديا، وهم في هذا مثل بقية المستهلكين: استثمار مربح لشركات الإعلانات. على "تويتر" أو على "فيسبوك" يمكن أن يكون المرء متعولماً أكثر مما يعتقد بكثير. الرأسمالية التي تستفحل لا تنتظر إذناً لكي تتسع. تنتظرك سوق الإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي لكي تستثمر في اتساع نشاطك. وقد تستثمر حتى في دعوات المقاطعة نفسها، لتمرير إعلانات مرافقة لها، عن أصناف جديدة من الهمبرغر.

بطبيعة الحال، لا يمكنك أن تكون "متخلفاً" ومعادياً لهذه الوسائط. لكن يجب أن تنتبه أيضاً أن "التقدم" و"التأخر" و"التخلف" مثل برامج "التنمية"، هي مصطلحات لها وظائف محددة، لتسويغ برامج العولمة. كذلك، يمكنك تجاهل كل هذا والسير في حياة بدوافع أقل وجودية بكثير، وأن تحقق ذاتك، من دون أن أوهام بطولية.

في أحد مقالاته، يقول المفكر الاقتصادي سمير أمين إن الأزمة الجدية التي تواجه حركات العولمة البديلة لا يأتي فقط من الحركات المعتدلة التي ترفض اتخاذ مواقف جذرية لتحديد وجهة الصراع، بل أيضاً من الحركات الراديكالية التي تعمل على فرض نفسها على الآخرين كحالات ثورية، ولكنها في الوقت ذاته ترفض النقد ولا تستطيع تقدير سرعة التحولات في المجتمعات.

يمكن فهم قول المفكر الماركسي بأكثر من طريقة، ويمكن أيضاً ألا يبدو مفهوماً بالنسبة إلى كثيرين. ولكن، وللحديث عن الحالات التي تعتبر نفسها ثورية، هل تبدو الثقافة الأمريكية "غير مرغوبة" فعلاً في بيئة حزب الله؟

على سبيل المثال، ينتج المخرجون الإيرانيون أفلاماً في غاية الأهمية، تحظى باهتمام شديد، لعدة أسباب، في مهرجانات الغرب الرئيسية، ولا سيما "كان" في فرنسا، البندقية في إيطاليا، وبرلين في ألمانيا. سيكون عرض أسباب اهتمام الأوروبيين بسينما الإيرانيين مملاً، بجانبيها الإيجابي والسلبي. ما هو مهم، أنه وفي جولة صغيرة على محال بيع الأفلام في الضاحية الجنوبية، سيتضح أن أفلام عباس كياروستامي أو جعفر باناهي لا تلقى اهتماماً هناك. وإذا كانت هذه الأفلام نخبوية، فماذا عن الأفلام الأخرى؟

سيحدثك صاحب المحل غالباً عن ثلاثة أنواع من الأفلام المطلوبة، وبلغته ولغة السوق طبعاً: "الأكشن، الحرب، الرعب". وبعد سؤال أكثر من محل عن أفلام أوروبية، أو إيرانية، ستكتشف أن السينما المفضلة هنا، هي السينما التجارية السائدة. الأكثر مبيعاً حسب الباعة هو "أفلام الحرب". معظم هذه الأفلام هي أفلام تفرط في تصورات ما بعد استشراقية، وتقدّم شكلاً أمبراطورياً لأمريكا وعنها. هذا كله ليس جديداً، لكن، أليس غريباً أن تكون هذه النوعية من السينما، هي الأكثر رواجاً في بيئة "أعداء أمريكا"؟

المظاهر الأمريكية كمؤشر طبقي

أحياناً تحدث الأشياء بطبيعية، وتتبخر دعوات المقاطعة من تلقاء نفسها. بعد عام 2000، تمت مقاطعة فرع مطعم KFC الشهير في منطقة معوّض، أحد أحياء ضواحي بيروت الجنوبية، بسبب التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية (كانت فلسطين في ذلك الوقت مسألة أساسية).

الأكثر مبيعاً في ضواحي بيروت الجنوبية هو "أفلام الحرب". معظم هذه الأفلام تفرط في تصورات ما بعد استشراقية، وتقدّم شكلاً أمبراطورياً لأمريكا وعنها. هذا كله ليس جديداً، لكن، أليس غريباً أن تكون هذه النوعية من السينما، هي الأكثر رواجاً في بيئة "أعداء أمريكا"؟

ولكن الدعوة إلى مقاطعة هذا المطعم لم تكن ممنهجة، ولعب حزب الله دوراً فيها مثل كثيرين. احتاج مطعم الدجاج ثمانية أعوام لكي يعود إلى الضاحية، تحديداً إلى طريق المطار. ولم يقاطعه أحد منذ ذلك الوقت. هل لم تعد فلسطين مسألة أساسية؟ أم أن المطعم لم يعد مكروهاً؟ العلاقة تحتاج إلى تفسير. لم يدعُ الحزب عناصره منذ وقت طويل في تعميم مباشر إلى مقاطعة هذا المطعم أو مقاطعة ستاربكس أو غيره من المحال والمقاهي ذات الصبغة الأمريكية.

هناك أسباب لكي يحب عناصر حزب الله والمعجبون به، ارتداء أحذية أمريكية، من نوع "ألتاما".

هناك أسباب اقتصادية، وهناك أسباب ثقافية أيضاً لكل شيء. هناك أسباب لكي يحب عناصر حزب الله والمعجبون به، ارتداء أحذية أمريكية، من نوع "ألتاما"، ولكي تظهر بعض صور مقاتلي هذا الحزب في سوريا، وهم يرتدون لباساً عسكرياً صحراوياً، يشبه أزياء الغزاة الأمريكيين في العراق.

أن تكون سمعة البضائع الأمريكية أفضل من غيرها فهذا أمر مفهوم. لكن ما قد لا يكون مفهوماً، أن يدرس أولاد المسؤولين في حزب الله في الجامعة الأمريكية في بيروت، والجامعة اللبنانية الأمريكية، لكي يكون "تقريش" الدراسة في هذه الجامعات ليس أكاديمياً، بقدر ما هو إشارة واضحة إلى تفوّق طبقي لأشخاص من الحزب، على أشخاص آخرين.

العلاقة بمظاهر الثقافة الأمريكية، بالنسبة إلى الجماعة، لم تكن علاقة "مستهلكين" عاديين ضمن سياقات العولمة. في حالة حزب الله، تشكّل بالنسبة إلى كثيرين، دليلاً على مرتبة طبقية جديدة.

إلى هذا الوهم الكبير، يجب التذكير بأنه ليس هناك أي معنى للحديث عن "مقاطعة" بضائع، من دون فهم معنى العولمة. أسئلة كثيرة يجب أن يطرحها دعاة مقاطعة أمريكا على أنفسهم، خاصةً وأن الجانب الذي يثير إعجاب جزء كبير منهم في الغرب، للمصادفة، هو أمريكا.

هناك أسباب لكي يحب عناصر حزب الله والمعجبون به، ارتداء أحذية أمريكية، من نوع "ألتاما"، ولكي تظهر بعض صور مقاتلي هذا الحزب في سوريا، وهم يرتدون لباساً عسكرياً صحراوياً، يشبه أزياء الغزاة الأمريكيين في العراق

العودة إلى سمير أمين مفيدة دائماً، لتحديد رأس النظام الرأسمالي، على الأقل للمهتمين بإيجاد هذا الرأس في العالم. يعتبر أمين أن الأوروبيين، الذين ليست هناك أي دعوة لمقاطعة بضائعهم لحسن الحظ، هم توابع، مثلهم مثل اليابانيين. أما نحن ففي الأطراف التي تقع تحت سيطرة ما يسمّيه أمين: "أوليغارشية عالمية".

بعد أشهر من الانتفاضة اللبنانية والنقاشات حولها، يمكن القول إن مصطلح "أوليغارشية" صار مألوفاً في لبنان. وإنْ كان الموقف من العولمة يقود إلى مواجهة مع أوليغارشية عالمية، فالأجدر البدء باتخاذ مواقف من الأوليغارشية المحلية الصغيرة، بدلاً من حراستها. من هنا قد يبدأ حديث العلاجات، وليس بمقاطعة شركة Nike.

قيادة السيارات الأمريكية ليست جريمة، ولا شرب البيبسي. لكن الحديث عن مقاطعة البضائع الأمريكية، على الأقل من الناحية النظرية، يحتاج إلى فهم أولي لمعنى العولمة، وطبعاً إلى تقليص المظاهر الأمريكية في ثقافة دعاة المقاطعة، بدلاً من اعتبار هذه المظاهر، بالنسبة إلى الذين يظهرونها، دليلاً إلى "تطورهم". ومواجهة العولمة ليست أمراً سهلاً، وهي غير ممكنة طبعاً على الطريقة الانطباعية.

قد يفسّر فشل الدعوة إلى مقاطعة أمريكا نفسه بنفسه. تفشل هذه الدعوات دائماً لأنها تهطل على مجتمعات يحاول البعض إجبارها على تصديق أن كل ما يمكنها فعله هو الاستهلاك. أما الإنتاج المقترح للمواجهة، فليس اقتصاداً منتجاً، بل استهلاك مضاعف للأفكار، مثل استهلاك فكرة المقاطعة نفسها، وإعادة إنتاجها بصيغ تجتر نفسها.

في نهاية المطاف ستقود هذه العملية إلى اقتراحات سحرية، مثل الخصخصة، وبيع القطاع العام، وفي ذات الوقت، إخبار الناس أن الحل يكمن في مقاطعة Nike.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard