الغطس بكرسيّ متحرك وشاشات بخطّ برايل... سياحة ذوي الاحتياجات الخاصة في مصر

الخميس 27 فبراير 202012:57 م

مثلهم مثل جميع من يعشقون الجمال والسّفر والترحال، يملؤهم شغف المغامرة وروح اكتشاف ما وراء الحياة المألوفة، فيتمّ تجاهل اهتماماتهم، وحصرها بالملابس والطّعام فقط، وكأن ارواحهم ليست في حاجة إلى تذوّق متعة السّفر والسياحة في أنحاء العالم المختلفة.

هناك حوالى 1000 مليون شخص بالعالم يحمل نوعاً من أنواع الاحتياجات الخاصة بحسب منظمة الصحّة العالمية، فتصل نسبتها إلى 15% من أعداد سكّان العالم. لذا فسنتناول هنا سياحة أصحاب الهمم في مصر كونه البلد العربيّ الذي يزخر بكثير من الأماكن السياحية والذي يتوافد عليه كثير من السيّاح من العالم العربيّ والعالم أجمع، فضلاً عن المصريين أنفسهم.

السياحة الميسرة

أساس فكرة السياحة المُيسرة هو توفير الخدمات المتنوعة لأصحاب الهمم وكبار السن بجميع الأماكن السياحية بمختلف أنواعها، مع مراعاة احتياجاتهم العامة. لذا وضعت الدولة المصرية مؤخراً اهتماماً كبيراً بتنظيم رحلات السيّاح من ذوي الملكات الخاصة، لإتاحة الاستمتاع بالفن والتراث والحضارات المختلفة.

ومن هنا انطلقت فعاليات منتدى السياحة الميسرة في المنطقة العربية بمصر في الغردقة عام 2019 من قبل وزارة السياحة وجامعة الدّول العربية بالتنسيق مع المنظمة العربية للسّياحة، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنّقل البحريّ، ومنظمة العمل الدولية (ILO).

وبعد نشر أهمية الوعي بمفهوم السياحة الميسرة بالمنتدى تداولت مناقشات حول أدوات ومبادئ تأهيل المنشآت السياحية لاستقبال هذا النوع من الزوّار.

و أشار بهاء مختار، الأمين العام المساعد بالمجلس القومي لشؤون الاحتياجات الخاصة، بأن دور المجلس يرتكز على تقديم أنشطة وحلول للمشكلات التي تواجهها هذه الشريحة، وذلك بالتعاون مع العديد من الوزارات التي تقدم خدمات لذوي الاحتياجات الخاصة، موضحاً تأهيل المحافظات لاستضافة سياحة ذوي الهمم، من حيث المنحنيات التي تكون أقلّ من ارتفاع الرصيف، دورات مياه عامة بمواصفات معينة، وإشارات مرور صوتية لفاقدي البصر ولغة الإشارة للصمّ.

أماكن سياحية مناسبة لذوي الاحتياجات الخاصّة في مصر

المتحف المصري

اتخذ المتحف المصري بالقاهرة في ميدان التحرير أولى الخطوات المُيسرة لزائريه من ذوي الهمم من الوطن العربي والعالم بأكمله، من خلال مسار خاص لمساعدتهم على التجوّل في أرجائه.

يطّلع مبصرو القلوب على كُتيبات تشمل أهمّ القطع الآثرية بمتحف الفنّ الإسلامي حاملة اللغة ذاتها مع إضافة فكرة تبدو لطيفة من خلال لمس المعروضات وتكوين خلفية بأذهانهم

فيتجول الزائرون بمسار يحمل 12 قطعة أثرية من عصور مختلفة للحضارة المصرية القديمة مع العصور اليونانية والرومانية، مُطّلعين على تفاصيلها من خلال بطاقات تعريفية لكلّ قطعة أثرية بلغة "برايل"، وأجهزة إلكترونية صوتية ترشدهم أثناء التجوّل، وتعرفهم بأنواع الآثار وتاريخها.


معبد الكرنك

عادة ما تكمن صعوبة زيارة الأماكن الآثرية البعيدة بوجودها في الصحراء أو عدم توافر مُرشدين سياحيين ذوي خبرة في التعامل مع هذا النوع الخاصّ من الزوار، ولكن هذا ما رفضه معبد الكرنك ليكون أول معبد يُمهد زيارة أصحاب الهمم، ويضيف تدريبات للمرشدين لشرح تاريخ الآثار المصرية بلغة الأشارة.


متحف جاير أندرسون

يأتي متحف جاير أندرسون بحيّ السيدة زينب في القاهرة هو الآخر الذي يهتمّ بفاقدي البصر عن طريق بطاقات شارحة تتناول القاعات بمكوّناتها مستخدمة لغة برايل.

فيستمتع الزوّار بتحفٍ جُمعت من أنحاء العالم تحمل من كلّ بلد روحه في ببيت الكريليتية الذي يسمى الآن بـ"متحف جاير أندرسون".


متحف الفنّ الإسلامي

يهتمّ متحف الفنّ الإسلامى في "باب الخلق" بالقاهرة بنفس الطريقة للتواصل مع فاقدي البصر ليُعرض كلُّ أجزاء الحقبة الإسلامية ببطاقات تعريفية بلغة برايل.

كما أنهم يطّلعون على كُتيبات تشمل أهمّ القطع الآثرية بالمتحف حاملة اللغة ذاتها مع إضافة فكرة تبدو لطيفة من خلال لمس المعروضات وتكوين خلفية بأذهان مُبصري القلوب، فتثير مشاعرهم بشكلٍ مختلف.


المتحف المصري الكبير

أما هذا الصّرح العظيم فمنذ التخطيط الأول لإنشائه، كانت مراعاة الإنسانية في المقام الأول من اهتماماته، فجاء تصميم المتحف وقاعاته بأفضل شكل يُلائم زوّاره بمختلف أنواع احتياجاتهم.

وقد اهتمّ المتحفُ بالوسائل السّمعية والبصرية التي تتيح زيارة كاملة خالية من المعوقات ومنها سلالم كهربائية ذات طرق خاصة للكراسي المتحرّكة، مع السماعات الصوتية الشارحة للقطع الآثرية، ودورات المياه المناسبة، إضافة إلى حديث بموقع وزارة الآثار بأنه من المخطّط إنشاء متحف خاصّ بذوي الاحتياجات الخاصة.


ولكن اذا اعتبرنا الأماكن السابقة زيارات تحمل كثيراً من الصفات الرزينة العاقلة والاطّلاع الثقافيّ على الحضارات المختلفة، فماذا عن النوع الأخر من السياحة الذي يحمل زُرقة السّماء وتراقص الأمواج في الهواء الطلق بين تغريدات الطيور؟ فلكلّ شخص نوع من السياحة يفضّلها وتستهويه.

تتيح شركة "أوبر" سيارات مُجهزة بروافع أو ألواح تنزلق لصعود الكراسي المتحركة، مع إتاحة شاشة برايل اللاسِلكية لطلب السيارة بسهولة لفاقدي البصر، وتأهيل السائقين للتعامل بلغة الإشارة

هناك عددٌ من الشّركات الخاصّة لسياحة ذوي الهمم التي تتيح لهم تسلّق الجبال وركوب البالون ونزول مقابر المصريين القدماء مع الغطس والتزحلق على الرّمال وغيرها.

شركات تنظيم الرّحلات لذوي الاحتياجات الخاصة

تلك التسهيلات من الشركات السياحية المختلفة في مصر جعلت ذوي الاحتياجات الخاصة يستمتعون بالطبيعة. وهذا ما تحدّث عنه مينا عاطف، المرشد السياحيّ بإحدى شركات السياحة المصرية المهتمّة بتنظيم رحلات أصحاب الهمم من خلال توفير جميع التسهيلات بداية من وسائل مواصلات مجهزة، وصولاً إلى تسهيل تسلّق الجبال والغطس أو ركوب اليخت والبالون الطائر.

ومن الطبيعي أنه لا تكتمل المتعة سوى بتأهيل مرشدين سياحيّين متفهّمين طبيعة المساعدات التي تُطلب منهم، خاصة في حالة الجولات الشاقة التي تتطلّب رعاية خاصة كالتسلّق والغطس.

فيستطيع بذلك أيٌ من السيّاح من أصحاب الهمم الاستمتاع برحلات السفاري، والتجوّل بجميع مدن السياحة المصرية كالأقصر، وأسوان، ودهب، والغردقة، وشرم الشيخ، وغيرها.

ولكن لم يتوقّف استمتاعكم عند الشركات فحسب، بل يمكنكم أيضاً تنظيم رحلات فردية خاصة بكم بحسب ما تهواه قلوبكم. على سبيل المثال هناك تجربة ناجحة لتلك النوع من الرحلات السياحة الفردية لذوي الاحتياجات الخاصة:

سيدة إنكليزية بجولة غطس في شرم الشيخ بالكرسيّ المتحرك

كتجربة مُثمرة ومُثيرة للاهتمام خاضت سيدة إنكليزية تجربة الغطس على كرسي متحرك بمساعدة فريق غطاسين مصريين بشرم الشيخ، لتعتمدها اللجنة العليا الأولمبية لتصوير فيلم وثائقي قصير يُعرض بدورة الألعاب الأولمبية في لندن  عام 2012.

سيدة قررت كسر فكرة الإعاقة برسالة للعالم من شواطئ مصر بعد صناعة كرسيّ بمواصفات خاصة يتناسب مع المياه، وساعدتْها خبرتُها السابقة في الغطس وتجربتها جولات الغوص بشرم الشيخ قبل هذه التجربة بسنتين على فكرة القيام بأول تجربة غطس بكرسيّ متحرك من أعماق مياه البحر الأحمر.

ولكن لا تقلقوا إن كنتم لا تحملون تلك الخبرات أو هذه الإمكانيات، فهناك الكثير من تجارب الغطس بمساعدة الغوّاصين المصريين دون الحاجة للكراسي المتحركة.

وإذا اعتبرنا أن جولاتكم السياحية في مصر أصبحت ممهّدة بالكامل فهناك بعض العناصر المُكملة لجولتكم كي تتمّ على أكمل وجه ممكن، مثل الفنادق ووسائل المواصلات وغيرها. وهنا نتعرّف عليها معاً:

مواصلات ذوي الاحتياجات في مصر

الحافلات الذكية

هي مجموعة من الحافلات (الأتوبيسات) التي تحمل تقنيات إلكترونية، ومنها تتيح الراحة الكاملة لذوي الهمم من خلال مصاعد مؤهلة لاستقبالهم بأمان، وكذلك أطلقت الشركة تطبيق مواصلات مصر لمعرفة خطوط السّير والدّفع من خلال بطاقة إلكترونية ذكيّة.

شركات سيارات خاصة

تتيح شركة "أوبر" سيارات مُجهزة بروافع أو ألواح تنزلق لصعود الكراسي المتحركة، مع إتاحة شاشة برايل اللاسِلكية لطلبِ السّيارة بسهولة لفاقدي البصر، مع توفير النقل السريع للحالات الطارئة، وتأهيل السائقين للتعامل بلغة الإشارة.

وجاءت من قبلها شركة "كريم" بتهيئة أرصفة الشوارع بمدينة الإسكندرية وتزويدها بمنحدرات تساعد صعود الكراسي المتحركة، مع ممشى لشاطئ "المندرة" للتجوّل بحرية.

الفنادق

سابقاً كان الاهتمام الأول بذوي الاحتياجات الخاصة يأتي من فنادق الغردقة وشرم الشيخ، ولكن بشكل اجتهادات فردية. أما الآن فأصبحت سياسة دولة ومن أهمّ معايير غرفة المنشآت الفندقية ووزارة السياحة لتصنيف الفنادق المصرية، لتكون جميعها مُجهزة بمنحدرات تيسِّر الصعود والتجوّل مع دورات المياه الخاصة وغيرها من التجهيزات التي تجعلها مُصنفة لفئة الخمس نجوم.

كما تحدّث ماجد فوزي رئيس غرفة المنشآت الفندقية بأن: "وضع السياحة الميسرة في الفنادق إجباريّ منذ 3 سنوات ضمن ملفّ السياحة الخضراء للتقييم والمعايير الجديدة." مُضيفاً أنها: "ستعمَّم على المتاحف والحافلات السياحية مع أماكن الانتظار وطرق الحجز وغيرها."

كما وضّح محمد فاروق عضو غرفة شركات السياحة ورئيس لجنة السياحة الإلكترونية: "أن ملفّ السياحة الميسرة يحتاج إلى الدراسة بشكل واقعيّ كونها تأخذ متسعاً من الوقت للانتشار بشكل أكبر."

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard