"حق النوم العميق ليلاً" ينتمي لحقوق الإنسان

الأربعاء 19 فبراير 202002:33 م

تمكنت منظمة لمكافحة الضجيج من الفوز في قضية مرفوعة على مطار هيثرو في بريطانيا عام 2003، بسبب الرحلات الليلية التي توقظ القاطنين بجانب المطار، أقرت إثرها المحكمة أن "حق النوم العميق ليلاً" ينتمي لحقوق الإنسان، ويندرج تحت المادة الثامنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تنص على حماية خصوصية وحياة الفرد والأسرة في المنزل، ملابسات القضية تبدو مضحكة للوهلة الأولى، إذ نقرأ في الادعاء، أن واحدة من السيدات لم تعد تستطيع النوم دون سدادات في الأذن، وآخر كان من الصعب عليه النوم في الصيف، لأن إغلاق النوافذ لرد الصوت زاد من درجة حرارة الغرفة، وآخر لم يتمكن من العودة للنوم بعد أن يستيقظ في الليل بسبب صوت الطائرات.

تبدو القضية منطقية، لكن المثير للاهتمام في تفاصيلها هو اعتبار النوم ليلاً حقاً إنسانياً، ما يجعل الليل، زمن الراحة، مضموناً في الدستور، هذا التقسيم بين عمل نهاراً و نوم ليلاً اقتصادي وسياسي، لا يرتبط فقط بتكوين الجسم الإنساني والتراث الديني، بل بزمن الإنتاج، إذ تمنع قوانين العمل في العديد من البلدان العمل ليلاً، أي على المؤسسات المختلفة، من الدكاكين إلى المصانع، إغلاق أبوابها، ومن يعملون ليلاً لهم معاملة استثنائية، كالصحفيين والشرطة وعمال التوصيل، ما يعني أن السلطة المحلية مسؤولة عن ضمان حق النوم ليلاً لموضوعاتها ومواطنيها ضمن السياقات "الطبيعية"، حتى لو كان ذلك بعكس رغباتهم.

لكن في فضاءات ومساحات تهدد فيها السيادة حياة الأفراد، وترى فيهم كتلاً متجانسة لا مساحة للحق الفردي فيها، تظهر ممارسات قمعية تستهدف مفهوم "النوم" نفسه، كما في السجون، إذ يُستخدم الحرمان من النوم كشكل من أشكال التعذيب، لكن الشكل الأشد يرتبط بنفي النوم عن كتلة بشرية بأكملها، وتحويل الليل إلى زمن قلق ضمن سياق يدّعي "الطبيعية"، إذ يُخلق فضاء يهدد النوم ليلاً، في حالة تُستبدل فيها اليقظة بالرعب في الليل عوضاً عن الراحة، الرعب من المجهول غير محدد المصدر، إحساس بالخطر مستمر في الزمن لا يؤدّي فقط للاستيقاظ اللحظي، بل ينفي احتمالات النوم لاحقاً، هذا الرعب سببه مصدر خارجي غير محدد وغير معروف، يتحول إثره زمن اليقظة إلى مساحة لاختبار الوعي والمخيلة، نفي النوم السياسي يجعل الفرد أمام يقينين، الأول يقين بالجهل، والثاني يقين بالعجز.

"حق النوم العميق ليلاً" ينتمي لحقوق الإنسان، ويندرج تحت المادة الثامنة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تنص على حماية خصوصية وحياة الفرد والأسرة في المنزل، أما تقنيات محاربة النوم ليلاً، فهي تهدد الفرد نفسه ومدى استحقاقه لحياته

تقنيات محاربة النوم ليلاً تهدد الفرد نفسه ومدى استحقاقه لحياته، بل تدفعه لمساءلة جدوى صحوه نهاراً و "قيمة" ما ينتجه، إذ نقرأ في كتاب النوم لهيثم الورداني، أن النائم: "شخصية معطوبة من وجهة نظر القانون، لا يمكنها النهوض بذاتها، وليس لديها إرادة تؤهلها للاختيار"، ويشير الورداني لاحقاً أن النائم خاضع "للاستثناء"، أي تنفيه السيادة إلى الحواف، لكن، ماذا لو قررت السيادة نفي النوم نفسه ليلاً بصورة غير مباشرة؟ ماذا لو كان القرار تهديد زمن "العطالة الجسدية" في فضاء الراحة؟ هو قرار يؤخذ لتهديد هذه الأجساد دون عطبها مباشرة، بل احتوائها ضمن فضاء الرعب، عبر نفي حقها بالنوم العميق وحق الذات بتعطيل نفسها، وهذا ما يمكن تلمسه مثلاً في سوريا، في المدن "الآمنة" التي تتعرض حوافها للقصف، إذ يسمع سكّانها أصوات الطائرات ليلاً، لكن هناك صوت المدافع القادم من بعيد، صوت القصف المتكرر، غير معروف الجهة بالنسبة للمرعوبين، هذا الصوت يمنع النوم العميق، ويحرك الأسئلة والشك في الرأس: من يقصف من؟ من مات الآن؟ ألم تباد المدينة المستهدفة بعد كل هذا القصف؟ لا أحد يعلم إن كان ذاك القصف حقيقي أو خلّبي، لكن غياب المعلومات عنه تحوله إلى أداة رمزية، الصوت هنا تهديد دائم للحياة، وتهديد حتى لزمن اللاحياة، زمن النوم وتلاشي وظائف الحواس.

ضد الزمان- ضد المكان

غياب التدفئة والخضوع لسطوة البرد يحول النوم ليلاً إلى مغامرة، رحلة يمكن ألا يعود منها الفرد، قد "يتعطل" إثرها الجسد نفسه للأبد. كثيرون ناموا، ثم ماتوا برداً دون استيقاظ في مخيمات اللجوء، النوم هنا لعبة خطيرة بين الوعي والنجاة، بين الاستسلام الكلي لانهيار الجسد وغياب الحق بالحياة، أو القتال في سبيل الصحو واستمرار الحياة.

الهيمنة على النوم تعني التحكم بإدراك الذات، تهديد زمن التلاشي في العالم ونفي كل ما يحيط بالفرد، في مساحات التعذيب الجماعية في السجون، وبعد انتهاء جولات الضرب والهمجية، هناك زمن للسكون والريبة، هو إما صمت مطبق أو صوت تعذيب متكرر، يهدد استراحة الوعي نفسه، هناك أصوات لألم احتمالات تطبيقه على جسد من يريد النوم قائمة، إذ نقرأ في تقرير امنيستي Amnesty عن التعذيب في سجون سوريا : "كانت زنزانتي قريبة من غرفة التعذيب، ولذلك كثيراً ما كنت أسمع أصوات صياح أو صراخ. كان عليّ أن أسد أذنيَّ بيدي حتى أتمكن من النوم..."، في ذات التقرير نقرأ: " كان علينا أن ننام ونحن جالسين القرفصاء. وسميناه النوم العسكري"، ما يثير الاهتمام أن الأشد انتهاكاً هنا هو غياب تعاقب الليل والنهار، الزمن يتحول إلى شكل مائع دون تقسيمات سياسية، الفرد منفي خارج الزمن الطبيعي، المعيار الذاتي لليل وحق النوم ضمنه يتلاشى، ويخضع النوم للمصادفة أو الانهيار الكليّ للجسد.

غياب تقسيم الليل والنهار ينفي الدورة الطبيعية للاستقلاب، يأكل الجسم من ذاته، لكن الأهم فيما سبق هو المكان، غياب مساحة النوم أو شروط النوم العميق ليست حكراً على المعتقل، بل تحضر خارجه في مساحات المدينة الأشد بهرجة، إذ يتعرض المتشردون الذين لا "مكان" لنومهم سوى الفضاء العام، إلى أقسى أشكال الحرمان من النوم الليلي، هم يقضون النهار متجولين، أو في أماكنهم الهامشية، يبحثون عن مقومات الحياة أثناء النهار، أما الليل فهو عدو المتشردين، قوانين المدن السياحية تمنع نوم المشردين علناً، ليس فقط عبر الجهاز البشري الذي يحاربهم وينقلهم من مكان لآخر، بل عبر تصميم المدينة ذاتها: كراس عامة ضيقة تصلح للانتظار فقط لا للتمدد أو الجلوس، مداخل أبنية حجرية أو مدببة تمنع الاستلقاء، ساحات للسيارات فقط لا للمارة، وكأن هناك حرب ضد النوم، فهناك مراحيض عمومية ومياه عمومية، لكن لا توجد أسرّة عمومية ينام عليها من لا سرير له، وهنا نستعيد عمل التجهيز الذي أنجزه الفنان السويدي روبيرت فيرون، إذ صنع سريراً من الكرتون و تركه بجانب منزله، ليكشف لنا قسوة الفضاء العام في المدينة، هذا السرير لا يصلح للنوم، ويمكن أن يتحطم إن اشتد الهواء، وكأن فضاء المدينة يحاكي فقط المارة والمسرعين، أما أولئك الأقل حظاً، فهم عرضة للشفقة والمظاهر التي لا تصلح لتلبية حقوقهم كبشر، بشكل كامل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard