باريس-ستالينغراد... لا أحد يحب اللاجئين

الأربعاء 19 فبراير 202003:00 م

بكاميرا محمولة، وتمويل ذاتي، وشيء من الذنب، صوَّرت المخرجة الفرنسية هند مدب فيلمها التسجيلي "باريس- ستالينغراد" الذي عُرض العام الماضي ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي، في دورته الحادية والأربعين.

يعرض الفيلم قصص بعض المهاجرين كوثيقة تصوّر طريقة معاملة فرنسا، في عام 2016، للاجئين الأفارقة الجُدد الهاربين من الحروب والفقر والتعذيب، والذين قبعوا في ساحة مترو ستالينغراد في باريس، حتى تشقَّقت جلودهم من البرد.

ولدت هند في باريس وتعلمت في مدارسها، وأصابها الهلع عندما رأت الشرطة تُعامل المهاجرين المفترشين ساحة المترو بوحشية، وتهدم خيمهم المنصوبة في الشارع. تساءلت هند هل هذه قِيم الثورة الفرنسية التي تربت عليها؟ على هؤلاء أن ينتظروا شهرين في الشوارع وأمام مكتب الهجرة لمعرفة نتيجة طلب اللجوء العشوائية تماماً، والتي تتم "بناءً على التفرُّس في الوجوه"، كما ذكر أحد أبطال الفيلم.

أخرجت هند عدة أفلام وثائقية، أولها "كازابلانكا... تذكرة ذهاب للجنَّة" (2008)، وفي 2013 أخرجت فيلم "إلكترو-شعبي" الذي تحدَّثت فيه عن ثورة يناير من خلال صوت إسلام شيبسي وأغاني المهرجانات. أما أحدث أفلامها فيحكي عن ثورة السودان.

تعمل هند بين أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط، وتُعرِّف عن نفسها بأنها تحاول تمثيل البشر والأرض في تعقيداتهم، وهي تُفضِّل التصوير بنفسها، لتصنع علاقات مع الشخصيات وتتحدث معها بنفس لغتها، نظراً إلى أصولها العربية، فقد هاجر أبواها من المغرب إلى فرنسا وتستهجن معاملة اللاجئين على أنهم فئة خاصة من البشر، فقد نتبادل اﻷماكن معهم يوماً ما.

هند مدب

الوجه الآخر لباريس

تقول هند: "هذا الفيلم عن عنف المدينة تجاه البشر العُزَّل، وعن اللإنسانية، وعن المقاومة الشعرية كردة فعل".

تابعت بكاميرتها حكايات أشخاص في الشارع جاؤوا طالبين اللجوء، قادمين من السودان وإريتريا وأفغانستان وإثيوبيا والصومال. منهم مَن هرب من أفغانستان لأنه يرفض القتل، ولا يريد أن يتورط فيه، وبينهم امرأة حامل تجلس في الشارع، ومنهم مَن هرب من الاستعباد الحرفي في ليبيا حيث كان يعمل بالسُخرة في تعدين الذهب.

أين يذهب مَن فقد أهله جميعاً؟

يقول الشاعر تشارلز سيميك: "تتشابه تقريباً مشكلات كل المهاجرين الذين يحاولون وصف ما حدث لهم، فحكاياتهم لا تُصدَّق، ليس فقط من الغرباء، إنما وقعها لا يُصدَّق على مسامعهم هم أنفسهم".

"من حَفَر أساسات هذه المدينة؟ كل ما تراه من شوارع وبنايات؟ إنهم البشر الذين جاؤوا من إفريقيا". هذا ما قاله سليمان محمد غاضباً، ذلك الصبي السوداني الأسمر الذي تلفظه المدينة الرقيقة الباردة. ينظُم سليمان الشعر عن الغربة والوحدة، وعن بلده البعيد والمنفى، بعد هروبه من دارفور حيث قَتَلت الحرب أسرته، وأفقدته كل شيء.

"اليوم الحدود الأوروبية تقتل كل مهاجر يموت في المتوسط، ونحن نقبل أن يموت الناس أمام أعيننا. هذه هي أوروبا: ليست قارة حقوق الإنسان، فحقوق الإنسان يتمتع بها الرجل الأبيض وحده"

لا يقفز أحد إلى البحر إلا إذا كان هارباً من الجحيم. ربما لم يتعرَّف سليمان إلى سيميك، لكن الأكيد أنهما يتشابهان في حبهما للشعر، وفي الهجرة، فقد قضى تشارلز سيميك طفولته في الحرب العالمية الثانية وانتقل من يوغوسلافيا (من مدينة بلغراد الواقعة في صربيا حالياً) إلى الولايات المتحدة في عمر الخامسة عشر، تقريباً في عمر سليمان.

لم تخبرنا هند الكثير عن خلفية طالبي اللجوء، وركَّزت على لقطة صادمة اهتزت فيها فرنسا في وجهها، لقطة ملاحقة الشرطة لطالبي اللجوء، واقتلاعها لخيامهم، واستخدمت أشعار سليمان كموسيقى تصويرية للفيلم. ثم تتَّبع الفيلم رحلة سليمان في باريس، حتى عثر على ما يشبه حلاً لوضعه، فقد انتقل إلى مدينة أخرى تدعى "نانسي"، وحصل على شقة ووظيفة، لكنه شخص واحد وحالة واحدة ممن ينتظرون أمام مكتب الهجرة.

مَن هم اللاجئون الذين لا يريدهم أحد؟

وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1951 وبروتوكول نيويورك 1967، اللاجئ هو مَن يتواجد خارج بلده الأصلي أو بلد إقامته المعتاد، وبسبب خوف مؤكد من التعرض للاضطهاد بسبب العِرق أو الدين أو الجنسية، أو الانتساب لفئة اجتماعية معينة أو الجنس أو الميول الجنسية أو الآراء السياسية، ولا يستطيع أو لا يرغب في الاستظلال بحماية بلده أو العودة إليه.

وأقرت الاتفاقية مبدأ عدم الإعادة القسري، الذي يقضي بعدم إعادة الشخص إلى أي بلد قد تتعرض فيه حياته أو حريته للتهديد، أو قد يكون فيه عرضة للتعذيب أو المعاملات اللاإنسانية أو المهينة، أو أية انتهاكات أخرى لحقوق الإنسان.

تقول هند مدب عن فيلمها "باريس- ستالينغراد": "هذا الفيلم عن عنف المدينة تجاه البشر العُزَّل، وعن اللإنسانية، وعن المقاومة الشعرية كردة فعل"

لكن ألا تقدر أوروبا على تكلفة اللاجئين؟

في حديثها للمنصَّة، تقول المخرجة: "أنا لا أؤمن بالحدود بين البلاد. من حق كل شخص أن يسافر بلا قيود، أنا أعتبر نفسي ابنة العالم، لا أنتمي إلى بلد بعينه، فأنا مرتبطة بأربعة بلاد (المغرب، والجزائر، وتونس وفرنسا)، وفي نظري لا أجد فارقاً بين اللاجئين وأي بشر آخرين، كما أن معظم اللاجئين في العالم ليسوا في أوروبا، إنما في أوغندا وكينيا وإثيوبيا وليبيا ولبنان والأردن" (80% من اللاجئين يعيشون في دول مجاورة لبلادهم التي هربوا منها).

تسأل هند وتجيب: "مَن جاء إلى إفريقيا أولاً؟ إنهم الأوروبيون. جاءوا إليها للاستعمار والاحتلال وسرقة الثروات والقتل واستعباد الأفارقة. نحن الأوروبيون مدينون لإفريقيا بهذه الثروات، لذا يجب أن نرحّب بكل إفريقي يأتي إلى أوروبا. لم نكن لننعم بهذه الحياة الجميلة في أوروبا لو لم نرتكب مجازر ونسرق نصف ثروات الكوكب. إسبانيا والبرتغال مسؤولتان عن المجازر التي ارتكبت في حق السكان الأصليين في جنوب أمريكا، والبريطانيون مسؤولون عن المجازر التي ارتكبت في شمال أمريكا، وفرنسا مسؤولة عن نهب بلاد مثل الجزائر ومالي وغينيا والغابون والسنغال ولبنان".

وتتابع: "هناك صفحات مفقودة في التاريخ الأوروبي، فالأوربيون يتحملون مسؤولية المجازر ضد اليهود، والمجازر ضد السكان الأصليين في أمريكا، والعبودية، والآن يغلقون الحدود. اليوم الحدود الأوروبية تقتل كل مهاجر يموت في المتوسط، ونحن نقبل أن يموت الناس أمام أعيننا. هذه هي أوروبا: ليست قارة حقوق الإنسان، فحقوق الإنسان يتمتع بها الرجل الأبيض وحده".

قصص الهجرة ومحاولات طرق أبواب النجاة لا تنتهي، ويُشبّه سيميك معاناة المهاجر ببطل قصة أمام القانون لكافكا، عندما طلب من حارس البوابة الدخول فرفض، ومع ذلك ظل الباب مفتوحاً، ليبقى الأمل يداعب الرجل في الدخول، لكن الحارس حذَّره من أن هذا الباب الموصد، خلفه أبواب أخرى مغلقة، وعليها حراس أشد منه، وأكثر وحشية.

*هذا الموضوع من إنتاج المنصة وينشره رصيف22 في إطار تعاون بين الموقعين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard