كيف يمكن لحياة جنسية صحية أن تساعد في تقليل أعراض الاكتئاب؟

الثلاثاء 18 فبراير 202007:02 م

لا شك أن الاكتئاب من شأنه أن يقلب حياتكم رأساً على عقب ويؤثر على حياتكم الجنسية، بحيث أن هذه الحالة النفسية قد تخفض رغبتكم الجنسية، وتجعلكم تشعرون بأعمق أنواع الوحدة، كما أن القلق النفسي يجعلكم تشعرون بالضياع وبالعجز عن اتخاذ أي خطوات إلى الأمام، وبالتالي فإن الجنس، في كلا الحالتين، يكون على الأرجح آخر اهتماماتكم.

ولكن في المقابل، اتضح أن الجماع لا يجعلكم تشعرون بالارتباط الجسدي مع الشخص الآخر فحسب، إنما يمكن أن يقلل فعلياً من بعض أعراض الاكتئاب والقلق المزمن.

التأثير الإيجابي للجنس

قد لا يكون الجنس علاجاً سحرياً، ولكن هناك الكثير من الأدلة العلمية التي تثبت أنه يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على حالتكم الذهنية، وكذلك على صحتكم الجسدية والعقلية.

بهدف شرح هذه النقطة بالتفصيل، دعونا نتحدث عمّا يحدث بيولوجياً لأجسادكم عندما تشعرون بالإثارة وتمارسون الجنس، بخاصة وأن العملية تبدأ قبل ممارسة الجنس وتستمر لفترة قصيرة بعد الوصول إلى النشوة الجنسية، وهي الطريقة التي يمكن أن تؤثر بها الحياة الجنسية على مزاجكم وسلوكياتكم وأفكاركم.

قد لا يكون الجنس علاجاً سحرياً، ولكن هناك الكثير من الأدلة العلمية التي تثبت أنه يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على حالتكم الذهنية، وكذلك على صحتكم الجسدية والعقلية

ماذا يحدث داخل أجسادنا أثناء ممارسة الجنس؟

الإثارة تحفّز النشاط في منطقة "العواطف" في الدماغ: أظهرت دراسات ترتكز على تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي، أن أول شيء يحدث عندما نشعر بالإثارة، هو زيادة نشاط الجزء من الدماغ الذي يتحكم بالعواطف، وهذا ما يسمى بالجهاز الحوفي.

واللافت أنه خلال هذه المرحلة، يشهد الجسم بعض التغييرات الجسدية، بما في ذلك: زيادة تدفق ضغط الدم وتسارع دقات القلب، كما أن المناطق الحساسة في الجسم، مثل الأعضاء التناسلية والثدي، تصبح ناعمة وحساسة أكثر من المعتاد.

بشكل عام، تلعب الإثارة دوراً في إعداد الجسم وتحضيره لعملية الجماع.

الاتصال الجنسي يزيد نشاط أكسيد النيتريك الذي يؤثر على مستويات القلق والاكتئاب: عندما يتعلق الأمر بالجماع، هناك العديد من الأشياء المعقدة التي تحدث في أجسادنا وعقولنا في آن، فبالإضافة لزيادة تدفق الدم الذي يترافق مع الإثارة الجنسية، تحدث زيادة في أكسيد النتريك أثناء ممارسة الجنس.

تعدّ جزيئات أكسيد النيتريك ضرورية من حيث صحة الأوعية الدموية، لأن هذه الجزيئات ترخي العضلات الداخلية للأوعية الدموية، ما يؤدي إلى اتساع تلك الأوعية.

تفسر هذه الزيادة في أكسيد النيتريك السبب في أن بعض المناطق في الجسم تكون طرية أثناء الإثارة والاتصال الجنسي، كما تفسر السبب الذي يكمن وراء تعرّض البشرة للاحمرار عند الشعور بالإثارة.

تجدر الإشارة إلى أن بعض الآثار الجانبية لنقص معدل أكسيد النتريك تشمل الاكتئاب، القلق، الأرق والكسل، بحيث أن الأشخاص الذين يعانون من نقص أكسيد النيتريك غالباً ما يعانون من أعراض القلق والاكتئاب والعكس صحيح، فالأفراد الذين لديهم معدلات عالية من أكسيد النيتريك، عن طريق ممارسة الجنس مثلاً يمكنهم تقليل أعراض الاكتئاب والقلق إلى حدّ كبير.

توازن المواد الكيميائية في الدماغ: التدفق في أكسيد النيتريك ليس هو الشيء الوحيد الذي يحدث في أجسامنا عند ممارسة الجنس، إذ إن الجماع يطلق بعض الرسائل الأخرى من دماغنا إلى الجسم، وتعرف هذه الرسائل بـ"الناقلات العصبية"، ومن بينها الدوبامين والسيروتونين.

يلعب الدوبامين، الذي يتم إطلاقه أثناء الجنس، دوراً كبيراً في تحسين المزاج والشعور بالسعادة والسرور، كما أنه يحفز الدماغ على إعادة التجربة الجنسية بهدف الشعور بالمتعة مرة أخرى.

هذا ويمكن ربط نقص الدوبامين بالاكتئاب، لأن نظام الدوبامين الخاص بنا حاسم لجهة تحويل تصور الإعجاب بالمكافأة إلى حافز للبحث عن تلك المكافآة، ويمكن لأي شخص يعاني من الاكتئاب أن يخبركم كم هو صعب العثور على الدافع والحافز، عند الإصابة بهذه الحالة النفسية.

وبالإضافة إلى الدوبامين، يزداد تدفق السيروتونين أيضاً أثناء عملية الجماع، واللافت أن هذين الناقلين العصبيين لديهما نفس القدر من الأهمية في تنظيم وظائف الجسم المختلفة، مثل النوم، العواطف والتمثيل الغذائي.

وقد ظل الباحثون يدرسون ويحللون العلاقة بين السيروتونين والاكتئاب لنحو نصف قرن حتى الآن، بينما كان هناك اعتقاد في البداية أن السيروتونين المنخفض يسبب الاكتئاب، فإن الواقع أكثر تعقيداً.

بمعنى آخر، ليس السيروتونين المنخفض سبباً مباشراً للاكتئاب السريري (حيث لا يوجد سبب واحد فقط، ومن الصعب للغاية تحديده نظراً لأنظمتنا المعقدة)، ومع ذلك، فقد ثبت أن رفع مستويات السيروتونين هو واحد من أكثر علاجات الاكتئاب فعالية، وذلك يعود لكون السيروتونين معروف بأنه يساعد على تنظيم الحالة المزاجية، السلوكيات الاجتماعية، العواطف، الشهية، النوم، الذاكرة والرغبة الجنسية، في حين أن بعض الأعراض الأكثر وضوحاً للقلق والاكتئاب تشمل النوم غير المنتظم، الذاكرة السيئة، العواطف التي يصعب إدارتها وتقلبات الحالة المزاجية التي تغير السلوك الاجتماعي.

وبالتالي، مع أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار، من المنطقي تماماً القول بأن تنظيم بعض وظائف الجسم، عن طريق ممارسة الجنس بانتظام وإطلاق المواد الكيميائية، من شأنه أن يساعد في تقليل أعراض الاضطرابات النفسية.

الجماع الجنسي والأدرينالين: بالإضافة إلى السيروتونين والدوبامين، من المهم التحدث عن مادة الإيبينيفرين التي تطلق أثناء الجماع. فالإيبينيفرين، المعروف بالأدرينالين، هو هرمون يحفز النظام العصبي، يبعث الشعور بالسعادة ويجعل نبضات القلب تتسارع، أما انخفاض مستويات الإيبينيفرين قد يؤدي في كثير من الأحيان إلى ظهور أعراض جسدية وعقلية مثل الشعور بالقلق أو الاكتئاب.

الأوكسيتوسين والنشوة الجنسية: يُعرف الأوكسيتوسين، وهو الهرمون الذي يطلق خلال النشوة الجنسية، باسم "هرمون الحب" لكونه يبعث الشعور بالحب والرغبة في الاتصال مع الطرف الآخر، فتدفق الأوكسيتوسين لا يجعلكم تشعرون بالرضا فحسب، بل يبعث الشعور بالتعلق والثقة نتيجة لهذه الزيادة الهرمونية.

وفقاً لمسح PET الذي تم التقاطه في لحظة النشوة الجنسية، فإن دوائر المكافأة في أدمغتنا تضيء مثل الألعاب النارية ومركز التفكير والسلوك يغلقان مؤقتاً، وهو أمر يمكن أن يكون مفيداً للتغلب على الشعور بالقلق والاكتئاب.

الجنس ووصمة العار

في حديثه مع موقع رصيف22، أكد الخبير في العلاقات الجنسية أنطوني حكيم، أن الصحة النفسية مرتبطة إلى حدّ كبير بالصحة الجنسية، مشيراً إلى أن الرغبة الجنسية تختلف من شخص إلى آخر، كما أن الأهمية التي يوليها البعض للجنس تخضع لطبيعة كل فرد.

وكشف حكيم أن الأشخاص الذين لديهم رغبة جنسية أكثر من غيرهم، هم الذين يكونون في العادة أكثر عرضة لتحمل أوزار العلاقة الجنسية السيئة وتأثيرها الكبير على صحتهم النفسية.

وتحدث أنطوني عن المشاكل التي يمكن أن يواجهها البعض في موضوع الجنس وتبعات ذلك على الحالة الذهنية: "في حال كان المرء مثلاً لديه ميول جنسية غير مقبولة في مجتمعاتنا، أو يرغب في الانخراط في علاقات جنسية متعددة بدلاً من العلاقات الأحادية، في حال وجود مشاكل جنسية، مثل الانتصاب أو صعوبة في الوصول إلى النشوة... كل ذلك يمكن أن يتسبب في ظهور العديد من المشاكل النفسية بما في ذلك الاكتئاب".

هذا وشدد أنطوني حكيم على الدور الكبير الذي قد يلعبه المجتمع لجهة خلق ما يُعرف بـ"وصمة العار" التي تلاحق الأشخاص الذين لديهم حياة جنسية مختلفة، أو أولئك الذين لديهم رغبة جنسية أعلى من غيرهم، بخاصة في أوساط النساء.

تعزيز الرغبة الجنسية

هل الأشخاص الذين لا يمارسون الجنس يصابون بالاكتئاب جرّاء غياب النشاط الجنسي، أم أنهم لا يمارسون الجنس بسبب الآثار الجانبية للاكتئاب؟

لا يزال هناك الكثير من الغموض الذي يلفّ العلاقة بين الاكتئاب والجنس، بالإضافة إلى وجود العديد من الأسئلة التي لم يتم العثور على أجوبة شافية عليها حتى الآن.

مع القليل من الإبداع والجهد، ستتمكنون من إعادة الاتصال مع الشريك/ة، والاستمتاع بفوائد الجنس، بخاصة لناحية تعزيز الحالة المزاجية والتغلب على الشعور بالاكتئاب والقلق الذي قد يصاحبكم، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يغرق بها عالمنا العربي

في حال كان الاكتئاب يمنعكم من ممارسة الجنس مع شريككم، إليكم هذه الخطوات التي من شأنها تعزيز رغبتكم الجنسية:

-التعامل مع الاكتئاب: على الرغم من أنه لا يوجد حل سريع، إلا أن علاج اكتئابكم أو اكتئاب شريككم، أو تغيير نمط الحياة أو الدواء، هو أفضل وسيلة للعودة إلى حياة جنسية نشطة.

-أسلوب الحياة: انخفاض الدافع الجنسي هو أحد الآثار الجانبية لبعض مضادات الاكتئاب، لذلك تحدثوا إلى طبيبكم حول الخيارات الأخرى، كما أن انخفاض الرغبة الجنسية يمكن أن يكون مرتبطاً ببعض السلوكيات الخاطئة، بما في ذلك الإفراط في احتساء الكحول.

-فن الإغواء: قد تكون جرعة صغير من الإغراء والإغواء هي أكثر ما تحتاجون إليه لإشعال العلاقة الجنسية، فالزهور والشموع والملابس المثيرة يمكن أن تحسن من حالتكم المزاجية.

-الخروج في موعد غرامي: قد يترككم الاكتئاب تفضلون البقاء في المنزل عوضاً عن الخروج وتمضية ليلة جميلة برفقة الحبيب/ة، إلا أنه من المهم أن تخططوا لموعد غرامي، فهذا سيجبركم على بذل المزيد من الجهد، هذا ومن المهم التخطيط لنشاط ممتع ومريح، فقد يكون الترقب بحد ذاته مثيراً للشهوة الجنسية.

وعليه، مع القليل من الإبداع والجهد، ستتمكنون من إعادة الاتصال مع الشريك/ة، والاستمتاع بفوائد الجنس، بخاصة لناحية تعزيز الحالة المزاجية والتغلب على الشعور بالاكتئاب والقلق الذي قد يصاحبكم، في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يغرق بها عالمنا العربي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard