"أبي اصطحبني للطبيب حتى يتأكد"... "شهادة العذرية" عادة لم تنقرض في الجزائر

الأحد 16 فبراير 202002:00 م

"كنت أنتظرها منذ وقت طويل، ويا ليتني لم أفعل، ما كنت أتخيَّله مجرد وهم، لا يمكنني وصف حجم العذاب الذي مررت به في تلك الليلة، رغم أنني لم أقترف أي ذنب"، تروي فطيمة، سيدة جزائرية في الثلاثينيات من العمر، من بلكور وسط العاصمة الجزائرية، تجربتها مع شهادة العذرية والتي بدأت في ليلة عرسها.

تروي فطيمة لرصيف22 أن زواجها كان تقليدياً، فخطيبها معروف بحسن الخلق في حيه، ومن رواد المساجد، تقول: "خلال فترة الخطوبة لم أكن أفكر إطلاقاً في الحصول على شهادة إثبات العذرية، خاصة بعد إلغاء المادة 7 مكرر من قانون الأسرة الجزائري عام 2016، والتي تنص على اشتراط المشرّع على الزوجين المقبلين على عقد القران، ضرورة تقديم شهادة طبية لكليهما تثبت أنهما خاليان من كل مرض يعيق الزواج، من بينها شهادة إثبات العذرية".

ذكرى مؤلمة

تقول فطيمة: "بعد فترة وجيزة من الخطوبة، أقيمت مراسيم عرس مشترك بين العائلتين، غير أن تلك الفرحة التي كانت تملأ قلبي في تلك الليلة تحولت إلى سواد بعد أن شكك زوجي في أخلاقياتي، بسبب فشله في إثبات عفتي وعذريتي لأسباب طبية".

تتابع فطيمة راوية تفاصيل تلك الليلة: "بحلول منتصف الليل قام زوجي بجمع أغراضي وأعادني إلى بيت أهلي، ورماني أمام والدي، ونعتني بعبارات قاسية، وأنني لست بفتاة عذراء".

"مازلت أتذكرها وأتذكر حجم الإهانة التي تعرّضت لها، خاصة بعد ذهابي للطبيبة من أجل إجراء فحص العذرية، لأنني أرى فيها انتقاصاً من قيمتي، وبعد فترة وجيزة من عودتي اكتشفت أن زوجي مصاب بعجز جنسي"

"في الصباح الباكر، أخذني والدي ووالدتي إلى طبيبة النساء والتوليد لإجراء فحص العذرية، وبعد الفحص حصلت على الوثيقة الطبية التي تؤكد أنني بكر، وبمجرد عودتنا إلى البيت، تواصل والدي مع زوجي ليُعطيه الوثيقة التي استرجع من خلالها أنفاسه، بعد أن حبسها ليلة الزفاف، لأن ما حصل يعتبر تهديداً لشرفه".

وتشير فطيمة إلى أن زوجها رفض في البداية إرجاعها لأنه شكك في صحة الوثيقة، غير أنه تراجع عن موقفه في نهاية المطاف، واضطرت للرجوع "حتى تحافظ على سمعتها".

في النهاية، تقول فطيمة: "بالرغم من مرور سنوات على تلك الليلة المشؤومة، إلا أنني مازلت أتذكرها وأتذكر حجم الإهانة التي تعرّضت لها، خاصة بعد ذهابي للطبيبة من أجل إجراء الفحص، لأنني أرى فيها انتقاصاً من قيمتي، وتشويهاً لسمعتي، وبعد فترة وجيزة من عودتي اكتشفت أنه مصاب بعجز جنسي".

"اتهمني بتزويرها"

إذا كانت فطيمة استمرت في زواجها، فالبعض في الجزائر، خاصة الأجيال الأصغر سناً يرفضن الاستمرار مع شركاء يتمسكون بتلك الشهادات، أحلام (24 عاماً)، شابة جزائرية من الحراش، الضاحية الغربية للجزائر العاصمة، تتذكر هي الأخرى شعورها بالإهانة من طرف خطيبها، بسبب إصراره على إجراء فحص إثبات العذرية قبل العرس.

تقول أحلام لرصيف22: "مازلت أتذكر كيف توسّلت إليه كيلا أجري الفحص، لأني أحسست بالإهانة وتأذيت كثيراً لأنه تشكك في".

وتقول: "أجريت الفحص، وحصلت على شهادة العذرية وسلمتها له، غير أنه لم يقتنع بها واتهمني بتزويرها، وأجبرت على الذهاب برفقته إلى طبيبة أخرى حتى تعاينني، لكي أثبت براءتي أمامه وأمام أهلي، وهو ما وقع فعلاً".

وفي النهاية، رفضت الزواج به وقررت فسخ الخطوبة، بسبب الأذى النفسي الذي لحق بها بسبب إثبات عذريتها. 

تعلق رئيسة مكتب العاصمة لجمعية "حورية" للمرأة الجزائرية، دليلة حسين، لـرصيف22: "إن طلب الحصول على شهادة العذرية لا يقتصر فقط على الأزواج بل حتى على الآباء، هناك رجال يجبرون بناتهم على إجراء فحص العذرية حتى لا يهانوا ولا تهان ابنته، رغم أن هذا الأمر يشكل أذى نفسياً كبيراً للفتاة، خاصة إذا كان والدها يقدرها ويحترمها".

"هناك آباءيجبرون بناتهم على إجراء فحص العذرية حتى لا يهانوا ولا تهان ابنته، رغم أن هذا الأمر يشكل أذى نفسياً كبيراً للفتاة"

وتؤكد دليلة حسين أن "شهادة العذرية لا تعتبر معياراً لما يعتبرونه إثبات شرف الفتاة، لأن هناك فتيات كثيرات خضعن لعمليات جراحية".

وتضيف دليلة حسين، أن الكثير من الفتيات الآن في الجزائر يرفضن الزواج إذا طُلب منهن إحضار هذه الوثيقة، لأنهن يعتبرنها "طعناً في شرفهن".

وتعتقد دليلة حسين أن إيقاف منح شهادات العذرية لم يغير شيئاً بالنسبة للمرأة، لأن المجتمع الجزائري المحافظ لازال متمسكاً بها، وقد تلجأ النساء إلى العديد من الطرق التقليدية للتأكد من عذرية الفتاة.

"أفضل تشريع جزائري"

وتصنّف المحامية الجزائرية والباحثة في شؤون الأسرة، فيروز سلال، هذا النوع من القضايا في خانة النقاشات الاجتماعية الساخنة، لأنها تمس بما يسمونه "شرف" المجتمعات المحافظة، والأسر المتمسكة بالمبادئ العصبية القائمة على تضييق الحياة على المرأة باعتبارها "عورة" لا إنساناً بعقل، ومصدراً لتشويه شرف وسمعة الأسر.

وتقول سلال إن مثل هذه القضايا لا تسجل إلا في الدول العربية التي قيدت "العذرية" بالسمعة، وتشير إلى أن الجزائر تخلت عن هذه الشهادة عقب التعديلات التي مسّت قانون الأسرة الجزائري 2016، حيث أصبح لا يعتدّ بهذه الوثيقة في مكاتب الحالة المدنية في عقود الزواج، ولم تعد مذكورة ضمن شروط عقد القران، لعدة أسباب، أبرزها أن هذه الشهادة تمس بخصوصية المرأة، وإدراجها كان خطأ، غير أن قطاعاً عريضاً من الأزواج والأسر لا تزال تطالب بها لإثبات "نقاوة وعفّة" الفتاة المقبلة على الزواج.

"رغم عدم قانونية شهادات العذرية، إلا أن قطاعاً عريضاً من الأزواج والأسر تطالب بها لإثبات "عفّة" الفتاة".

وتشير فيروز سلال أنها تشكل عامل اطمئنان للزوجة ولأهلها في الكثير من المحافظات.

وتتابع فيروز سلال قائلة: "العذرية ليست معياراً يُستند إليه للزواج، ولا يمكن حتى اعتبارها دليل شرف المرأة وأخلاقها، فهناك عدة أخطاء لم تعد تستوعبها بعض الأسر والذكور، لأن هناك حالات عديدة يمكن أن تفقد فيها الفتاة عذريتها، كالسقوط، الضرب التأديبي المبرح للبنت من طرف بعض الآباء وتعرضها لحادث مرور، فالتشكيك في شرف الفتاة في هذه الحالات يندرج في إطار قذف المحصنات، وهو ما لا يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية".

وترى الباحثة في شؤون الأسرة الجزائرية أن إلغاء هذه الشهادة أفضل شيء قام به المشرّع الجزائري، لعدة أسباب، أبرزها أنها تحرم فتيات من الزواج بسبب ذنب لم يرتكبنه، نظراً للتحفظ غير العقلاني للأسر العصبية والفكر الذكوري الحالي، وقد تساهم هذه العوامل في ارتفاع نسبة العنوسة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard