"قلبي ومفتاحه"... كيف أصبحت هذه "العضلة" رمزاً عالمياً للحب؟

الجمعة 14 فبراير 202007:06 م

من الرائع أن نشعر بالحب، وفي حين تمتلكنا الرغبة الجامحة في الخروج إلى الطرقات، أو الوقوف على أسطح المنازل لإظهار حبنا في العلن أمام الجميع، فإننا غالباً ما نشعر بالإحراج من البوح عن مكنونات قلبنا للطرف الآخر، إلا أن المسألة برمتها قد تحتاج إلى رمز واحد يغني عن جميع كلمات الغزل ودواوين الشعر والقصائد: القلب.

فالقلب بلونه الأحمر وبشكله المميز يترجم مفاهيم الحب والرومانسية والشغف، وغيرها من الأحاسيس التي قد يختبرها المرء في داخله، والتي يعجز لسانه أحياناً عن وصفها بالكلمات.

وإذا نظرنا ملياً من حولنا، لوجدنا أن شكل القلب موجود في كل مكان: على بطاقات المعايدة، في تصميم علب الشوكولا والمجوهرات (خواتم، قلائد، قطع الألماس...) كما وأنه يحظى بحضور واضح وقوي في معظم الشبكات الاجتماعية (انستغرام، فايسبوك وتويتر) حيث يرسل الناس يومياً الملايين من "القلوب الرقمية" عبر الويب، للتعبير عن اعجابهم بشخص ما أو بشيء ما.

ولكن في حال جرّدناه من الرومانسية ونظرنا إليه من منظور طبي، واعتبرناه مجرّد مضخة للدم في الجسم ولا علاقة له بالشعور والأحاسيس، فلماذا يخفق القلب عندما نحب؟ وكيف أصبحت هذه العضلة رمزاً شائعاً للحب؟ ولماذا يبدو شكل القلب المتعارف عليه عالمياً مختلفاً جداً عن الشكل البيولوجي الذي ينحصر دوره بضخ الدم في الجسم؟

القلب... عبر الأزمان

في كتابه "الأغاني للأرجباني" قدم الكاتب أحمد رجب، نقداً ساخراً لمفردات ومعاني الأغاني العاطفية التي تطبع "زمن الفن الجميل"، وتحدث عن كلمات الأغاني التي لاقت نجاحاً جماهيرياً كبيراً، وسخر من فكرة تقديم القلب على لسان أهل الفن كآلة للمشاعر، إذ قال: "كلنا نعرف طبعاً شكل قلب الإنسان العادي، كله شكل واحد، كله موديل واحد، فلا يوجد قلب موديل 55 وقلب موديل 74، ولا يوجد قلب طراز 1100 وقلب طراز 2300، ولا يوجد قلب ليموزين وقلب ستيشن وقلب لوري، كذلك لا يوجد قلب له شكل الكوساية وآخر له شكل الكرنبة. كله شكل واحد، إلا العاشق الغنائي، الذي ينفرد بموديلات عديدة من القلوب، لا مثيل لها على الإطلاق في كتب الطب البشري، ولا البيطري".

من هنا انتقد رجب كلمات اغنية محمد رشدي: "قلبي يا قلبي يا بو الحيارى، والله لاعملك شارع وحارة"، إذ قال بتهكم: "هذا العاشق الغنائي يتميز بعقلية استثمارية تجارية تنظر إلى كل شيء بوصفه مشروعاً استثمارياً، حتى قلبه... ويبدو أن الشكل التشريحي لقلبه قد ساعده على وجود المشروع الاستثماري المناسب"، وأضاف: "واضح أنه قرر أن يحول قلبه إلى شارع وحارة، الأمر الذي يؤكد أن هذا القلب يختلف عن قلب إنسان الكرة الأرضية".

ورداً على أغنية محمد عبد الوهاب "ما يهونشي"، التي تقول: "وانت يا ساكن في قلبي، تعمل إيه لو قلبي داب"، قال رجب: "أشد ما يلفت النظر، أن العاشق الغنائي قد فرض تكوينه التشريحي والفيزيولوجي على إنسان الكرة الأرضية، وجعل إنسان الكرة الأرضية يعتقد خطأ، أن مركز الإحساسات والعواطف هو القلب، لمجرد أن القلب هو مركز الإحساسات والعواطف عند العاشق الغنائي، الذي قدم من كوكب مجهول". فلقد أثبت علم الفيزيولوجي-من زمان- أن القلب عند إنسان الكرة الأرضية، ما هو إلا مضخة "طلمبة" أو "طرمبة"، تضخ الدم في أنحاء الجسم، فلا علاقة له بالعواطف، وليست له أية وظيفة غرامية، لأن العواطف والمشاعر عند إنسان الكرة الأرضية مركزها في الغدة فوق الكلى، المسماة "سوبرا رينال"، أو بالعربي غدة الكظر. وذلك يقتضي منك التخلص من الخطأ الشائع الذي نشره الإنسان الغنائي فتغني "أنا قلبي إليك ميّال" هكذا: "أنا كظري إليك ميال"، و"يا قلبي يا مجروح": "يا كظري يا مجروح".

في حين تمتلكنا الرغبة الجامحة في الخروج إلى الطرقات، أو الوقوف على أسطح المنازل لإظهار حبنا في العلن أمام الجميع، فإننا غالباً ما نشعر بالإحراج من البوح عن مكنونات قلبنا للطرف الآخر، إلا أن المسألة برمتها قد تحتاج إلى رمز واحد يغني عن جميع كلمات الغزل ودواوين الشعر والقصائد: القلب

ومن "زمن الفن الجميل" ننتقل إلى الحب في "زمن التكنولوجيا"، حيث شقّ القلب طريقه إلى حياتنا اليومية وبات جزءاً لا يتجزأ من عالمنا الرقمي.

فمن الملاحظ أن القلب هو من أكثر الإيموجي استخداماً في المحادثات التي تجري على تطبيق الواتساب وعلى مواقع المواعدة ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى أنه أحدث ضجة كبيرة عندما قام تويتر في العام 2015، بتغيير زر النجمة المفضلة إلى رمز القلب الأحمر الياقوتي، وذلك لمساعدة المستخدمين على التعبير عن مشاعرهم بشكل أسهل وأفضل.

وتعليقاً على هذه النقطة، أوضح مدير الإنتاج في تويتر، أكارشان كومار، أن "القلب هو رمز عالمي يتردد صداه عبر اللغات والثقافات والمناطق الزمنية"، مشيراً إلى أن زر القلب أكثر تعبيراً، إذ يتيح للمستخدمين نقل مجموعة أكبر من العواطف وتسهيل عملية التواصل.

ولا نبالغ إذا قلنا إن شكل القلب يجتاح حياتنا اليومية، بالأخص في هذا الوقت من السنة، أي في شهر فبراير، حيث يصادف عيد الفالنتاين، إذ يكاد يكون من المستحيل الخروج من المنزل دون رؤية أشكال القلوب المزروعة في كل مكان، بدءاً من الرسومات المفعمة بالاعتراف بالحب على جدران المدينة، وصولاً إلى القلوب الحمراء التي تزيّن واجهات المحلات التجارية، هذا وتحوّل القلب أحياناً إلى "طبق" لذيذ وشهي في بعض المطاعم، التي قررت بدورها مواكبة الموضة و"التفنن" في إعداد المعجنات وغيرها من الأصناف على شكل قلوب.

وبالتالي سواء كنا من محبي "خزعبلات" عيد العشاق أم لا، فإنه لا بدّ من الاعتراف بأن القلب هو من أكثر الرموز شيوعاً للتعبير عن الحب في تاريخ البشرية.

القلب في الحضارات

منذ آلاف السنين، آمنت البشرية بـ"قوة" القلب في كل ركن من أركان العالم.

فقد عثر العلماء على رسومات تعود للإنسان القديم، وتصور أشكالاً شبيهة بالقلوب على الجدران الصخرية، وفي حين أن "طيف" الرومانسية كان على بعد آلاف السنين من هذه الحقبة، إلا أن الارتباط بين مفهوم الحب والقلب قد بدأ منذ زمن بعيد.

وبالرغم من أن تحديد معاني القلوب المنقوشة في الكهوف يبقى لغزاً من الصعب فك شيفراته حتى يومنا هذا، إلا أن هذه العضلة بحدّ ذاتها قد شغلت بال العلماء والمفكرين.

القلب هو من أكثر الرموز شيوعاً للتعبير عن الحب في تاريخ البشرية

في الواقع وصفت العديد من الحضارات القديمة، القلب كمركز عاطفي وروحي للجسم، فقد اعتقد الإغريق والرومان أن هذا العضو من الجسم هو "بذرة" الحياة، إذ يضم الفضائل الأخلاقية، الحياة والروح.

وفي الحضارة الفرعونية اعتُبر القلب، والذي كان يُعرف بIB، أكثر من مجرد عضو في الجسم، بل "موطن المشاعر"، واعتبر المصريون القدماء أن القلب مؤلف من قطرة دم مأخوذة من قلب الأم أثناء الحمل، بالإضافة إلى كونه "مفتاح" حياة ما بعد الموت، فيوم الحساب، يوضع قلب الميت على الميزان في كفة وريشة الآلهة "ماعت" التي تمثل العدل، في الكفة الأخرى، بهدف معرفة ما فعله الميت في دنياه من أعمال صالحة، ففي حال رجحت كفة الريشة فإنه يدخل الفردوس، أما في حال رجحت كفة القلب فإنه يذهب إلى الفناء.

وبدوره، وصف الفيلسوف أرسطو القلب بأنه مصدر الذكاء العقلاني والفكر والإحساس، أما الأطباء اليونانيون فكانوا على دراية كافية بالقلب وبوظائفه العلمية، نتيجة إقدامهم على إجراء العمليات الجراحية.

نظريات متعددة

لا شك أن القلب الذي نرسمه يختلف كثيراً عن شكل القلب الحقيقي الموجود في جسم الإنسان، فما هي أبرز النظريات التي ترجح شكل القلب الحالي؟

خطأ فني: تعتبر إحدى النظريات أن شكل القلب المتعارف عليه يستند إلى بعض الأجزاء من الجسم: العانة، الفرج، الأثداء، الأرداف وحتى الخصيتين، وتعتبر هذه النظرية، أنه وفي حين كان من المفترض أن يكون هناك تطابق في الشكل بين القلب "البيولوجي" وبين القلب الذي يرسمه البشر، غير أن الفنان قد أخطأ في رسم القلب وشوّه شكله الأصلي.

السيلفيوم: تشير إحدى النظريات أن رمز القلب يعود إلى بذور نبات قديم يدعى السيلفيوم، والذي كان ينمو في شمال الساحل الأفريقي، بالقرب من مستعمرة قورينا الإغريقية.

وكان اليونانيون والرومان يستخدمون نبات السيلفيوم لإعطاء نكهة مميزة لمأكولاتهم ولمعالجة بعض الأمراض، هذا بالإضافة إلى استخدامه كشكل من أشكال تحديد النسل وكوسيلة لمنع الحمل، وكون بذور السيلفيوم تشبه إلى حدّ كبير شكل القلب، فتم ربط شكل القلب الحديث بالجنس ومن ثم بالحب.

أوراق النبات: وبالإضافة إلى السيلفيوم، ساهمت بعض النباتات الأخرى في إضفاء معنى عاطفي لشكل القلب، إذ ارتبطت نباتات اللبلاب والتين مثلاً بمفهوم الإخلاص والالتزام (نتيجة أوراق اللبلاب التي تبقى خضراء وتعيش لعدة قرون)، وعليه، اعتبر البعض أن أوراق هذه النباتات ساعدت في تعزيز العلاقة بين شكل القلب والمثل العليا للحب.

وفي هذا الصدد، تم تقديم حجة مقنعة مفادها أن شكل القلب يأتي من أوراق النباتات، فمن الملاحظ أن الفن المينوي القديم يزخر برسومات أوراق النبات والأزهار، والتي تأتي بمعظمها على شكل قلب.

وقد تبنت الثقافات المتعاقبة وجهة النظر هذه، فاليونانيون مثلاً ربطوا اللبلاب بالإله ديونيسوس، وقد يكون هذا بداية علاقة القلب بالحب والرومانسية، كون ديونيسوس هو إله النبيذ والشغف والخصوبة، والمفارقة أنه في القرن الرابع الميلادي، ظهر اللبلاب على يافطة إحدى بيوت الدعارة في أفسس، إلا أنه في وقت لاحق اكتسب هذا النبات صفات "طاهرة" وبات يرمز إلى الحب الأبدي.

القلب "الروحاني"

يؤكد إريك جاغر، صاحب كتاب The Book of the Heart، أنه لم يكن لشكل القلب أي علاقة بمفهوم الحب قبل قرني 1300 و1400، حين بدأت أفكار التفاني والحميمية تشق طريقها، شارحاً ذلك بالقول: "قبل ذلك، كان الناس ينظرون إلى قلوبهم ككتب للذاكرة، كمكان فيه أوامر الله، وكانوا يعتقدون أن المشاعر التي يكنّونها للمحبوب مكتوبة بطريقة ما في قلوبهم".

أما موقع scribol، فقد اعتبر أن التحول الكبير لرمز القلب قد حدث خلال العصور الوسطى، إذ بدأت أوراق النباتات التي هي على شكل قلب، تظهر في اللوحات الفنية، وتأخذ تدريجياً اللون الأحمر الذي يدلّ بدوره على الحب والشغف، ومع الوقت، أصبح القلب يجسد الحب الرومانسي بين الناس والحب "الروحاني" بين الإنسان والله.

جميعنا يعلم أنه من الناحية العلمية يحدث الحب في أدمغتنا وليس في قلوبنا، فلماذا نقول إذن، إن العضلة النابضة في صدورنا هي التي تساهم في تدفق المشاعر الجميلة؟ الجواب قد يعود جزئياً إلى دقات القلب التي تتسارع وتصل إلى "مليون دقة" في الدقيقة، بمجرد أن نلمح طيف الشخص الذي نحبه

واللافت أن للكنيسة الكاثوليكية دوراً أيضاً في "ترويج" شكل القلب، وإعطائه بعداً "مقدساً" يتجاوز المفهوم الضيق للرومانسية، إذ تعتبر هذه النظرية أن القلب قد تراءى للقديسة مارغريت ماري الاكوي، في القرن السابع عشر، وكان محاطاً بالأشواك، وهو الرمز الذي أصبح يُعرف في وقت لاحق بـ"قلب يسوع الأقدس"، وبالرغم من أن شكل القلب قد تم توثيقه جيداً قبل هذه الفترة الزمنية، إلا أن ربطه بالكنيسة الكاثوليكية عزز من شعبيته كرمز للحب السامي.

وفي "سفر صموئيل الأول 16: 7"، قال الرب لصموئيل: "لاَ تَنْظُرْ إِلَى مَنْظَرِهِ وَطُولِ قَامَتِهِ لأَنِّي قَدْ رَفَضْتُهُ. لأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الإِنْسَانُ. لأَنَّ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ".

وفي القرآن يتخذ القلب معاني وألفاظاً مختلفة، من بينها اعتباره مركزاً للحكمة: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا، فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ".

في الختام وبمعزل عن جميع هذه النظريات والمعاني المجازية التي ذكرناها سابقاً، فجميعنا يعلم أنه من الناحية العلمية يحدث الحب في أدمغتنا وليس في قلوبنا، فلماذا نقول إذن، إن العضلة النابضة في صدورنا هي التي تساهم في تدفق المشاعر الجميلة؟ الجواب قد يعود جزئياً إلى دقات القلب التي تتسارع وتصل إلى "مليون دقة" في الدقيقة، بمجرد أن نلمح طيف الشخص الذي نحبه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard