ألم النساء "القويات"... عندما نختار أن نحارب وحدنا في ساحة الحب

الجمعة 14 فبراير 202004:13 م

في يوم عيد الحب الذي لم يعنِ لي شيئاً يوماً (العيد نفسه لا الحب)، أذكر رجلاً أحببته حتى الثمالة، حتى ذهب بعقلي. كان يملأ حياتي. حرفياً، كنت أقضي معظم وقتي معه وأقضي وقتي الباقي أفكر فيه. هل أحبني؟

كنا معاً وقضينا كل هذا الوقت معاً وانتهى وما زلت لا أعرف. لم يقل يوماً إنه يريدني. لم يقل يوماً إنه يريد أن نكون سوياً. لا أعرف إنْ كان يعرف. كان يخبرني كل شيء، كل ما يفكر فيه ويشعر به، كل ما يحصل معه، كل التفاصيل، ما عدا هذه.

كنت أعرف مما يخبرني به أنه قالها لنساء كثيرات قبلي وسيقولها لكثيرات بعدي إلا أنا، أنا الوحيدة التي تقف على الحافة. كنت أشعر بأنني معلقة في هواء ما، هواء بيننا لا أرض له، وبقلق دائم يرافق شعوري بالسعادة معه.

أأنا المشكلة؟ ألا أستحق وضوحاً؟ لطالما كانت عندي مشكلة ثقة بنفسي ولكن، أعرف أنني ذكية، ولطيفة في معظم الأحيان، أعرف أن جسدي جميل وأحب شعري وأعرف أنني أهتم بمَن أحبهم. ماذا إذاً؟ ماذا ينقصني؟ ما هو هذا الذي تمتلكه أخريات ويتركني أنا معلّقة في شك أبدي؟ لم أرد وعداً أبدياً، لم أرد حباً لا ينتهي، أردت فقط أن أعيش اللحظة، كل لحظة، وأنا أشعر أن لي مكاناً ما.

لم أتصالح لليوم مع جروحي، في كل مرة يقول لي فيها من جديد "لقد تعرّفت إلى امرأة وأريد أن أكون معها"، أفكر مجدداً لماذا يسهل عليه قول ذلك ببساطة عنها ولم يستطع قوله لي في سنوات. لماذا كنت سراً دون أن أعرف؟

طوال شهور كثيرة وطويلة، كنت أقول لمعالجتي النفسية إن لدي شعوراً دائماً بأنني "لست كافية"، ينقصني شيء ما لأكون تلك المرأة. سكنني شعور دائمٌ بالنقص في ذاتي. لم أكن قادرة على إيجاد تفسير آخر لعدم وجود كلمات تعترف بوجودي. ثم قلت لها منذ فترة إن شعوراً ما تغيّر وإنه تحول من أحساس بالنقص إلى لوم لذاتي لأنني ارتضيت هذا الوضع المؤلم ولم أنتفض ضده.

لم أتصالح لليوم مع جروحي، في كل مرة يقول لي فيها من جديد "لقد تعرّفت إلى امرأة وأريد أن أكون معها"، أفكر مجدداً لماذا يسهل عليه قول ذلك ببساطة عنها ولم يستطع قوله لي في سنوات. لماذا كنت سراً دون أن أعرف؟

ألم النساء "القويات"

نعيش نحن النساء اللواتي يفترض الآخرون أننا قويات الألم بشكل مختلف. ليس مسموحاً أن نعبّر عنه، ليس مسموحاً أن نعترف أننا ارتضينا أن نكون في علاقة مؤلمة وبقينا. نتحمل مسؤولية ألمنا والألم الذي سببه لنا مَن نحبهم وألم القول لنا: لماذا بقيتن؟

نحن أيضاً شخصيات تكوّنت من تراكمات سنوات من العيش في هذا المجتمع، نحن أيضاً نعاني من عقد نفسية تركتها تربية ذكورية لن نتخلص منها بمجرد قرار. منّا مَن تربّت على أن تعتقد أنها "تستحق أقل" وعاشت تجارب كثيرة قبل أن تدرك قيمة نفسها، ومنّا مَن تربّت على "عدم التعبير عن مشاعرها"، ومنّا مَن قيل لها أن تصمت واحتاجت سنوات لتتعلم الكلام من جديد، ومنّا مَن قيل لها أن تخفض صوتها واحتاجت ثورة على كل ما حولها لتهتف به بقوة، ومنّا مَن قيل لها أنه تنقصها "الأنوثة" وبقيت لعمر بعدها تصارع لتتقبل ذاتها وتحبها باختلافها.

قوتنا في أننا نقاوم ونحاول كل يوم، قوتنا في أننا نخطئ ونجرّب من جديد لكننا لسنا قادرات على الصراع مع كل مَن وما حولنا. نستسلم أمام الكثير من المعارك المتعبة ونتنازل في كثير من الأوقات لأننا بحاجة إلى الآخرين. ونتعلم من معارك أخرى كيف تصرفنا بذكورية مع أنفسنا وكيف تصرف معنا الآخر بذكورية وبرر ذلك لنفسه. لا نلاحظها أثناء حدوثها، ندركها مع مضي الوقت، عندما يخف صوت المشاعر وكل ما تولده فينا من مخاوف وآليات دفاعية.

نعيش نحن النساء اللواتي يفترض الآخرون أننا قويات الألم بشكل مختلف. ليس مسموحاً أن نعبّر عنه، ليس مسموحاً أن نعترف أننا ارتضينا أن نكون في علاقة مؤلمة وبقينا. نتحمل مسؤولية ألمنا والألم الذي سببه لنا مَن نحبهم وألم القول لنا: لماذا بقيتن؟

نختار أن نحارب وحدنا

إحدى الصديقات قالت لي مرة إنها دائماً تكون جاهزة للهجوم على المعتدي بأي طريقة عند سماع قصة امرأة أخرى تعرضت للعنف أو التحرش أو في حال سماع قصة صديقة تعرضت لأي شكل من الإساءة إليها، في علاقتها بشريكها.

غالباً ما نكون نحن النساء النسويات جاهزات لدعم الأخريات، للوقوف بجانبهن وتقديم كل ما يحتجنه، نكون هناك في كل المراحل وندرك أنه طريق طويل قبل أن تصل الأخرى إلى الشفاء. ولكن عندما يأتي دورنا، ولكل منا أدوار متلاحقة، نختار في الأغلب أن نحارب وحدنا، نحارب الألم وحدنا ونخوض معاركنا وحدنا، نساوم ونقبل ونتنازل ونرفض ونترك كل تلك الجروح دون علاج، نتناسى أننا أيضاً بحاجة إلى وقت للشفاء، نعتبر معاركنا من أجل الأخريات أهم ونتناسى أننا معاً وأنها حرب واحدة وأن انضمامنا إليها هو جزء من هذا النضال.

لست قوية، ولم تسقط كل مخاوفي بعد، قد أعيش عمري كله أحارب وأرفض وأبقى غير قادرة على مواجهتها كلها.

ليس مهماً إنْ فشلت وليس مهماً كل هذا القلق الأبدي وليس مهماً شكّي الذي أعيش معه. كل ذلك قد يبقى ولن يعيّرني به أحد. المهم أنني قادرة على المقاومة وقادرة على رفض النظام الذي ما زال يطل برأسه متسللاً إلى ذاتي من وقت لآخر.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard