جميع المواضيع على الطاولة عدا الحب

الجمعة 14 فبراير 202011:53 ص

جميع المواضيع على الطاولة عدا الحب، أو ربما على نحو أنصف وأدق، قلما يناقش الحب خارج مطلق اليقينيّات. وجود خالق للكون موِضع شك، الحرية باب مشرّع للتأويل، المساواة مسألة نسبية، والعدالة لطالما بقيت انتقائية. إلا الحب، لن تجرؤ سوى قلة على دحضه أو نقده، أو حتى تأمله والتفكر فيه، اللهم إلا من باب مزيد من تعظيمه والتغني به، أو تنزيهه والتأكيد عليه، والإعلاء من شأنه ومن منزلته، ليبقى في الغالب محل إجماعٍ ويقين قائمين، وإيمان راسخ، بينما يظل في الواقع أبداً، من أشد الظواهر البشرية غموضاً، أعمها تناقضاً، وأكثرها هيولية وسيولة.

عن الحب في زمن الكورونا 

في تأويل ثقافي لمخرجات علم النفس الإدراكي، يبدو الحب كما لو تنازعته نظرتان، واحدة تستلهم "الإنشائية"؛ حيث تراه، شأنه شأن عموم تمظهرات العاطفة، محض إنشاء اجتماعي، لا وجوداً أولياً في النفس له، ولا منبتاً داخلها يخرج منه، هو إيهام سائد بقوة المؤسسة السلطوية، غرضها منه الدفع باتجاه أَصْرِ العلاقة بين فردين، فيصيران زوجين، تصون الروابط بين العوائل، وتحدِّد الهويّات وأفرع الصلات ضمن شجرة الأسرة الواحدة، بهدف تأسيس البنى الاجتماعية وتسيير الانتاج. الحب بذلك، أقرب إلى عقيدة سامية، من كونه إحساساً دفيناً وحدساً ذاتياً خاصاً.

نظرة مقابلة، لعلها متأثرة "بالمَنشأيّة"، قد تلمس أصولاً فطرية، أولية ولا أدرية للانبعاثات الشعورية والعواطف المُوقَدة بها، وبالنتيجة، التعابير العاكسة لها، والأفعال الناجمة عنها، ثم القرارات المترتبة عليها. القفزة السريعة والمؤخرة في مجال البيولوجيا وعلوم الدماغ والأعصاب، ظلّت تكشف الوقائع المثيرة عن الكيفية التي تؤثر بها الدارات الدماغية والموصلات العصبية، إضافة إلى الإفرازات الهرمونية، في توجيه سلوك الإنسان وتحديد ميوله، فيبدو بذلك أقرب إلى عضوية أوتوماتكية مسيّرة بفاعل الكيمياء وعامل الأحياء.

كلا النظرتين وجدتا طريقاً فيما يبدو إلى السياسة والمال، والحب على المتن، خلطاً لهما أحياناً، وأحياناً أخرى، زجّاً بهما في معترك السجال. فمن من باب "الإنشائية" يدلف خطاب "تحقيق الذات" الرائج منذ الأزمة المالية، نهاية العشرية الماضية، والمهيَّئ لحال اللا إستقرار وزوال شباك أمان زمان "دول الرفاه الاجتماعي"، القائل بوجوب الإمساك بزمام الحياة إباء للرضوخِ إلى سطوة المفاهيم المنشأة، بوصفها استيهاماً ذهنياً، إستيعاباً لفكرة أن الإنسان هو سيد نفسه وصانع مصيره وقدره.

الحب لكي يزدهر يحتاج إلى السيادة النفسية والاستقلالية، فهو يقوى بالتكافؤ والندية، ويضعف بالتغالب والتبعية. الحب لكي يطول، توجّب عليه أن يتجدد وإن تطلب ذلك تحوّله، انتقاله، موته وانبعاثه

أما "المنشأيّة"، فتدفع جهة بيولوجية العاطفة أصلاً وماهية، وبالتالي، تصريفها عوامل كيميائية، روافع لاشعورية، ومنعكسات عصبية وإدراكية، لا يمكن بالمبدأ والنظرية التحكم بها إرادياً، وإن أمكن في المستقبل ربما، التلاعب بها صناعياً، عن طريق العقاقير والأدوية. نظرة وإن استندت إلى التجربة العلمية والبحوث التكنولوجية، بيد أن لها جذوراً فكرية ميتافيزيقية، لاهوتية وفوق طبيعية، تصل إلى الفلسفة الأفلاطونية، وتفرّعاتها في عصر التنوير، التي تعتقد بوجود بذرة فطرية أودعها الخالق في الإنسان، يستعيدها الأخير عبر سيرورة الحياة.

تجاوزاً لثنائية المَنشأ والمُنشأ، وبالحياد إزاء قطبيّة إما الخيار والاختيار أو ما تشاؤه الأقدار، يبقى الحب حالاً تصيب كل الناس وتُلمّ بجميع البشر، تعبر فروق اللون والجنس، والبيئة والثقافة، تجمع بين الأنثى والذكر، وقد تجمع بين الأنثى والأنثى وبين الذكر والذكر، تصل الإنسان بالحيوان، والإنسان بالإنسانية، قد تتولد عنها طاقة خلاقة إبداعية، وقد تنجم عنها شرور هدامة دموية. باسم الحب تنجز لوحة وتكتب قصيدة. لأجل الحب تهجر عائلة ويهدم بيت، وفي سبيل حب وطن أو إمرأة، تقع جريمة وترتكب مجزرة.

هي حال الحب إذاً، كحال الوجود في جوهره، لايمكن استيعابه إلا بعد التصالح مع فكرة التناقض أساساً لفهم أطواره، ومنطلقاً لخوض غماره، ومنظاراً لسبر أغواره. الحب، كما الحياة نفسها؛ لا ديمومة له، لايقين يُريح، لا ثبات يُقرّ ويَسند، ولا قاعدة تنهى وتبيح. ذلك مصدر سحره ومكمن قوته وحيويته. استمراريته تقتضي ظروفاً محيطة بقدر ما تستوجب جهوداً حثيثة. صيانته تستدعي التنبه والتبصّر، بقدر ما تفترض الانكشاف والتهور، وبقدر ما تستلزم تلازم المسار بين سداد القرار وقضاء القدر.

الحب عند العرب، فهو ذكر، لا أنثى له ولا جسد فيه. يقبع خارج المؤسسة ولا يفضي إليها، في الباطن الثقافي على الأقل، مازال الحب العربي يتبع النموذج الجاهلي أو القروسطي، لجهة أنه خالي الوصال، قائم على المحال، إذ هو لسان حال الرجال

أمّا الحب عند العرب

أما الحب عند العرب، فهو ذكر، لا أنثى له ولا جسد فيه. يقبع خارج المؤسسة ولا يفضي إليها، في الباطن الثقافي على الأقل، مازال الحب العربي يتبع النموذج الجاهلي أو القروسطي، لجهة أنه خالي الوصال، قائم على المحال، إذ هو لسان حال الرجال، أما النسوة، فلا يتعدين إطار الموضوع ومخيال المشتهى، بينما يبقى الزواج نطاقاً حصرياً للجماع والذرية، تبرمه المصالح المادية والعلاقات العشائرية والارتباطات الأسرية.

الكبت، والجنس المقرون بالخطيئة، جعلا من الحب العربي عصيًّاً على التجسّد. استعصاء تغذيه العلاقة الملتبسة على الصعيد النفسي بين الأم والابن. ففي ظل بطركية الأب، حين تصير أماً، تشعر المرأة بابنها استطالة ذكورية تمكّنها اجتماعياً. في المقابل، حين يغدو بالغاً، يرى الابن في المرأة إما معصية دون صورة الأم، أو يسمو بها مسقطاً صورة الأم عليها، لتروح ضحية ثنائية الفاسقة والقديسة، فإما أن تشيطن وتسفّه، أو تمَلكن وتُنزّه.

الحب المعاصر لكي يزهر، يحتاج إلى الحرية، ولكي يثمر، ينبغي تشكل المنطقة "البينَ - شخصية"؛ حاصلاً لتقاطع خطوط الحيوات وتشارك الأنا مع الأنا، مانعاً إسقاطَ الأنا على الأنا، أو التماهي بها، للحيلولة دون الذوبان بها والحلول فيها. الحب لكي يزدهر يحتاج إلى السيادة النفسية والاستقلالية، فهو يقوى بالتكافؤ والندية، ويضعف بالتغالب والتبعية. الحب لكي يطول، توجّب عليه أن يتجدد وإن تطلب ذلك تحوّله، انتقاله، موته وانبعاثه. الحب لكي يدوم، لزم عليه في كل يوم أن يلد حبّاً جديداً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard