الأمم المتحدة تنشر أسماء شركات مرتبطة بالمستوطنات... وللغضب الإسرائيلي منها أسباب مختلفة

الخميس 13 فبراير 202007:20 م

في 24 آذار/ مارس من عام 2016، تبنّى مجلس حقوق الإنسان القرار رقم 31/36، وبموجبه أُوكلت لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان مهمة "إصدار قاعدة بيانات للشركات التجارية التي لها نشاط أو أنشطة محددة متعلقة بالمستوطنات الإسرائيلية".

وأتى طلب إنشاء قاعدة البيانات تلك باعتبارها استكمالاً لتقرير أصدرته عام 2013 البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق حول الآثار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المترتبة من المستوطنات على الشعب الفلسطيني.

في ذلك الوقت، أيّدت 32 دولة قرار إصدار البيانات في مقابل امتناع 15 أخرى عن التصويت، لكنها تأخرت ثلاث سنوات عن الصدور، وفي كل مرة كان إرجاؤها مقروناً بتبرير المجلس بـ"وجود حاجة إلى المزيد من العمل بسبب حداثة التفويض وتعقيداته لجهة القانون والمنهجية والحقائق".

لكن في كل مرة، كان كذلك الضغط الإسرائيلي ومعه الأمريكي - لمنع صدورها - يلوح في الخلفية، كما جرى حين التقى الرئيس التنفيذي للمؤتمر اليهودي العالمي روبرت سينجر بالمفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه العام الماضي لحثها على إلغاء قاعدة البيانات، بحجة ما "ستلحقه من ضرر بآلاف الموظفين الإسرائيليين والفلسطينيين العاملين في الشركات"، ثم رحّب لاحقاً بتجاوبها.

خلفيات اللائحة

بعد إرجائها مراراً، صدرت قاعدة البيانات يوم أمس، في 12 شباط/ فبراير، متضمنة أسماء 112 شركة تمارس أنشطة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية وفق القانون الدولي، وبينها شركات دولية "إير بي. أن. بي" (AirBnb) و"إكسبيديا" (Expedia) و"تريب آدفايزور" (Trip Advisor) التي سبق وظهر اسمها في تقارير لمنظمات دولية، فيما معظمها (حوالي 85% منها) هي شركات بناء واستثمار واتصالات مقرها الرئيسي في إسرائيل.

"أنا على دراية بأن هذا الموضوع كان وسيستمر في كونه مثيراً للجدل. ولكن بعد عملية مراجعة دقيقة ‏أنا راضية بأن التقرير يعكس الاعتبارات الجدية المتعلقة بهذه الولاية المعقدة وغير المسبوقة"، كان هذا تعليق باشليه.

وبموجب "الأسباب المنطقية" نفسها التي اتكأت إليها المفوضة السامية لإرجاء اللائحة منذ توليها منصبها قبل عامين، تضمنت قاعدة البيانات من أصل 300 شركة راجع المكتب وضعها فقط 112 اسماً لـ"توفر الأسباب المنطقية للقول إنها ضالعة في نشاط أو نشاطات" متعلقة بالمستوطنات.

وللمناسبة عند تعيين باشليه، وهي رئيسة تشيلي السابقة، سرت آراء داخلية أو تحليلات بأنها ستكون أكثر جرأة من سلفها زيد رعد الذي قيل إن اللائحة دخلت قيد الإعداد خلال فترة ولايته لكنه خضع لضغوط حالت دون نشرها وقتذاك.

عموماً، قبل الخوض في قراءة أثر البيانات الفعلي وجدواها، فـ"النشاطات" التي اختيرت الشركات على أساسها هي بشكل أساسي أربعة: تأمين معدات وأدوات تسهل بناء المستوطنات وتوسّعها، وتزويد المستوطنات بمعدات لهدم المنازل والممتلكات واقتلاع الأشجار، وتقديم خدمات وأدوات الداعمة لبقاء المستوطنات وصيانتها، وتسهيل خدمات مالية ومصرفية لتطوير المستوطنات وتوسيع نشاطاتها، ومن ضمنها تقديم القروض للمنازل والأعمال.

المس بالسمعة

كما بات معروفاً، تأتي القائمة بعد أسبوعين تقريباً على إعلان خطة ترامب المزمعة للسلام المعروفة بـ"صفقة القرن"، والتي عززت إسرائيلياً النقاش حول ضم جميع المستوطنات والأغوار إلى العمق الاستراتيجي الإسرائيلي.

هذا التوقيت أعطاها زخماً إضافياً لدى الجانب الفلسطيني الذي اعتبرها "انتصاراً للقانون الدولي"، على قول وزير الخارجية رياض المالكي، بموازاة ترحيب حركة حماس بها بشكل أكثر حماسة لكونها "خطوة بالاتجاه الصحيح لمحاصرة الكيان العنصري".

بعد إرجائها لسنوات، صدرت لائحة البيانات الأممية، في 12 شباط/ فبراير، متضمنة أسماء 112 شركة تمارس أنشطة في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية وفق القانون الدولي... والغضب الإسرائيلي منها وصل حد اتهام الأمم المتحدة بـ"معاداة السامية"

بموازاة ذلك، أعلن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات أن الاثنين المقبل سيشهد تسليم رسائل رسمية للدول التي تنتمي إليها الشركات العاملة في المستوطنات، وهي 18 شركة من 6 دول مختلفة غير تلك الإسرائيلية، تطالبها بإغلاق مقارها وفروعها، وفي حال رفضها "ستتم ملاحقتها قضائياً في المحاكم الدولية".

وكما بات واضحاً، فمن وجهة النظر الفلسطينية تعطي هذه البيانات إحساساً بأن المجتمع الدولي موجود، وتتمثل فعاليتها في دعم حركة المقاطعة لمواصلة عملها من خلال استهداف أسماء الشركات المذكورة، بختم أممي، والمس بسمعتها دولياً، وهو ما يُعتبر أكثر منطقية كجدوى مباشرة للائحة.

رد دراماتيكي

لكن ماذا عن المقلب الآخر، المقلب الإسرائيلي الذي أتت ردة فعل بعض سياسييه شديدة الدراماتيكية لدرجة وصْف صدور اللائحة بـ"اليوم الأسود في تاريخ حقوق الإنسان"؟

بداية، لوضع الأمور في نصابها الصحيح لجهة حجم تأثير هذه اللائحة من الناحية القانونية، فقد رافق صدور الأخيرة كلام دبلوماسي داخلي برّر "طبيعية" توقيتها قبل بدء الدورة الرابعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان في 24 شباط/ فبراير الحالي حتى 20 آذار/ مارس، والتي يجتمع خلالها الفريق العامل المعني بالبلاغات.

وإمعاناً في الحد من أهمية لائحة البيانات بشكلها الحالي قانونياً، فقد دعت باشليه إلى عدم "تحويرها" لأجل قضايا سياسية أو أيديولوجية، والأهم أنها أكدت على أن هذه اللائحة "لا تشكل وليس في نيتها أن تشكل عملية قضائية أو شبه قضائية".

تعكس العبارة الأخيرة المخاوف الإسرائيلية من استخدام اللائحة لأجل المقاطعة، لكن رد الفعل الإسرائيلي عليها يُظهر بعداً أكبر للمسألة، مرتبطاً بطريقة تعامل إسرائيل ككيان وكفكرة مع مسألة الأرض، من جهة، ومسألة القانون الدولي من جهة أخرى.

في ما يُنقل بشكل خجول أحياناً عن عاملين في مجال القانون الدولي، يظهر حرص إسرائيل على الضغط بشأن أي تفصيل يُجرّمها قد تذكره تقارير دولية وأممية، ومن بين ما تستخدمه من حجج الإقناع في هذا الإطار هو أن عدم توثيق انتهاك ما في تقرير يُسهّل العمل من قبلها على معالجته أكثر من عندما يتم توثيقه. قد تختصر هذه المقاربة طريقة تعامل إسرائيل مع أي انتقاد لها قد يمس علناً بمسألتي المظلومية والأحقية الدينية والتاريخية اللتين قامت عليهما.

قد يمكن تفسير رد الفعل الإسرائيلي الحاد تجاه اللائحة كذلك انطلاقاً من موعد صدورها قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في الثاني من آذار/ مارس المقبل، حيث تزداد جرعة الشحن العاطفي تجاه فكرة الأرض التي تُعتبر المستوطنات تجسيداً لها.

معاداة السامية

في رد الفعل الإسرائيلي المتفق على مهاجمة اللائحة، أياً كان تموضعه السياسي الداخلي، يبدو الأمر شديد الوضوح في دعم المستوطنات، من دون الحاجة إلى استفتاء إسرائيلي داخلي أو إلى قرار رسمي أو حتى إلى دعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

لا تبدو إسرائيل مهتمة بالتمييز بين "حقها في الوجود كدولة" وبين مسألة النزاع على مستوطنات الضفة الغربية. بدلاً من ذلك، يظهر سعيها إلى طمس الحدود بين "الدولة" و"المستوطنة"، سواء كانت الحدود جغرافية بحيث لا يميّز المار جنب مستوطنة ما اختلافها عما حولها، وسواء كانت الحدود في الموقف السياسي. على أرض الواقع، باتت المستوطنات جزءاً من "الدولة" منذ زمن بعيد.

ومن وراء الكواليس، نقلت الصحافية في "هآرتس" نوا لانداو تقديم الوكالات الرسمية التابعة لوزارة الخارجية لإحاطات إعلامية تهاجم نشر لائحة الشركات، وفي تلك الإحاطات ورد ذكر "BDS" (حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات) بشكل شديد التكرار.

"حصل الضم الفعلي للمستوطنات، وإسرائيل بكامل أطيافها تتعامل على أرض الواقع وفق هذا المعطى، أما الشق القانوني العالق فحله لن يكون سوى مجرد زينة لقالب الحلوى"... أسباب الغضب الإسرائيلي من اللائحة الأممية بأسماء شركات على علاقة بالمستوطنات

تنطلق لانداو من ذلك لتنقل تحليلات مفادها أن من الخاطئ الاعتقاد أن حرب إسرائيل على ما يمت للمقاطعة بصلة هدفه حماية إسرائيل بشكل عام، بل هو نية الأخيرة في حماية المستوطنات بشكل لا لبس فيه، فـ"هيئات الدولة الرسمية تستخدم مصطلحي ′حملة المقاطعة′ و′معاداة السامية′ بشكل مواز ضمن حملتها لحماية المشروع الاستيطاني".

برأي لانداو، لقد حصل الضم الفعلي للمستوطنات، وإسرائيل بكامل أطيافها تتعامل على أرض الواقع وفق هذا المعطى، أما الشق القانوني العالق فحله لن يكون سوى مجرد "زينة لقالب الحلوى الجاهز أساساً".

وعلى ذكر معاداة السامية، تجد إسرائيل نفسها هنا في مساحة مريحة تتقن اللعب الجيد فيها. بموجب المتفق عليه دولياً في تعريف "معاداة السامية"، فـ"من غير الممكن مقارنة الأفعال الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين بأفعال النازيين ضدهم"، وإلا اتُهم الشخص بأنه معاد للسامية.

للمفارقة، يجد الإسرائيليون أن من حقهم اعتماد تلك المقارنة حين تكون لصالحهم، كما فعل الرئيس رؤوفين ريفلين في معرض الرد على مجلس حقوق الإنسان، إذ اعتبر "اللائحة مبادرة مخزية تُذكّر بالفترات المخزية في تاريخنا"، في حين خرج وزيران من "الليكود" لمقارنة اللائحة بالهولوكوست واتهام الأمم المتحدة بمعاداة السامية، ووصل الأمر بيائير لابيد من "هناك مستقبل" لاتهام المفوضية السامية بـ"دعم الإرهاب".

لم يلجأ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتهمة معاداة السامية، لكنه استخدم الوسيلة الأخرى التي تتقن إسرائيل اللعب عليها، وهي تهمة "الانحياز". فقد اتهم نتنياهو المجلس بـ"الانحياز" معبراً أنه "وُجد ليكون ضد إسرائيل"، ولاقاه في ذلك وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بـ"غضبه الشديد جداً من الانحياز المنتشر في الأمم المتحدة ضد إسرائيل".

"من يقاطعنا سوف نقاطعه"، هدّد نتنياهو بذلك، معلناً كذلك تجميد العلاقات مع مجلس حقوق الإنسان، على خطى أمريكا التي كانت قد انسحبت منه في عهد ترامب، علماً أن إسرائيل تقاطع كذلك محكمة العدل الدولية ومنظمات دولية أخرى.

"من يقاطعنا سوف نقاطعه"، هدّد نتنياهو بذلك، معلناً تجميد العلاقات مع مجلس حقوق الإنسان، على خطى أمريكا التي كانت قد انسحبت منه في عهد ترامب.

ويُذكر أن "حساسية" إسرائيل من مجلس حقوق الإنسان تنطلق من أن جميع جلساته تعالج سياساتها، بموجب البند السابع على جدول الأعمال الدائم المتعلق بحالة حقوق الإنسان في فلسطين والأراضي العربية المحتلة.

"كفالة سياسية"

بموازاة ذلك، تمضي إسرائيل قدماً في ترسيخ المستوطنات -"من الجدار إلى الجدار" كما درج القول إسرائيلياً - كجزء لا يتجزأ من "الدولة"، من خلال العمل على فئات مختلفة من المستوطنين، منها "المستوطن المؤدلج" من خلال ترسيخ البعد الديني لديه و"المستوطن الاقتصادي" من خلال تقديم التسهيلات المختلفة له.

في مقابل ذلك، تعمل على جذب المستثمرين ضمن خطة قديمة، كانت أظهرتها وثائق إسرائيلية بقيت سرية في أرشيف الدولة لسنوات طويلة وكشفها "معهد عكيفوت" قبل حوالي السنتين، وفيها ملامح "شبكة الأمان الاقتصادي" التي وفرتها الحكومة الإسرائيلية لصالح جهات تجارية واستيطانية بدأت بالعمل في المناطق المحتلة عام 1967.

وسُميت شبكة الأمان هذه بـ"كفالة سياسية" غايتها تأمين المستثمرين في الأراضي المحتلة من احتمال خسارة هذه الاستثمارات في حال انسحاب إسرائيل أو تغير الحكم العسكري أو المقاطعة الاقتصادية. وفي مطلع السبعينيات، جرى تأسيس شركة حكومية لهذه الغاية سُميت بـ"يناي" تعمل على بيع بوليصات تأمين ضد "مخاطر سياسية".

هكذا عملت إسرائيل ولا تزال على اقتصاد المستوطنات بشكل منهجي، ومن هنا تظهر أيضاً أسباب حساسيتها المفرطة تجاه ما يمس باقتصادها.

من جهة أخرى، يتضح أن مواجهة التوسع والترسيخ المنهجيين للمستوطنات تقتضي أكثر من الاكتفاء بنشر لائحة بأسماء الشركات، في مقابل البحث عن أدوات مواجهة أخرى تأخذ بالاعتبار الأدوات والحيل الدينية والنفسية والاقتصادية التي حرصت إسرائيل على بنائها على مدى عقود طويلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard