من قرار التقسيم إلى صفقة القرن... مسار قضم خطط التسوية التدريجي للأراضي الفلسطينية

الأحد 16 فبراير 202012:22 م

خلقت الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين واقعاً من الصراع بين المستوطنين الطارئين وأبناء الأرض الأصليين، ومع تزايد الهجرات اليهودية وتنظيم المستوطنين أنفسهم من أجل تأسيس "وطن قومي لهم" دارت معارك عدة بينهم وبين الفلسطينيين تُوّجت في 14 أيار/ مايو 1948 بـ"إعلان قيام دولة إسرائيل" إثر السيطرة على مساحة واسعة من أرض فلسطين التاريخية وتهجير عدد كبير من أبنائها على وقع عشرات المجازر التي ارتُكبت بحقهم.

منذ ما قبل إعلان قيام إسرائيل وحتى يومنا هذا، تتالت المعاهدات والمواثيق الدولية وخطط السلام التي تقترح تقسيم الأرض بين الطرفين، واللافت فيها أن ما تعرضه على أبناء الأرض الأصليين يتقلّص مع الزمن.

قرار التقسيم وما بعد النكبة

في أربعينيات القرن الماضي، تنامت سيطرة المستوطنين اليهود المنظَّمين في عصابات مسلّحة على الأراضي الفلسطينية وتفاقَم الصراع بينهم وبين الفلسطينيين، في ظل سكوت سلطة الانتداب البريطاني الحاكمة آنذاك، فتدخلت الأطراف الدولية التدخل في محاولة لحل الصراع وأتى قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947.

قسّم هذا القرار الذي حمل رقم 181 الأرض بين الفلسطينيين واليهود المهاجرين عبر اقتراحه تخصيص 42.3% من مساحة فلسطين التاريخية لأصحاب الأرض، في مناطق الجليل الغربي وعكا والضفة الغربية ومناطق أخرى، فيما منح اليهود نسبة 57.7% المتبقية في السهل الساحلي من حيفا حتى جنوب تل أبيب.

لاقى القرار الذي صاغته لجنة دولية الرفض من قبل الطرفين المتنازعين، فالفلسطينيون والعرب اعتبروه بمثابة سلب وتهويد للأراضي دون أدنى حق، أما اليهود فاعتبروه تعدياً على "حقهم" في "أرض الميعاد"، وبالتالي استمرت الاشتباكات بين الطرفين وأودت إلى هزيمة عام 1948 التي تسمّى "النكبة".

بعد مرور أشهر على "النكبة"، وتحديداً في سنة 1949، كان اليهود قد سيطروا على حوالي 78% من مساحة فلسطين، فيما توزعت باقي المناطق بين الأردن الذي توّلى إدارة الضفة الغربية، ومصر التي اهتمت بتدبير شؤون قطاع غزّة.

خطة دالاس وجهود ألون

في ظل رفض المحيط العربي لوجود إسرائيل وسطه، شرع وزير الخارجية الأمريكي جون فوستر دالاس في جولة خارجية هدفت بالأساس إلى جس نبض الدول العربية حيال الصراع العربي الإسرائيلي، واقترح في 26 آب/ أغسطس 1955 مشروعاً في بيان تلاه أمام لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس وعرض فيه تصوراً يعالج بعض جوانب الصراع العربي الإسرائيلي، من دون أن يتعرض لجوهره وأساسه، كما أنه تجاهل قرار التقسيم الصادر عام 1947.

قسّم مشروع دالاس الصراع إلى ثلاث مشاكل: الأولى هي اللاجئين، والثانية هي التوتر والتخوف من تجدد الحرب، والثالثة هي الحدود، ففي ظل عدم تحديد إسرائيل حدوداً ثابتة لها كانت هناك مخاوف عربية من قيامها بتوسيع دولتها على حساب أراضيهم.

وجاء في المشروع أنّ حل تلك المشاكل سيبدأ من خلال مفاوضات تفضي إلى معاهدات برعاية الولايات المتحدة، ولم يحدد شكل الأرض الفلسطينية المستقلة، وووجه برفض العرب والفلسطينيين.

في تلك الفترة كانت أرض فلسطين مقسّمة واقعياً وفق حدود 1949، وهو وضع لم يستمر بعد حرب الأيام الستة في عام 1967، والتي أسفرت عن احتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية وأراضٍ عربية في مصر وسوريا.

بعد نهاية حرب 1967، تقدّم وزير العمل في الحكومة الإسرائيلية يغيئال ألون، في تموز/ يوليو، بخطة هدفها حل الصراع، وحملت عنوان "مستقبل المناطق (الفلسطينية) وطرق معالجة مسألة اللاجئين"، وكانت تهدف بشكل أساسي إلى إقامة حدود آمنة بين إسرائيل والأردن، وإنهاء سيطرة إسرائيل على شريحة سكانية عربية بغية الحفاظ على صبغة يهودية للدولة.

خلت الخطة من فكرة منح أراضٍ للفلسطينيين ما أدى إلى موتها قبل ولادتها، ورُفضت حتى من الجانب الإسرائيلي الرسمي.

وأوضح ألون خطته من خلال خريطة صدرت معها، تكشف أن الهدف منها هو رسم تقسيمات بين الأردن وإسرائيل، إذ وضعت منطقة الغور، من النهر وحتى المنحدرات الشرقية لجبال نابلس وجنين، تحت السيادة الإسرائيلية، وكذلك القدس وضواحيها ومنطقة الخليل، أما بقية أراضي الضفة التي تمّ احتلالها فاقترح إعادتها إلى السلطة الأردنية، وإقامة معبر بين هذه الأراضي وبين الأردن عبر لسان في ضواحي مدينة أريحا، فيما يبقى قطاع غزة بأكمله تحت سيطرة إسرائيل.

خطة روجرز

لم يرضَ المجتمع الدولي عن توسع إسرائيل بعد حرب الـ67، وأصدر مجلس الأمن في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر القرار رقم 242 والذي ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها خلال تلك الحرب إضافة إلى تذكيره بضرورة "تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين".

لم تطبّق إسرائيل القرار الأممي. وفي خطوة أمريكية جديدة بدأت عام 1969 ونضجت في العام التالي، جرى الإعلان عن مشروع حمل اسم وزير الخارجية الأمريكي وليام روجرز، ونصّ على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وعلى إيجاد حلّ لقضية اللاجئين الفلسطينيين، بالاتفاق بين مصر والأردن وإسرائيل، على أساس تخييرهم بين العودة إلى إسرائيل أو الإقامة في البلدان العربية مع تلقي تعويضات يتولى وضع قوائمها غونار يارنغ، الدبلوماسي السويدي والممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة والمكلف بمتابعة تنفيذ القرار 242.

تميّز مشروع روجرز بحديثه بشكل مفصل عن الأراضي التي ستخصص للفلسطينيين.

بعكس خطة ألون، تميّز مشروع روجرز باعترافه الصريح بقضية اللاجئين واعتماده في حلها على المرجعية الدولية الخاصّة بها وهي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 والصادر عام 1948 والذي ينص على عودة اللاجئين إلى أراضيهم وتعويضهم عن سنوات الشتات، وتميّز كذلك بحديثه بشكل مفصل عن الأراضي التي ستخصص للفلسطينيين وعن طبيعة السيطرة عليها سواء من قِبل الأطراف العربية أو من خلال السيادة الدولية.

وافقت مصر والأردن وإسرائيل مبدئياً على الدخول في مفاوضات على أساس المشروع، لكن منظمة التحرير الفلسطينية رفضته واعتبرته اعترافاً بإسرائيل وتراجعاً عن الالتزام العربي في قمة الخرطوم بعدم التفاوض معها، وهو موقف لاقتها إليه كل من سوريا والعراق. وكانت نتيجة المشروع الفشل خاصةً أن إسرائيل لم تكن راضية عنه منذ الأساس.

منذ ما قبل إعلان قيام إسرائيل وحتى يومنا هذا، تتالت المعاهدات والمواثيق الدولية وخطط السلام التي تقترح تقسيم الأرض بين الطرفين، واللافت فيها أن ما تعرضه على أبناء الأرض الأصليين يتقلّص مع الزمن

الانتقال إلى معاهدة كامب ديفيد

عام 1977، بدأت خطوات أمريكية جديدة في المنطقة العربية، واستهدفت بشكل أساسي مصر التي كانت قد خاضت حرباً ضد إسرائيل في أكتوبر 1973 حققت خلالها نجاحات.

وكالعادة، كانت القضية الفلسطينية محوراً رئيسياً في المفاوضات التي أفضت إلى توقيع "معاهدة كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل، وانسحاب الثانية من الأراضي المصرية، في ظل رفض عربي واسع لها.

في ما خص الفلسطينيين، لم تنص الاتفاقية سوى على إجراء مفاوضات لإنشاء منطقة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة والتطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 الصادر بعد حرب الـ67 والذي ينص على انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها خلال تلك الحرب، ولم تتضمن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ما يعني أنها شكلت تراجعاً كبيراً عمّا دعا إليه مشروع روجرز.

مشروع ريغان

في الأول من أيلول/ سبتمبر 1982، قدم الرئيس الأمريكي رونالد ريغان خطة للسلام، تقوم على أساس البدء من إقامة حكم ذاتي كامل للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بالارتباط مع الأردن، يستمر لسنوات ويشهد "إجراء انتخابات حرة لاختيار سلطة فلسطينية للحكم الذاتي" تهدف إلى "إثبات أن الفلسطينيين قادرون على حكم أنفسهم، وأن مثل هذا الحكم الذاتي لا يشكل تهديداً لأمن إسرائيل"، أما الوضع النهائي لهذه المناطق فيترك لمفاوضات لاحقة.

وتناولت الخطة كذلك قضية المستعمرات الإسرائيلية المقامة في الضفة الغربية وقطاع غزة واقترحت تجميدها طوال السنوات الخمس التالية على إعلان الخطة، لأن هذا التجميد "يمكنه أكثر من أي إجراء آخر أن يوجد الثقة" بين العرب والإسرائيليين، كما نصت على أن النزاع العربي الإسرائيلي يجب أن يحل على أساس مفاوضات تنطوي على مبادلة الأرض بالسلام، وفق قرار مجلس الأمن 242.

أتى مشروع ريغان بعد الغزو الإسرائيلي للبنان والذي وصل إلى مدينة بيروت عام 1982 وكان من مفاعيله إخراج منظمة التحرير من لبنان، وهو ما اعتبره الرئيس الأمريكي ظروفاً مواتية لإطلاق عملية سلام، ولكنه لم يحظَ بالقبول الإسرائيلي ولا الفلسطيني، رغم أن البعض رأى أنه أفضل مما نصت عليه معاهدة كامب ديفيد.

بين ريغان وشولتز

ساهمت الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلعت عام 1987 في تسريع عملية البحث عن حل سياسي للقضية الفلسطينية، فظهرت عام 1988 مبادرة وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز، التي وضعت بعض الآليات لتحقيق عدّة أهداف لها علاقة بحل الصراع، بهدف احتواء الانتفاضة، ومنع انتشارها في المنطقة.

مبادرة شولتز أشارت إلى أن ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية هو أحد أولويات السياسة الأمريكية.

أشارت المبادرة إلى أن ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية هو أحد أولويات السياسة الأمريكية، ولكنها لم تتطرق كثيراً إلى ما يتعلق بموضوع الأرض والسيطرة الفلسطينية عليها، فقد ذكرت القرارين 242 و338 (صدر بعد حرب أكتوبر 1973 ودعا إلى تطبيق القرار 242) كمرجعيتين، ولكنها لم تحدد حدوداً لإسرائيل، وتركت هذا الأمر للوقت، إذ رأت أن حل جميع الخلافات يكون بالمفاوضات المربوطة بسقفٍ زمني محدد بين وفد إسرائيلي وآخر أردني-فلسطيني، ولذلك لم تحظَ بالقبول العربي والفلسطيني، وشكلت تراجعاً عن الموقف الأمريكي الوارد في خطة ريغان التي حددت للمفاوضات أفقاً هو منح الفلسطينيين حكماً ذاتياً.

الانتقال إلى مؤتمر مدريد

عام 1991، مع اشتداد سخونة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية واستمرار الانتفاضة الأولى، وبعد إخراج العراق من الكويت، سعت الولايات المتحدة ومعها الاتحاد السوفياتي من جديد إلى إحياء عملية السلام، الأمر الذي نتج عنه مؤتمر مدريد للسلام في 30 تشرين الأول/ أكتوبر 1991.

استمر المؤتمر لمدة ثلاثة أيام، وكان هدفه الأساسي وضع خطة تسوية لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي بالكامل، ومن ضمنه القضية الفلسطينية.

شاركت في المؤتمر وفود من سوريا ومصر ولبنان، بينما شكّلت الأردن وفلسطين وفداً مشتركاً من خارج منظمة التحرير الفلسطينية، وطرحت خلاله رؤية أمريكية للتسوية تقوم بشكل أساسي على قراري مجلس الأمن 242 و338، ما يعني أن الإدارة الأمريكية كانت تنوي إقامة دولة فلسطينية على مساحة 22% من أرض فلسطين التاريخية.

اتفاق أوسلو والدولة الفلسطينية

خلال عام 1993، نضج بصورةٍ شبه واضحة، بعد جولات مفاوضات عدّة تبعت مؤتمر مدريد للسلام، وفي مسار موازٍ، الاتفاق الشهير المعروف باسم "اتفاق أوسلو"، وجرى توقيعه بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

اتفاق أوسلو كان أول اتفاق في تاريخ الصراع يتم توقيعه بشكل رسمي بين طرفي النزاع الأهم.

تضمّن الاتفاق المبادئ الأساسية التي توضح آلية إتمام ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي الذي يؤسس لقيام دولة فلسطينية بحسب حدود عام 1967، أي على أرض تبلغ مساحتها حوالي 22% من الأرض الفلسطينية، وكان أول اتفاق في تاريخ الصراع يتم توقيعه بشكل رسمي بين طرفي النزاع الأهم.

أسّس الاتفاق لإقامة حكم ذاتي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات، وتؤدي إلى تسوية دائمة على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، ونص على أن تكون القدس الشرقية عاصمة للفلسطينيين.

وفي إطار مسار أوسلو، تم التوصل إلى اتفاقيات أخرى لترتيب الحكم الذاتي الانتقالي، جرى تصنيفها كملاحق لـ"أوسلو"، من بينها اتفاقية باريس الاقتصادية عام 1994 والتي حددت العلاقات الاقتصادية والمالية بين الطرفين، واتفاقية غزة-أريحا عام 1994 التي أسست لنقل السلطة المدنية من إسرائيل إلى الفلسطينيين.

لكن إسرائيل لم تلتزم بمعظم تلك الاتفاقات خاصة في ما يتعلق بتسليم الأرض للفلسطينيين وبقضية اللاجئين، ما أدى إلى انهيار الاتفاق واندلاع انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000، والتي استمرت لعدّة سنوات ونتجت عنها عودة إسرائيل لاحتلال كثير من أراضي الضفة الغربية.

قرار التقسيم الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 والذي رفضه العرب اقترح تخصيص 42.3% من مساحة فلسطين التاريخية لأصحاب الأرض... أما ما تقترحه صفقة القرن فيقل عن 20%

ما بعد أوسلو وقمة كامب ديفيد

مع دخول العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية في مرحلة توتر شديد، عقب الانتفاضة الثانية، تدخلت الولايات المتحدة من جديد لإحياء مسار السلام، وعقدت في تموز/ يوليو 2000 قمة في منتجع كامب ديفيد الأمريكي، استمرت لمدة أسبوعين، إثر توجيه الرئيس الأميركي بيل كلينتون دعوة لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات للتفاوض على ملفات الحل النهائي: الحدود، القدس، واللاجئين.

أصرّ عرفات على وقف الاستيطان وإقامة دولة على حدود 1967 والاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لفلسطين، والإقرار بحق العودة، وإخلاء كافة الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن إسرائيل رفضت تلك الشروط واصطفت الولايات المتحدة إلى جانبها واتُّهم عرفات بأنّه أفشل المبادرة.

مبادرة السلام العربية

عام 2002، وفي القمة العربية التي عُقدت في بيروت، جاءت مبادرة السلام العربية التي نصت على السلام بين الدول العربية وإسرائيل مقابل عودة الأخيرة إلى خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967.

وطالبت المبادرة بالتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقاً للقرار 194، ولكنها لم تنل الموافقة الإسرائيلية ولم تجد تبنياً لها من الأطراف الدولية الأمر الذي أكسبها سمة الضعف منذ بداية إعلانها.

خارطة الطريق ومبادرة السلام

في ظل استمرار الانتفاضة الفلسطينية الثانية ونقل وسائل الإعلام العالمية بشاعة الاعتداءات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، أتت "خارطة الطريق" التي أطلقتها اللجنة الرباعية التي تضم روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة في نهاية عام 2002.

تضمنت الخارطة تصوراً لحل القضية الفلسطينية تم تعديله أكثر من مرة استجابة لضغوط إسرائيلية. ولم تختلف "خارطة الطريق" عما سبقها من مبادرات سلمية، وعلى رأسها اتفاقية أوسلو، سوى في أنها حوت المزيد من الجداول الزمنية لتسيير مسار التسوية.

لم ترفق مع الخارطة خرائط توضح طبيعة الأراضي التي ستقام عليها الأراضي الفلسطينية، ولم تحدد المساحة المفترضة لدولة إسرائيل، مع أنّ الأخيرة كانت قد احتلت عدداً من مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة خلال الانتفاضة. وكسابقاتها، كان مصيرها الفشل.

مبادرة جنيف والتأكيد على المواقف

عام 2003، كانت كلّ الطرق السلام تقريباً قد أغلقت وصارت العلاقة بين الفلسطينيين وإسرائيل في أسوأ أحوالها منذ بدء محادثات السلام في مدريد عام 1991، الأمر الذي دفع عدداً من الشخصيات الفلسطينية والإسرائيلية إلى الخروج بمبادرة جديدة، فظهرت مبادرة جنيف للسلام عام 2003، لتؤكد بشكل أساسي على حل الدولتين الذي يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، من خلال عدة مراحل، يتم تنفيذها بالتوافق، لتكون بجانب دولة للشعب اليهودي.

ودققت الاتفاقية في الحديث عن الحدود كونها من ضمن أهم أسباب الخلاف التاريخي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ودعت إلى تبني خط الحدود على أساس خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967، مع تبادل أراضٍ وفق خرائط مقترحة.

مؤتمر أنابوليس

صارت خارطة الطريق لفترة أساس الحديث عن حل الصراع العربي الإسرائيلي، كونها حظيت بموافقة شبه جماعية في نسختها النهائية.

واستمراراً لها، طُرحت عام 2007 مجدداً فكرة ضرورة إحلال السلام، وجرى تنظيم مؤتمر أنابوليس للسلام في الشرق الأوسط، وعقد في الكلية البحرية التابعة للولايات المتحدة، بإشراف مباشر من وزيرة خارجيتها آنذاك كوندوليزا رايس.

في هذا المؤتمر سعت الولايات المتحدة إلى إحياء خطة خارطة الطريق، وأشارت إلى أنّ الهدف الرئيسي هو العمل على قيام دولة فلسطينية تكون جاهزة بنهاية فترة رئاسة الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش.

ومع أن الولايات المتحدة أعربت عن رغبتها في نجاح هذا المؤتمر من أجل بدء مفاوضات مكثفة بين الفلسطينيين والإسرائيليين وحشد الدعم الدولي لإقامة دولة فلسطينية، إلا أنه فشل في التوصل إلى نتائج ملموسة.

الانتقال إلى خطة كيري

بعد مؤتمر أنابوليس، دخل مسار التسوية والتفاوض طريقاً مظلماً من جديد، لعدة أسباب أهمها سيطرة حركة حماس على قطاع غزّة، والانقسام الداخلي الذي نتج عن تعاظم قوة المقاومة العسكرية التي نجحت في أسر جندي إسرائيلي، ودخلت في حربين واسعتين مع إسرائيل، قلبتا الطاولة رأساً على عقب.

واستمر ذلك الانسداد إلى أن جاء وزير الخارجية الأمريكية جون كيري عام 2012 حاملاً معه خطة جديدة للسلام، طرحها على الطرفين، واتفق معهما على البدء بجولة مفاوضات جديدة لحل كافة الإشكاليات العالقة.

تضمنت خطة كيري أساساً للحل استند بشكلٍ كامل على ما وقّع عليه الفلسطينيون وإسرائيل سابقاً، لا سيما خارطة الطريق واتفاق أوسلو، وكان من المقرر أن تستغرق المفاوضات ما يصل إلى تسعة أشهر للوصول إلى وضع نهائي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي بحلول منتصف عام 2014.

وبدأت المفاوضات في واشنطن العاصمة، وتقرر نقلها إلى فند­ق الملك داود في القدس وأخيراً إلى الخليل، وحُدد موعد نهائي لإنشاء مخطط عام للاتفاق بحلول 29 نيسان/ أبريل 2014. وفي الموعد النهائي انهارت المفاوضات. ويقال إن المبعوث الخاص للولايات المتحدة ألقى اللوم بصورة رئيسية على إسرائيل، بينما تصر وزارة الخارجية الأمريكية على عدم إلقاء اللوم على أي جانب.

الوصول إلى صفقة القرن

مؤخراً، في 28 كانون الثاني/ يناير 2020، طرحت الإدارة الأمريكية ما عُرف بـ"صفقة القرن". التغير الجذري الذي أتت به هو القفز عن الحقوق الفلسطينية المتعلقة بالأرض والسيطرة على الضفة الغربية والقدس الشرقية، ولذلك رفضها الفلسطينيون.

نصت الخطة الجديدة على احتفاظ إسرائيل بالأراضي التي تسيطر عليها في المستوطنات المشيدة في الضفة الغربية، والتي تبلغ مساحتها حوالي نصف مساحة الضفة، وكذلك ألغت فكرة تحويل القدس الشرقية إلى عاصمة للدولة الفلسطينية المنتظرة.

وتضمنت بنود الصفقة التي نشرت مع خرائط توضح طبيعة الحكم الذاتي الذي سيحصل عليه الفلسطينيون، حديثاً عن مختلف المشكلات ذات العلاقة بالقضية الفلسطينية بشكل اعتبره كثيرون محاولة تصفية لهذه القضية بشكلٍ نهائي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard