عن علاقة حسن شاكوش بأم كلثوم وشيخ الأزهر

الخميس 13 فبراير 202001:42 م

لأن أم كلثوم غنّت "القلب يعشق كل جميل"، لم أتعجب من نفسي لأني أحب كاظم الساهر وأحمد عدوية، رغم اختلاف لونيهما الغنائي، في النهاية الجمال ليس حكراً على شيء بعينه، وبعيداً عن مقاصد "الست" في أغنيتها، فتلك الجملة بالتحديد تصلح تعبيراً أوجز عن أساس التقدم في أي مجتمع، لأنها تعبير عن الحرية والتعددية، والأهم أنها نور موجه ضد الاقصاء والانغلاق.

خلال الأيام الماضية دار نقاش حول مطرب المهرجانات، حسن شاكوش، بعد وصول أغنيته "بنت الجيران" للمركز الثاني عالمياً على منصة الساوند كلاود، ما أدى للاحتفاء به إعلامياً.

لكن هذا الاحتفاء لم يمر مرور الكرام، فتجدد الحديث تلقائياً حول الأغاني الشعبية التي يُطلق عليها "مهرجانات"، وهل هي امتداد للفن الشعبي أم دليل على تدهور وانحطاط الذوق العام؟

المؤيدون لـ"المهرجانات" يرونه فناً متطوراً يجب مواكبته، واتهموا صراحة كل معارض بأنه "دقة قديمة" وضد التقدم، أما المعارضون لتلك الأغاني فاتهموا كل من يحب هذا النوع بأنه ضد "الطرب الأصيل".

وسط هذا السجال، وجدت عدة أسئلة غائبة أهمها: ما الذي يمنع من جمع حب المهرجانات بجوار الطرب الأصيل؟ ومن قال إن الذي يستمع لمهرجان "أسود الأرض" لن يقترب يوماً من "الأطلال"، من خلق هذا التضاد؟

فمن خلال تجربتي، أعرف من يسمع تلك الأغاني ليل نهار ويذهب لحفلات عمر خيرت وكبار النجوم، فالفرد لديه تعددية في أن يعشق أكثر من لون غنائي... فما الذي دفع كل طرف أن يتهم الآخر، فإما أن تكون كارهاً للطرب الأصيل أو معادياً للتقدم؟

فمن خلال تجربتي، أعرف من يسمع أغاني "المهرجانات" ليل نهار ويذهب لحفلات عمر خيرت وكبار النجوم، فالفرد لديه تعددية في أن يعشق أكثر من لون غنائي... فما الذي دفع كل طرف أن يتهم الآخر، فإما أن تكون كارهاً للطرب الأصيل أو معادياً للتقدم؟

ونظرية "إما...أو" لم تقتصر على شاكوش، بل حضرت في سياق مختلف، فبمجرد أن تحدث الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، في مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الفكر الإسلامي، مؤخراً عن رؤيته، وقع تحت سكين تلك النظرية، ومن استخدمها تلك المرة كان شيخ الأزهر الذي يزعم التعددية.

الخشت، أستاذ فلسفة الأديان والمذاهب الحديثة والمعاصرة، تحدث عن ضرورة تجاوز التراث وشيوخ الفقه السابقين، لأننا في عصر له معطيات جديدة يجب استيعابها من أجل مواكبة التطور.

لكن هذا الحديث لم يعجب الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، الذي تحدث بصورة تفتقر للباقة على الأقل، متهماً الخشت بأنه يريد هدم التراث، وملمحاً إلى أن رئيس جامعة القاهرة يتحدث بلسان تيار بعينه، ويقصد التيار الرافض لوجود مؤسسات دينية من الأساس.

كما رفض الطيب المساس بالمذهب الأشعري، مؤكداً أن عكس الحقيقة المطلقة، التي أكد الخشت أنها ملك لله وحده، هو الشك المطلق، وهذا لا يجوز.

تلك الاتهامات التي نالت تصفيق "العمائم" المحيطة بشيخ الأزهر، رد عليها الخشت الذي بدأ حديثه برفض نظرية "إما… أو"، مؤكداً أنه مُحب للتراث لكنه يطالب بتجاوزه، تماماً كما يحب المذاهب الفقهية المختلفة، رافضاً نظرية إن حبَّ مذهب بعينه يعني أنك ضد آخر، فـالخشت أكد أنه لا مانع من احترام الحنابلة والمعتزلة رغم ما يظهر بينهم من تباين، وهو أمر شبيه بمن يرون أن حب شاكوش معادٍ للطرب الأصيل أو العكس.

الخشت أيضاً استنكر احتسابه على تيار بعينه وطريقة إما أن تتحدث بلساني أو تكون عدوي، وأوضح في نهاية ردّه قيمة "تعددية الصواب" التي تحتمل أكثر من رأي، وأن انحيازه لموقف بعينه لا يعني بالضرورة عداءه لآخر، مطالباً بالابتعاد عن نظرية "إما معي أو ضدي"، لأنها سبب الكوارث التي تعيش فيها الأمة منذ قرون، وأخيراً رد على شيخ الأزهر بأن عكس الحقيقة المطلقة هي الحقيقة النسبية، لا الشك المطلق.

يكشف المثالان السابقان قليلاً عن عقلية أصحاب نظرية " إما… أو"، ومشكلة أصحاب تلك النظرية هو الفكر الانغلاقي الذي يجعلهم غير قادرين على التفرقة بين التعددية والتضاد، فهم لا يستطيعون فهم أن تبجيل آل بيت محمد مثلاً لا يعني الاقتداء بالشيعة أو العداء للسُنّة، كما لا يستطيعون فهم أنه لا مانع من حب ابن رشد واحترام الإمام الشافعي.

نظرية "إما...أو" لم تقتصر على شاكوش، بل حضرت في سياق مختلف، فبمجرد أن تحدث الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، في مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الفكر الإسلامي، مؤخراً عن رؤيته، وقع تحت سكين تلك النظرية، ومن استخدمها تلك المرة كان شيخ الأزهر الذي يزعم التعددية

وأصحاب تلك النظرية أيضاً لا يهتمون بما تقول وجهة نظرك، قدر اهتمامهم بتصنيفك، فهم في النهاية يريدون أن يعرفوا أنت مع من، ليقرروا بأنفسهم أنت ضد من. وقبل 2011، كان ضباط أمن الدولة في مصر يحتارون كثيراً في أصحاب الآراء المتعددة الذين يخضعون للتحقيق، فالضباط لديهم قواعد، فمن أشاد باليسار يعني أنه ضد الرأسمالية، ومن تعاطف مع الإخوان يعني أنه ضد الدولة، ولأنها عقلية عقيمة لا تُجدي، كان الضابط يسأل دوماً صاحب الرأي المتعدد في النهاية: "أيوا يعني أنتي شيوعي ولا إخواني ولا جهادي؟".

تلك العقلية هي نتاج تاريخ طويل من الفكر الإقصائي، بداية من أفكار "الفرقة الناجية" التي ترى في كل مختلف عنها عدواً لها، ووصولاً لأحاديث "من ليس معنا فهو ضدنا"، وهؤلاء رغم ما يظهرون من قوة لكنهم أضعف بكثير مما نتخيل، فرؤيتهم لصواب غير ما يقتنعون به يجعلهم يشكّون في أنفسهم!

الأزمة أن كثيراً من أصحاب تلك النظرية في مواقع صنع القرار، تماماً كشيخ الأزهر، بل وأزعم أن في كل مجال عمل هناك من يتعامل بتلك الطريقة، وهو ما يعني أن الطريق طويل جداً للتقدم.

"الصحافة وجهة نظر"، جملة شائعة تعني أن تلك المهنة أساسها التعددية، ورغم ذلك ففي بداية حياتي العملية كان رفض رئيسي في العمل لأي فكرة يعني عدم تنفيذها، لذلك صُدمت في أول تعامل لي خارج البلاد، حين طرحت فكرة فجاءني الرد: "أنا غير مقتنع لكن هذا لا يعني عدم تنفيذها"... وبالفعل تم نشرها لأنه يؤمن أن اختلافي عنه ليس تضاداً بل تعددية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard