القضاء في خدمة السفارة؟ … كيف هُرِّب كويتي اغتصب طفلة مغربية؟

الأربعاء 12 فبراير 202003:21 م


لم يكد المغربيون يتجاوزون صدمة قيام محكمة مغربية بتخلية سبيل مؤقتة  لشاب كويتي يحاكم بتهمة اغتصاب طفلة لا يتجاوز عمرها الـ14 عاماً، حتى فوجئوا بخبر هروبه من البلاد.

ويوم الثلاثاء 11 شباط/فبراير فوجىء الحقوقيون وجمع من الحضور بإعلان رئيس الجلسة تغيّب المتهم الكويتي لفراره مباشرة بعد تخلية سبيله في 28 كانون الثاني/ يناير. واللافت أن إطلاق السراح المؤقت لم يصدر معه قرار منع من مغادرة الأراضي المغربية إلا في 30 كانون الثاني/يناير.

وبحسب حقوقيين، فإن السفارة الكويتية في البلاد كانت قد تعهدت أن يحضر المتهم جلسات المحاكمة بعد إطلاق سراحه المؤقت.

وقال عمر أربيب، رئيس فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في مراكش لرصيف22 إن عائلة الطفلة تنازلت عن القضية، لكن هذا لا يعني أن القضية قد أُغلقت لأن الجمعية قد "نصبت نفسها طرفاً مدنياً" فيها.

هروب مع سبق الإصرار

ماذا حدث إذن؟ وهل هي مصادفة أن يغفل القضاء تفصيلاً مهماً كعدم إقران قرار "تخلية السبيل" بقرار منع السفر إلا بعد فوات الأوان؟  أي بعد أن غادرت طائرة الكويتي عبد الرحمان م. س. (24 سنة). وما الذي حدا عائلة الضحية إلى تقديم تنازل مفاجئ لمصلحة المتهم؟

تساؤلات طرحها كثير من الحقوقيين.

"لماذا لا نزال نعتبر أنفسنا نعيش في دولة وليس في غابة ؟ هل يريدون منا إحداث عصابات للدفاع عن أنفسنا؟"، علقت إحدى المغردات على خبر هروب الكويتي المتهم باغتصاب طفلة في المغرب

واتهمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، وهي أكبر جمعية حقوقية في البلاد، في بيان لفرعها في مدينة مراكش- التي تنحدر منها الضحية- السفارة الكويتية في المغرب بالتورط في عملية تهريب المتهم الكويتي وتوفيرها "الغطاء السياسي والمالي" لذلك برغم الضمانات والتعهدات الكتابية التي قدمتها السفارة في الرباط بشأن إحضار المتهم عند الاقتضاء.

وقالت الجمعية: "ما قامت به السفارة الكويتية يمثل تدخلاً سافراً في الشؤون القضائية المغربية، ومخالفة للأعراف الديبلوماسية، وتشجيعاً على الإفلات من العقاب في جرائم الاستغلال، والاتجار في البشر المنصوص عليها في اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية حظر الاتجار في البشر التي تعتبر الكويت طرفاً فيها".

وأضافت: "نطالب القضاء بسلوك جميع المساطر لإحضار المتهم وفي مقدمتها تقديم طلب للدولة الكويتية بتسليم مواطنها وفق القانون الدولي".

العائلة تتنازل؟

وعن تخلي عائلة الضحية عن شكواها، ذكرت مصادر حقوقية لرصيف22 أن العائلة تنازلت بعد تدخل وسطاء، وترضية العائلة مادياً مقابل التوقيع على التنازل.

إلا أن هذا التنازل لا يعني بطلان الدعوى العمومية، إذ نصبت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان نفسها طرفاً مدنياً في القضية، وهو ما يعني استمرار عرض القضية أمام المحكمة، وطالب أربيب بفتح تحقيق موسع لمعرفة ملابسات ما حصل من مساومات.

وتعود أطوار القضية إلى تموز/يوليو الماضي بعد اختفاء القاصرة في مدينة مراكش أياماً عدة قبل أن تظهر وتُخبر والديها بأنها تعرضت لـ"افتضاض بكارة بالعنف واضطرت لممارسة الدعارة في مدينة أكادير". وظهر أن سائحاً كويتياً تعرفت به على تطبيق "سناب شات" استدرجها ليُمارس الجنس معها مقابل نحو 375 دولاراً أمريكياً، وقد اعترف المتهم بالمنسوب إليه.

إنهم يكررون "دانيال كالفان"

ما إن ذاع خبر هروب المتهم حتى عمّت موجة استنكار كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، وقارن كثيرون هذه القضية بقضية دانييل كالفان، وهو سجين إسباني مدان بتهمة اغتصاب أطفال في مدينة القنيطرة كان قد حصل على عفو من الملك محمد السادس في آب/أغسطس سنة 2013 وغادر المغرب بسرعة، وهذا ما تسبب بموجة احتجاجات دفعت بالملك إلى إلغاء العفو.

مغاربة يتساءلون هل إغفال القضاء المغربي إرفاق قرار "تخلية سبيل" المتهم بقرار يمنعه من السفر مجرد خطأ إداري أم حدث تواطؤ؟

و كتب فخر مطيع، العضو في تحالف "فيدرالية اليسار الديمقراطي" إن الواقعة الجديدة تعيد إلى الأذهان حادثة هروب دانييل كالفان.

وقال الحقوقي والمدوّن المغربي خالد البكاري على صفحته في فيسبوك: "إنها بلاد التواطؤات، اللا كرامة، الاتجار الحقيقي في القاصرات".

وأضاف: "الموجع في القصة هو القضاء، القضاء المجرد من ثقافة حقوق الإنسان، ومن الخلفية البيداغوجية التي تخوله حماية الطفولة والأعراض والكرامة الإنسانية حين يتخلى عنها المسؤولون: الأسرة والمجتمع".

من يتحمل المسؤولية ؟

وتساءلت هاجر الفاتحي: "هل أرواحنا وأجسادنا رخيصة لهذه الدرجة؟". وتابعت: "إذا كانت الدولة المغربية غير قادرةٍ على حماية المغربيات والمغاربة، وتكرس بلامبالاتها وفسادها ثقافة الإفلات من العقاب خصوصاً في قضايا الاغتصاب، فلماذا سنلجأ إلى قضائها، ولماذا لا نزال نعتبر أنفسنا نعيش في دولة وليس في غابة ؟ هل يريدون منا إحداث عصابات للدفاع عن أنفسنا ؟".

وقال الصحافي مصطفى ابن الراضي: "الإفلات والقدرة على التحايل على "السيستم" ممكنان. في كل نظام ثغرة يستغلها شخص أذكى من السيستم وواضعيه. في قصة الكويتي، الإجراء البسيط والبديهي هو فتح تحقيق نزيه وحقيقي وغير شبيه بالتحقيقات السابقة، وتعيين المسؤولية".

وأضاف: "فرار متهم بالاغتصاب فضيحة وخطأ فادح، وغداً قد يتمكن إرهابي خطير أيضاً من الفرار".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard