فيروس كورونا... ذلك السلاح الذكي الذي "أنتجه" الإسلاميون

الأربعاء 12 فبراير 202006:07 م

نشر "الحزب الديمقراطي الإيطالي" على صفحته الرسمية على "فيسبوك" صورة لمنشور، قال إن حزب "فورزا نوفا" اليميني المتطرف يقوم بتوزيعه ولصقه على جدران وأبواب المحلات الصينية، في عدة مناطق إيطالية. المنشور عبارة عن دعوة لمقاطعة البضائع الصينية تحت شعار "مواجهة فيروس كورونا"، والاكتفاء بالبضائع الإيطالية "المحلية". "فورزا نوفا" هو واحد من الأحزاب العنصرية الإيطالية والأوروبية الكارهة للغريب والمعادية للأجانب، خصوصاً إن لم يكونوا أوروبيين، وهذه الأحزاب القومية السيادية صعدت مؤخراً في أكثر من بلد أوروبي.

يحدث هذا في إيطاليا، أي على الضفة الشمالية للبحر المتوسط، أما على ضفتيه الشرقية والجنوبية، أي في العالم العربي، فثمة نماذج مشابهة للحزب الإيطالي المذكور ولأحزاب عنصرية غيره، بلبوس إسلامي، وإن تبدّت هذه التيارات العنصرية والفاشية وتبنْيَنت في صيغة خطابات مشيَخية أو حرَكية أو رسائل تحذيرية على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم تنتظم في إطار أحزاب، على اعتبار أن الأحزاب هي "منتجات غربية" لا تستقيم مع دعوات الاصطفاء في ديار "خير أمة أخرجت للناس".

لا يأتي الحديث عن إيطاليا وعموم أوروبا، بدايةً، من باب المقارنة بينها وبين بلادنا، وهو ما لا يستقيم، بل هو محاولة لقول وتأكيد ما قيل سابقاً وكثيراً، عن حق، من أن العنصرية ليست جبلّة أو خاصية عربية أو إسلامية، ومن أن الإقامة فيها لا تبدو أبدية وفقاً لما يتم تسويقه من نزعات "التفوق الأوروبي الأبدي، والتخلف العربي الأزلي، والأبدي".

ثمة مسألتان تستحقان التوقف عندهما هنا: الأولى، هي أن ما يتم تناوله من خطابات تختلط فيها العنصرية من جهة، مع فكرة المركزية والاصطفاء الإسلامي من جهة ثانية، ليس جديداً. والثانية، هي أن الخطابات إياها تأتي ضمن إطار الرغبوية والاسترخاء إلى حتمية النهايات السعيدة التي "يتكفل بها الله".

يبدو الله، وفقاً لكلام أحد من يدّعون تمثيله، إلهاً يضرب البشر والمحكومين في الصين من دون أن يمس حكومتهم بسوء، ففي هذا ما يطرح السؤال: لماذا لم يتدخل الإله ذاته بفيروس أو بأي شيء آخر مشابه، لحماية المدنيين السوريين في الشمال السوري، من حرب الإبادة التي يشنها بشار الأسد وحلفاؤه عليهم مثلاً؟

مواقع التواصل الاجتماعي حَفلت بالكثير مما يمكن أن يؤكد الكلام السابق، وجاء بعضه على لسان مشايخ ورجال دين مكرّسين، من أمثال عبد الرزاق المهدي الذي كتب على حسابه على تويتر: "بأس الله حل بالصين الشيوعية- البوذية، ازدحام في المشافي، الصين أعلنت حرباً على الإسلام والمسلمين واضطهدت إخواننا الإيغور، فسلّط الله عليهم جندياً وجنود الله كثر... اللهم زدهم عذاباً وبلاءً حتى يتوقفوا عن محاربة دينك وأعدائك". كما كتب في تاريخ آخر أيضاً وعلى ذات الصفحة: "بعد كورونا - أنفلونزا الطيور يغزو الصين، والحكومة تأمر بالتخلص من ملايين الطيور والدجاج لوقف انتشار المرض. اللهم زدهم عذاباً وبلاء ووباء حتى يؤمنوا بك أو يوقفوا حربهم على المسلمين الإيغور".

واضح أن الشيخ ممتعض مما حصل مع الإيغور، وموضوع اضطهاد أفراد أي دين أو عِرق هو أمر يدعو إلى الامتعاض والاستنكار بالطبع، كما كلام الشيخ. وإذ يبدو الله، وفقاً لكلام أحد من يدّعون تمثيله ومعرفة خفايا سياساته على الأرض، إلهاً يضرب البشر والمحكومين في الصين من دون أن يمس حكومتهم بسوء، ففي هذا ما يطرح أسئلة من نوع: لماذا لم يتدخل الإله ذاته بفيروس أو بأي شيء آخر مشابه، لحماية المدنيين السوريين في الشمال السوري، من حرب الإبادة التي يشنها بشار الأسد وحلفاؤه عليهم مثلاً؟ وهل كان من شأن هذا التدخل أن يُردي من بقي حياً من هؤلاء؟ فمن لم يمت بكيميائي الأسد أو قصف طائراته، مات بالانتقام الإلهي كما يحصل مع من يموت أو قد يموت من سكان الصين! للشيخ المهدي مريدون كثر كما تظهر التعليقات على حسابه على تويتر، ومن يوافقونه القول يلتقون معه في العداء للنظام السوري، لكنهم يلاقون النظام ذاته في توجّهه الإبادي، وإن تكن إباداتهم عبارة عن دعوات لفظية حتى اللحظة، تفتقر "عدّة التنفيذ".

واستطراداً، يبدو العجز الإسلامي عن اختراع "أسلحة ذكية" كتلك التي اخترعها الآخرون، صينيون وأوروبيون، مسألة يتم التعويض عنها بـ"الفيروسات الذكية"، وهي فيروسات تصيب الجميع إلا المسلمين. هكذا، ثابرت بعض المواقع على نشر تحديثات لخريطة انتشار المرض في الصين بين فترة وأخرى، للتأكيد على أن الفيروس ضرب حتى المناطق التي يقيم فيها مسلمون، وفي هذا إشارة قوية إلى تَمكّن البديهيات المضادة وابتلاعها البديهيات وكل ما يتعلق بالمنطق، بحيث بات هذا الأخير مطالباً بالدفاع عن نفسه في وجه الخرافة. وفي العالم العربي، حيث تضرب الخرافات عميقاً، تزدهر خطابات الخصوصية والتميز والاصطفاء التي تتميز عن فاشيات وعنصريات الغرب، من ناحية اتكاء الثانية على منتجات وأدوات حداثية في تسويق خطابها العنصري والفاشي، فيما تُستدعى السماء في حالة الأولى ويقاتل "ملائكة" من أمثال عبد الرزاق المهدي وغيره، في "أم المعارك" ضد البوذية والشيوعية، على ما في ذلك من خلط بين الديانة والإيديولوجيا. فإذا ما تذكرنا أن الجيش الأحمر السوفياتي احتل الرايخ الثالث في برلين ودَحَر النازية، بات من الممكن الوقوف على أحد أسباب امتعاض مشايخ ورجال دين كُثر من الشيوعية، رغم ما تستدعيه هذه من نقض وتفكيك ضروري ومحقّ، ولأسباب أخرى مختلفة.

 يبدو العجز الإسلامي عن اختراع "أسلحة ذكية" كتلك التي اخترعها الآخرون، صينيون وأوروبيون، مسألة يتم التعويض عنها بـ"الفيروسات الذكية"، وهي فيروسات تصيب الجميع إلا المسلمين

ثمة خطابات تناولت انتشار "كورونا" من زاوية مختلفة، أهمها أن الفيروس والمرض تم ذكرهما كنبوءة في كلام النبي محمد، وغير ذلك من سرديات شهدنا مثلها يوم قيل إن الثقب الكوني الأسود مذكور في القرآن الكريم. لكن في المقابل، كانت هناك خطابات عقلانية من رجال دين مسلمين تناولوا الموضوع من زاوية إنسانية، تتوجه بالدعاء إلى الشعب الصيني وكل شعوب العالم أن يكفيها شر الأمراض، وغيرها من دعوات وازنة.

بالعودة إلى حزب "فورزا نوفا" وأشباهه، نلحظ هنا خطابين: الأول خطاب عنصري معاد للإسلام والمسلمين وغيرهم، تبعاً للدين، والعِرق في حالات الأفارقة والآسيويين، وهو خطاب يزدهر ويصعد كخطاب يميني شعبوي فاشي في عدة بلدان أوروبية، ويتم التصدي له من قبل حركات تقدمية أوروبية وغير أوروبية. أما الثاني، فهو خطاب إسلامي راديكالي عنصري متطرف يقوم على نظرية الاصطفاء والاختيار والتفويض وغيرها، مما قامت عليه فاشيات وإيديولوجيات تصفوية في العالم الإسلامي، وفي أكثر من مكان على سطح هذا الكوكب.

لقد كان الجسر الثقافي الذي يفصل الشرق عن الغرب جسراً مترنحاً تفعل فيه الزلازل السياسية والثقافية فعلها، وهو ما بُذلت الأوراق والكتب والأبحاث في سبيل تحليله تحت مسمى "الدراسات الاستشراقية"، قام بها غربيون وشرقيون، مسيحيون ومسلمون، وخلص الكثير من تلك الكتب والأبحاث إلى أن المسألة تاريخية وثقافية بقدر ما هي سياسية... وعند نقطة معينة، يلتقي الخطابان العنصريان على دعوات إبادة أو تمييز، ويلاقي أحدهما الآخر في منتصف الطريق، إلا أن المساءلة تبقى مطروحة على الحلقة الأضعف كما هي على الحلقة الأقوى في صدام "الأفكار" هذا، وبشكل أساسي في مجتمعاتنا، المجتمعات التي يتمكن منها كل من "خطاب المظلومية" و"خطاب الاصطفاء"، وهما خطابان عمل فشل الثورات العربية ونجاح الثورات المضادة وحروب الإبادة والتعاطي الغربي مع تلك الحروب على تعزيزهما ورفدهما ورفد سدَنتهما، بما قد يطيل عمرهما لعقود قادمة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard