حتى في العالم الافتراضي... الرجل يسعى إلى "الوصاية" على المرأة؟

الجمعة 14 فبراير 202002:06 م

منذ صغرها، كانت هبة (اسم مستعار) تحلم بمساحتها الخاصة، كأن يكون لها في بيتها غرفة تنفرد بها، وفي مدرستها مقعد تجلس عليه لوحدها, وفي محيطها أصدقاء تختارهم بنفسها، لكن نشأتها في بيت صغير يجمعها مع خمسة أخوة اضطرتها أن تشارك غيرها في أدق تفاصيل حياتها، حتى فراش النوم الذي كانت تتقاسمه مع أختها الصغرى.

كبرت هبة في هذا البيت وباتت المساحة الخاصة التي تحلم بها أمراً ملحاً وحاجة حياتية حتى تستطيع تأدية الواجبات المدرسية ومن ثم الجامعية، خاصة عندما دخلت كلية الآداب وأرادت أن تستثمر ما تتعلمه في مجال التأليف والكتابة القصصية.  
مع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وانتشارها، شعرت هبة بقدرة مستجدة على تلبية تلك الحاجة، فتحول فيسبوك إلى ملجأ يخلصها من حالة التشاركية التي عانت منها في السابق.

"بدأ يخترق عالمي الخاص كلما سنحت له الفرصة، وعندما سألته لماذا يقلّب في حسابي، أجابني بسخرية ′لا تنسي أننا تعرفنا على بعض عن طريق فيسبوك′".

تقول هبة لرصيف22: "تحوّل هذا الحساب إلى عالمي الخاص الذي أتجول به كيفما أشاء، فكان بمثابة غرفتي التي أرتب بها أشيائي الخاصة، ومكتبتي التي لطالما حلمت باقتنائها في عالمي الحقيقي، وحياتي الاجتماعية التي تختلف عما رسمَتْه لي عائلتي منذ صغري، والحب الذي انتظرته طويلاً وينتمي إلى هذا العالم الجميل".

تزوجت هبة من شاب تعرفت عليه عن طريق إحدى صفحات فيسبوك التي تُعنى بالأدب والشعر، وأرادت أن يكون هذا الزواج امتداداً لهذا العالم الجميل الذي صنعته لنفسها، خاصة أن احترام المساحة الخاصة لكليهما كان أمراً اتفقا عليه منذ البداية.

لم يسرِ مفعول الاتفاقية لوقت طويل، فسرعان ما تحوّل زوج هبة بعد فترة قصيرة إلى شخص يشكك بأي شيء، كما توضح قائلة: "بدأ يخترق عالمي الخاص كلما سنحت له الفرصة، وعندما سألته يوماً لماذا يقلّب في حسابي، أجابني بسخرية ′لا تنسي أننا تعرفنا على بعض عن طريق فيسبوك′".

آراء متناقضة حول "أحقيته" كرجل  

تتنوع الآراء وتختلف في مجتمعنا العربي حول أحقية الرجل بالاطلاع على حسابات مواقع التواصل الاجتماعي للمرأة التي تخصه سواء كانت زوجة أو ابنة أو شقيقة. وفي استطلاع رأي أجريناه على إحدى صفحات فيسبوك الخاصة بالنساء حول هذا الموضوع، أتت ردودهن متناقضة تماماً بين مؤيدة ومعارضة لهذا الأمر.

أيدت بعض النساء أحقية الزوج أو الأب بالاطلاع كونه الراعي والمسؤول، وقالت دعاء روضي مثلاً: "انتشرت عمليات النصب والاحتيال والضحك على البنات في هذه المواقع، وبالتالي لا بد أن يكون للأب والزوج دور المراقبة والردع، لأنه في الأخير هو المسؤول".

في المقابل، ردّت نور برادعي بالقول: "طبعاً مش من حق الشاب أن يطلع على حسابات المرأة، بس الشاب العربي لا يعترف بذلك ومفتكر إنو امتلك مرته أو بنته، مو مارق عليه مصطلح حرية شخصية أو خصوصية".

وعلى النقيض من ذلك، ترى نهلة لطيف بأنه "طالما لا يوجد غلط، لا داعي للخوف من أن يطلع الزوج أو الزوجة على هذه الحسابات بأي وقت، وهذا الشيء يقوي الثقة بين الزوجين، والأهل كذلك يحق لهم الاطلاع على هواتف وحساباتهم أولادهم"، معترضة على أن "مصطلحي الحرية والخصوصية خرّبا العلاقات الزوجية والأسرية".

بين الفضول والشك

تتحدث نورا (اسم مستعار) لرصيف22 عن حالة الشك والمراقبة التي يمارسها زوجها على حساب واتساب الخاص بها، وتقول: "وقت اكتشفت أن زوجي يراقبني عبر واتساب شفتو وعم ينبش بمحادثاتي انصدمت كتير ولكن ما واجهته، أنا كتير منزعجة من زوجي وحتى بترك موبايلي بالقصد جنبو برجع بلاقيه غيّر الوضعية يلي تركتو فيها، وبصراحة صرت أكره هالشي منو وما بعرف إذا لازم واجهو ولا لا"، مضيفة "حاسة في شي انكسر بيناتنا لأن من دون ثقة ما في حياة بالنسبة إلي، وبالمقابل هو كتير بخاف عموبايلو وما بيخليني إحملو حتى".

ينظر هيثم غنيم (45 عاماً) للأمر بشكل مختلف، فهو كثيراً ما يقلّب في حسابات زوجته على مواقع التواصل الاجتماعي "من باب التسلية لا أكثر"، حسب قوله لرصيف22.

"كثير من الأزواج يمسكون هواتف زوجاتهم بداعي الفضول والتسلية حسب زعمهم ولكن في الحقيقة يكون الشك هو سيد الموقف"... نساء ورجال يتحدثون عن خصوصية المرأة و"أحقية" الرجل بمراقبة حساباتها

ويشرح هيثم ذلك بالقول: "حسابات النساء على مواقع التواصل الاجتماعي مسلية أكثر من صفحات الرجال، ففيها الأحاديث التي لا تنتهي وفيها استشارات عن الحياة الزوجية، بالإضافة إلى صفحات الطبخ والأزياء والجمال، وينتابني الفضول لأعرف ما يجري فيها ويكون ذلك بمعرفة زوجتي التي بدورها تقوم بفتح جوالي والتقليب في حساباتي على واتساب وفيسبوك".

ترد منى اليوسف على ذلك بقولها: "كثير من الأزواج يمسكون هواتف زوجاتهم بداعي الفضول والتسلية حسب زعمهم ولكن في الحقيقة يكون الشك هو سيد الموقف، والمرأة قد تزيد من دوافع الرجل بالاطلاع على حساباتها عندما تكون حريصة جداً على إخفاء كلمات السر وما إلى ذلك".

بدوره، يطلع زياد (27 عاماً) على حسابات أخته هيا على مواقع التواصل الاجتماعي "لمراقبتها وحمايتها"، كما يقول لرصيف22.

ويقول: "أكيد هالأمر بيزعج أختي ولكن لازم إتصرف بهالطريقة لأنو ما بعرف مين ممكن يحاكيها أو حتى يتحرش فيها، أنا ما بسمح إلها تنزل صورها عالإنستغرام وفقط بسمحلها في حال وضعت إيموجي عوجهها، لأني شاب وبعرف شو ممكن يعملوا الشباب بصور البنات".

"زوجي خيّرني بأن يكون اسمي على فيسبوك إما أم فلان أو اسماً مستعاراً لأنه غير مسموح لي بأن يعرف الغرباء اسمي الحقيقي الذي هو بمثابة عورة بالنسبة له"... نساء ورجال يتحدثون عن "أحقية" الرجل في مراقبة المرأة افتراضياً

لا يقتصر الأمر بالنسبة لحلا (30 عاماً) على عدم تحميل صورتها على مواقع التواصل الاجتماعي، حسب رغبة زوجها، بل يتعدى ذلك إلى عدم السماح لها بأن تذكر اسمها الصريح.

وتقول: "زوجي خيّرني بأن يكون اسمي على فيسبوك إما أم فلان أو اسماً مستعاراً لأنه غير مسموح لي بأن يعرف الغرباء اسمي الحقيقي الذي هو بمثابة عورة بالنسبة له، وهذا الأمر يحزنني جداً لأن الكثير من الأصدقاء لا يعرفونني بهذه الحالة".

"ولا تجسسوا"

ترى الباحثة الاجتماعية والدينية إيناس بلال أن "الأصل في العلاقات الصحية بين الأزواج هي الثقة وأي مسبب لخرق هذا الأمر مرفوض اجتماعياً وحتى دينياً، والشاهد في ذلك الآية الكريمة التي وردت في القرآن "ولا تجسسوا"، كما الآية "وجعلنا بينكم مودة ورحمة"، وبالتالي يُحرّم التجسس ولا يجوز أن يطلع الزوج على حسابات زوجته لما في ذلك من إثارة للفتن ومدعاة لنشوب المشاكل بين الزوجين.

وتردف الباحثة في حديثها لرصيف22: "إلا في بعض الحالات، وهنا يجب وضع خط أحمر تحت كلمة إلا، في حال اقترنت القرائن ومعنى ذلك أن تظهر بعض الأفعال المريبة لدى إحدى الزوجين، الأمر الذي يجعل الطرف الآخر في موضع ريبة وقلق، مثل حرص أحد الزوجين بشكل مبالغ فيه على إخفاء الهاتف وحسابات مواقع التواصل الاجتماعي، وأيضاً الحرص على التكلم بالخفاء بالإضافة إلى التغير وبرود العلاقة الزوجية بشكل غير مبرر وفي هذه الحالة يمكن لأحد الزوجين الاطلاع على حسابات الطرف الآخر بقدر الحاجة فقط، وليس بشكل مسهب أو متكرر".

"موضوع مراقبة الحسابات جزء من كل، فهو نتيجة أعراف وعادات سائدة بفعل تربية على أنماط سلوكية وتوقعات من كل فرد أو نوع يتشربها الإناث والذكور ويعيشون في ظلها". 

من جهته، يوضح الأخصائي النفسي الاجتماعي صلاح لكة دوافع الخوف من العالم الافتراضي: "العالم الحقيقي يمكن إدراكه والتخفيف من مخاطره، بينما العالم الافتراضي بالنسبة للأهل أو الزوج وخاصة من لا يتعامل معه هو مصدر خوف وخطر كونه مجهول لهم، ويتم تداول قصص كثيرة لمشكلات كان مصدرها العالم الافتراضي من ابتزاز وتهديد وخطف وإساءة واستغلال وغيره"، معلقاً "كونه عالم مفتوح فهو يثير قلق الأهل على أبنائهم والزوجة على زوجها وأيضاً الزوج على زوجته، خصوصاً لمن لم يهيء نفسه وأسرته على التعامل مع هذا العالم".

أما عن أحقية الرجل بممارسة هذه السلطة، فيقول لكة لرصيف22: "موضوع مراقبة الحسابات جزء من كل، فهو نتيجة أعراف وعادات سائدة بفعل تربية على أنماط سلوكية وتوقعات من كل فرد أو نوع يتشربها الإناث والذكور ويعيشون في ظلها، وتصبح لاحقاً معياراً لسلوكهم وسلوك أبنائهم ويتم تربية الأجيال الناشئة عليها".

ويضيف موضحاً: "القضية جزء من قضية أكبر وهي حقوق الإنسان بشكل عام، أي حق كل إنسان في مجتمعنا سواء كان ذكراً أم أنثى، صغيراً أم كبيراً، في الحصول على حقوقه التي كفلتها شرعة حقوق الإنسان وكل الأعراف الإنسانية والشرائع السماوية". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard