عندما تصبح "الكراكيب" جزءاً من ذاكرة السوريين ما قبل الحرب

الأربعاء 12 فبراير 202001:35 م

كغرفة الضيوف في " بيت ستي" المخصصة للضيوف الذين لن يأتوا، تبدو الكراكيب التي تصرّ على الاحتفاظ بها شيئاً عصياً على الفهم، أتساءل دوماً ماذا ستفعل بكل هذه العلب والقطرميزات القديمة؟ البراويز، الأقلام الجافة منذ زمن... فباستثناء بعض قطع الأنتيكا والكؤوس الملونة التي جلبتها من الحج، لعبة "ماتريوشكا" التي جلبها جدي من روسيا و"طاسة الرعبة"، لا أفهم جدوى الاحتفاظ بكل هذه الأغراض.

تبدو أدراج الكومودينو الملاصقة لسريرها عالماً غرائبياً، كنا نتسلل إليه صغاراً، أولاد خالتي وأنا، بحثاً عن شوكولا مخبأة، سكر نبات أو حلوى ملونة، كنا نضحك على تسمية جدتي لها باللهجة الشامية العتيقة "مطعّم"، لنصادف في رحلة بحثنا هذه، بين أكوام المفاتيح والمصاحف والمسابح وصور أخوالي الذين هاجروا منذ زمن، شتى أنواع الكراكيب.

ربما لن تفهم جدتي أيضاً جدوى الأشياء التي أحتفظ بها في عدة علب في خزانتي، في كل مرة أرتب فيها أدراجي أرفض التخلص من تذكار حفلة زياد الرحباني الراسخة في البال من صيف 2008، ضمن نشاطات "دمشق عاصمة ثقافية "، بطاقة مهترئة لحفلة فريق "كلنا سوا"، حمالات مفاتيح من تونس أجدها أجمل من أن أستعملها، أسطوانة جاز حصلت عليها بصعوبة عندما لم يكن هناك تطبيقات تحميل أغاني على الموبايل، أسطوانات أغاني جورج وسوف التي لم أستمع إليها منذ أكثر من عشر سنوات، أما أهم القرارات المصيرية فكان التخلص من وشاح رُسم عليه بوب مارلي، اشتريته من "القيمرية" أيام المراهقة، باعتباره أحد المغنيين المفضلين بالنسبة لي في تلك الفترة.

يحتفظ السوريون بكراكيبهم كجزء من ذاكرتهم، كصديقي الذي يرفض طلاء جدار غرفته المليء بذكريات وعبارات دوّنها الأصدقاء الذين مروا، وتحت كل عبارة تاريخ كتابتها واسم صاحبها الذي غادر البلاد أو الحياة للأسف

ترتبط التذكارات نوعاً ما بكل جيل، وقد تمثل بالنسبة لجيل آخر نوعاً من الكراكيب أو الأشياء عديمة القيمة، فجيل ما بعد الألفين لن يستطيع فهم تذكارات من نوع أشرطة الكاسيت، صور ممثلين وممثلات مقصوصة من المجلات، مقالة مقتطعة من جريدة، ورد مجفف في كتاب، دفتر مذكرات، صور موضوعة تحت زجاج مكاتب الموظفين في المؤسسات الحكومية غالباً.

قد تكون الكراكيب على هيئة أشياء نقنع أنفسنا بإمكانية الاستفادة منها، كالملابس التي نصر على الاحتفاظ بها على أمل فقدان وزن زائد والعودة إلى شكل جسم فارقنا منذ عدة سنوات، أو أشياء ذات قيمة معنوية في الماضي، كفستان زفاف لزواج انتهى نهاية تعيسة، شال لحبيبة سابقة لم تعد رائحتها تحرك أي شعور، هدايا من أصدقاء اكتشفنا خياناتهم لاحقاً، ملابس كنا نرتديها في مواقف نجاهد اليوم لمحوها من ذاكرتنا.

يحتفظ السوريون بكراكيبهم كجزء من ذاكرتهم، كصديقي الذي يرفض طلاء جدار غرفته المليء بذكريات وعبارات دوّنها الأصدقاء الذين مروا، وتحت كل عبارة تاريخ كتابتها واسم صاحبها الذي غادر البلاد أو الحياة للأسف، أما صديقي الآخر، الذي غادر في السنة الأخيرة من دراسته الجامعية، فهو مصر على الاحتفاظ بكتبه الدراسية المتبقية كجزء من الأمل بالعودة.

الارتباط عاطفياً بالأشياء جزء من الطبيعة البشرية، وما كان يعتبر في السابق أشياء ليست بتلك الأهمية، يعج بها المنزل، ويزدحم بها المكان تحت الأسرّة والطاولات وفي أركان البيت المخفيّة، أصبحت تثير نوعاً من النوستالجيا، وازدادت قيمتها المعنوية كشاهد على زمن لن يعود، وذكرى لحميمية مفتقدة لما كان يسمى "بيت العيلة"، خاصة لمن اضطروا للنزوح أو السفر والإقامة في بيوت لا تربطهم بها أي علاقة عاطفية، هي ذات حالة الاغتراب التي يحسها من اعتاد وجود مبان قديمة يعتبرها جزءاً من هوية الشارع، هدمت لصالح قيام أخرى حديثة لا تثير في نفسه أي شعور.

بالنسبة لكراكيبنا المادية فلنا غالباً خيار الاحتفاظ بها، ولكن كراكيب من نوع الخوف المتراكم ونوبات الذعر لدى سماع أي صوت، والذكريات السيئة المستعادة عند أي صدمة جديدة، وأشباح الموت القادرة على الظهور في أي لحظة، لازالت ملازمة للجميع، حالها حال ثقوب الرصاص المحفورة في جدران المباني التي شاركتنا سنوات الحرب

هناك أنواع حنين غريبة، فهناك من يشتاق للفيسبوك "أيام البروكسي"، أي عندما كان محجوباً، على اعتبار أنه لم يكن مضطراً لحظر الأهل والأقارب، أو التقيّد بمحتوى صفحته الشخصية، أو لإعلانات "فواز جابر" الشهيرة في التسعينيات، أو لأغاني ذات كلمات ركيكة أصبحت تشكل تراثاً.

الماضي ليس حقيقياً، فنحن نتذكره بالشكل الذي نريد أن نتذكره به، فالإنسان ميّال غالباً إلى غربلة اللحظات التعيسة في الماضي لصالح اللحظات السعيدة فقط، فأحاسيس مثل عدم الرضا، الوحدة، خيبات الأمل والمستقبل الضبابي هي ما تدفع الناس لرؤية الماضي بهذا الشكل الرومانسي، ليصبح الماضي ملاذاً للباحثين عن الأمان ومتنفساً للهاربين من وحشتهم، ليختار كل سوري حقبته الذهبية بين الخمسينيات أو الستينيات بينما تشكل التسعينيات الحقبة الذهبية للأجيال الأصغر عمراً.

بالنسبة لكراكيبنا المادية فلنا غالباً خيار الاحتفاظ بها، ولكن كراكيب من نوع الخوف المتراكم ونوبات الذعر لدى سماع أي صوت، والذكريات السيئة المستعادة عند أي صدمة جديدة، وأشباح الموت القادرة على الظهور في أي لحظة، لازالت ملازمة للجميع، حالها حال ثقوب الرصاص المحفورة في جدران المباني التي شاركتنا سنوات الحرب.

--

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard