كيف غيّرتني رام الله؟

الثلاثاء 11 فبراير 202005:17 م

هذه المدينة تتداخل فيكِ بشكل لافت، تجعلكِ شخصاً آخر قادراً على ارتداء وجه سعيد رغم كآبته، تمكّنكِ من حمل المطرقة التي تضربين بها أولئك الذين يحاولون النيل منك، وتقنعكِ أنّ هناك من يستحق العقاب في هذه الحياة، وأنّكِ لم تفعلي ذلك سوى لتحمي نفسك، لكنّك شيئاً فشيئاً، بين ثانية وأخرى، وأنت تركضين خلف العقارب السريعة لهذه المدينة الساحرة، تفقدين أكثر الأشياء التي أحبَبتِها يوماً بنفسِك.

هل تذكرين المرة الأخيرة منذ أخبركِ أحدهم بأنك لن تكبري أبداً، وستظلين في الخامسة ولو صار عمرك قرناً؟ منذ متى لم تصفعي قدميك وأنتِ تطلقين ضحكتك الصاخبة دون أن تأبهي لمن حولك؟ هل لاحظتِ حقاً أنّكِ بتِّ ترمين الأوراق غير المهمة كما كان يراها الجميع دونك، حتى لو حملت بين تجاعيدها نصّاً كتبته وأنت ترتجفين بسبب نوبة شوق خاطفة؟ وكم وبّختك شقيقتك كي ترميها قبل أعوام من الآن ورفضتِ بقوّة أن تفعلي!

ورغم كل هذا فأنت اليوم أصبحتِ على ما أنتِ عليه فيها وبسببها.

أين هي التفاصيل الساذجة فيك، حبّك المطلق للتسوق واختيار ملابسك الخاصة التي لا تشبهين فيها شخصاً غيرك، ساعات طويلة بين محلات الأزياء كنت تقضينها دون كلل أو ملل، رغم ما كنتِ تشعرين به من ألم في أسفل قدميكِ، خاصة إن لم تكوني ترتدين حذاء مريحاً، لكنك كنت بذلك سعيدة حقاً.

ماذا تعني لك السعادة اليوم؟ إطراء على أدائك المتقدّم في العمل؟ أم حوار شيّق مع أحد أفراد عائلتك بينما يخبرك ببذخ كم صرت اليوم فتاة ناضجة، يطيل الحديث في الأمر وهو لا يدري بأنه يصارحك بأكبر مخاوفك، وتودين لو تنسحبين من هذه المواجهة إلى غرفتك، تدفنين نفسك بين طبقات الأغطية وأنت ترتجفين برداً، وتنامين بحثا عن يوم جديد تعودين فيه إليكِ.

هنا خلف مكتبك، تجلسين لساعات طويلة دون أن تبحثي عن استراحة عمل، وحين تجلسين مع نفسك تعتكفين عن الكتابة، ربّما لأنك تخافين من مصارحة ذاتك، بكل خبايا المشاعر التي تكتنزينها ببذخ في مكان باردٍ داخلك، ثم حين تشاهدين فيلماً درامياً تبدئين بالبكاء حتّى ينتفخ أسفل عينيك، لكنك تعجزين عن البكاء على ما آلت إليه حالك، لأن لا وقت لديك كما تزعمين لعيش مشاعر الخوف أو الفقد، إذ تتخذين في يومِك وضعية الدفاع عن نفسك من كل الأشياء حولك، كل الذين منحتهم يوماً ما يمكّنهم من إيذائك، أولئك الذين يسكنون أسوأ كوابيسك وتراودك وجوههم بين فينة وأخرى ساذجة وبريئة كأنهم أطهر من أن يرتكبوا خطيئة بحقك.

لكنها رام الله التي ترفعك عالياً حين تشائين وتسقِطك في تيهها إن لم تتدارَكي نفسكِ باكراً، تأخذ منْك بقدر ما تعطيكِ، تقرّب منك أشخاصاً بقدر من ينسحبون، وتبكيكِ بعدد الليالي التي أضحكتْكِ فيها، وهذا كله لأجل أمر واحد، أن تتعلّمي دائماً مما تعيشينه فيها

أما أصدقاؤك، فمنهم من اختفى كأن لم يكن ولم يترك داخلكِ أي أثر ترثينه به، ومنهم من يحتمل منك أكثر مما يجب، لأن وقتك وتقلّباتك يمنعانك عن ساعة لقاء تجمعك به، وكثر أولئك الذين توصدين بوجوههم الباب خوفاً من قرب زائف أو نكسة جديدة تجيئكِ منهم، حين يقرّرون دون سابق إنذار أن يسرفوا بالخذلان، أما الثابتون الذين تغيّبك الأيام عنهم أكثر مما تجمعكِ بهم، فإن وجودهم بقدر ما هو مخثّر للكثير من الجروح إلا أنهم يدفعونك لمراجعة نفسك مراراً وتكراراً، حين يحتاجون وجودك ولا تكوني.

لكنها رام الله التي ترفعك عالياً حين تشائين وتسقِطك في تيهها إن لم تتدارَكي نفسكِ باكراً، تأخذ منْك بقدر ما تعطيكِ، تقرّب منك أشخاصاً بقدر من ينسحبون، وتبكيكِ بعدد الليالي التي أضحكتْكِ فيها، وهذا كله لأجل أمر واحد، أن تتعلّمي دائماً مما تعيشينه فيها، من سلبيات ذلك قبل إيجابياته، وكأنكِ في اختبار دائم، تجلِسك على سريرك كل بضع ليال، وتطلب منْكِ أن تُتلي على مسمعها ما تعلّمتِ من دروسك، وحين تنسين أياً من أخطائك، تتلوه هي على مسمعِك لتخبركِ بأن الخطأ مغفور إن لم تنسِه، أما لو فعلتِ فإن تعثرك بما يشبهه سيُذكّرك مرغمة به.

رام الله الجميلة تجذب الغرباء إليها أكثر من سكانها، أولئك الذين سيذكرونك دائما بأنك غريبة عنها، أحياناً بشكل مباشر أو بالصدفة، بين أصدقائك أو حين ترغبين بتجربة شيء جديد معتاد بالنسبة لهم، وفي كل مرة ستتحدثين فيها، ستدركين غربتك أو غرابتك حتى، ولهذا فإنك ترفضين أن تنساقي للكنة غير التي اعتدت الحديث فيها

رام الله الجميلة تجذب الغرباء إليها أكثر من سكانها، أولئك الذين سيذكرونك دائما بأنك غريبة عنها، أحياناً بشكل مباشر أو بصدفة معتادة في أحد مقاهيها أو مكان عملك، بين أصدقائك أو حين ترغبين بتجربة شيء جديد معتاد بالنسبة لهم، وفي كل مرة ستتحدثين فيها، إن سمعوك أو سمعت نفسك، ستدركين غربتك أو غرابتك حتى، ولهذا فإنك ترفضين أن تنساقي للكنة غير التي اعتدت الحديث فيها، كما يفعل أكثر المقيمين في رام الله، وتستمتعين بتكرارهم الخاطئ لحرف الكاف في كلماتك، حين ينطقونها بغلاظة قبل أن يخبروكِ بتشويهها لرقة أنوثتك، هذا الذي لا تشعرِك به لكنتك.

ورغم كل هذا فأنت اليوم أصبحتِ على ما أنتِ عليه فيها وبسببها، كانت قادرة على صقلك للدرجة التي دفعتك إلى كتابة هذه المدونة، ففي مقطع منها تخبرينها بأنك تحبينها بكل تناقضاتها والطبقات الاجتماعيّة المختلفة التي تجمعهم في حدود جغرافية واحدة، رغم ازدحامها الدائم وطقسها المتقلب وجنون الظهور لدى كثير ممن يسكنونها، ومن يكتبون لها، ومن يكتبون عنها، وما فيها من صراع بين الرأسماليين والاشتراكيين، والفلاسفة والمنظرين والبروليتاريين والإسلاميين والمتأسلمين والمسيحيين والمتحرّرين والنسويين والأحزاب الكثيرة، وفي مقطع آخر تعاتبينها على كل ثقب افتعلته في ذاكرتِك، والعتاب على قدر المحبة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard