هل تحبّ الأديان الحرب أكثر من رؤساء المصارف؟

الثلاثاء 11 فبراير 202012:56 م

يعود النظام البنكي، كمصدر للائتمان وتقديم القروض، ربما إلى العهد البابلي، حيث كانت يتم تقديم القروض على هيئة محاصيل أو بذور للزراعة، والعملية هذه كانت تتم في المعابد، ولهذا الأمر دلالته المهمة أيضاً، حين نعرف أنه في فترة الحروب الصليبية تعاونت المصارف البدائية الوليدة في ذلك الزمان في تمويل العديد من الحملات الصليبية والحروب التوسعية تحت غطاء ديني جوهره "الفائدة" على رؤوس الأموال، لذلك لا نستغرب مصطلح "الجنة الضريبية" الذي يطلق على بعض الدول المتفلّتة من قوانين الضرائب والتي تعتبر ملاذاً آمناً لتجار الحروب والسلاح والمخدرات.

لا نحتاج كثيراً من الجهد لنرى أن "المؤمنين" من جميع الديانات ارتكبوا العديد من المجازر بحق "الكافرين".

ما الرابط بين الجنة والمصرف؟ بين الإيمان بالله والإيمان بالفائدة النسبية على رؤوس الأموال المدخرة؟ كيف تجرؤ اللغة على الجمع بين كلّي النقاء كالجنة وكلّي سرقة جهد وعرق العمال كالمصارف، لدينا بالتأكيد بعض الشكوك التي تغذيها البورصات العالمية وخطط محاربة الإرهاب، لكن الأمر الذي نستطيع أن نكون متأكدين منه هو أن الله لا يقيم في وول ستريت، وبالتأكيد ليس من مهامه أن يحمي حلف شمال الأطلسي.

الحروب باسم الله، الرحمن والرحيم

بالرغم من غياب الدافع الديني عن أغلب حروب القرن العشرين، إلا أن الشرشف الديني الشفاف لا يزال يصلح لتدفئة بعض ذوي القلوب الباردة، إذ يرغب الجميع باستخدام اسم الرب كراية تصلح لأن تحتشد خلفها الدبابات، وباستثناء جرائم داعش وزلة لسان جورج بوش الابن، يبدو جلياً أن الرب الذي استخدم مراراً في حروب القرون الوسطى، والجنة التي وعد بها الملوك، بمعونة البابا آنذاك، جنودهم المرهقين ليسا أكثر من رب المال وجنة التحكم.

لكن، لنضع الاحصائيات التي نعرفها أمامنا، الدوافع الدينية سببت عدداً أقل بكثير من الضحايا التي سببها "الدين الجديد": الحروب التوسعية، الحروب العرقية، توسيع الأسواق، السيطرة على منافذ التجارة ومنابع النفط، كان الدين غائباً تماماً عن المآسي الكبرى التي قامت بها أنظمة الحكم الشمولية والتكتلات الحربية الأخرى، أمام توحّش الأنظمة الاقتصادية ورغباتها المرهقة باستعمار العالم، مرة أخرى سيبدو الرب أقل دموية وأكثر براءة حتى في أكثر الحروب استخداماً لاسمه.

بالرغم من غياب الدافع الديني عن أغلب حروب القرن العشرين، إلا أن الشرشف الديني الشفاف لا يزال يصلح لتدفئة بعض ذوي القلوب الباردة، إذ يرغب الجميع باستخدام اسم الرب كراية تصلح لأن تحتشد خلفها الدبابات

لكن في المنحى العام، وسواء كانت الجنة المزعومة، بتعريفها المسيحي القائم على التطهّر من الخطايا والتنعّم بالحياة الأبدية أو بتفسيرها الإسلامي القائم على بحار اللذائذ والمتع الحسية اللانهائية، أو بتفسيرها "الرأسمالي" المبني على ملايين الأقنان رخيصي الثمن، تبقى من أكثر الأفكار إثارة للحروب في العالم، وهي مسؤولة بحق عن الكثير من الدم الذي يراق.

لا نحتاج كثيراً من الجهد لنرى أن "المؤمنين" من جميع الديانات ارتكبوا العديد من المجازر بحق "الكافرين": احتفل الصليبيون بالسيطرة على القدس عبر ذبح اليهود والمسلمين، حتى البوذيين ارتكبوا مذابح، كما نرى من تاريخ بورما وسيرلانكا، وشارك الصلبان المجريون والحرس الحديدي الروماني والسلوفاكي في أعمال عنف عديدة في الحرب العالمية الثانية، وشارك الهندوس في إبادات عديدة أثناء تقسيم الهند وباكستان، كما فعل الأتراك في أرمينيا، وارتكب يهود مجازر كبرى بحق قرى فلسطينية، كذلك فعل تنظيم الكتائب اللبناني بمخيم صبرا وشاتيلا الفلسطيني، وكما فعل تنظيم القاعدة ومن بعده داعش.

فبقدر ما تحب الأديان الله والسلام الداخلي، تحب أيضاً الأموال والحروب.

ما يزال أكثر من 30 بلداً اليوم يعاني من صراع ديني بشكل أو بآخر، مسؤول عن نزوح ما يقارب 18 مليون شخص، لأن الحروب ذات الغايات الاقتصادية تنتهي بطريقة ما، حين يجد المتحاربون وسيلة لتقاسم الكعكة، فالسبب الكامن خلف تلك الحروب يجب أن يخضع للإرادة الدنيوية لرجال الحرب نفسهم، بينما لا يجد المشايخ والكهّان والقساوسة سبيلاً لإيقاف الدم إلا بالإبادة الكاملة والتطهير.

لكن مهلاً، نستطيع أن نعدّ قائمة طويلة من الجرائم غير المسبوقة في تاريخ البشرية وأعداد ضحايا تفوق ما خلفته الحروب الدينية بأشواط، بمجرّد تذكر حروب مثل الحربين العالميتين الأولى والثانية، الفوكلاند، والحروب الأهلية في إسبانيا ورومانيا ويوغسلافيا، إضافة لعاصفة الصحراء الأولى والثانية وغزو العراق، كما تستحق الحروب التي جرت في إفريقيا قائمة كاملة بمفردها، إذ إن لقب "الدين الأكثر دموية" سيبقى الجائزة التي سيتسابق عليها الجميع، لكن الفوز في النهاية سيكون، وللأسف، من نصيب العلمانيين، فالأنظمة النازية والفاشية والشيوعية بالإضافة للأنظمة الليبرالية، أي الأنظمة غير الدينية، ستحوز قصب السبق في عدد الضحايا.

إذ إن لقب "الدين الأكثر دموية" سيبقى الجائزة التي سيتسابق عليها الجميع، لكن الفوز في النهاية سيكون، وللأسف، من نصيب العلمانيين، فالأنظمة النازية والفاشية والشيوعية بالإضافة للأنظمة الليبرالية، أي الأنظمة غير الدينية، ستحوز قصب السبق في عدد الضحايا

لكن، هل علينا تبرئة الدين تماماً من قيام الحروب والاكتفاء بالتفسيرات الاقتصادية أو القومية أو السلطوية، ليس تماماً، فالكتب المقدسة تصدح بأهمية إعلاء كلمة الحق المتغيرة من كتاب لآخر، وهي تطالب المتدينين بنشر كلمة الله، فقد كانت الأحزاب الشيوعية متأكدة من أنه سيأتي يوم ويضعون فيه الدين في المتحف، لكن الذي حصل أن الدين هو من وضع الشيوعية في المتحف، كما يقول ريجيس دوبريه، وفي الحقيقة أظن أن التجمّعات الاقتصادية الكبرى والكارتلات العابرة للقوميات، هي من قامت بوضع الاثنين، الشيوعية والدين، في المتحف.

فبقدر ما تحب الأديان الله والسلام الداخلي، تحب أيضاً الأموال والحروب، فقد موّلت الكنائس الحروب فيما سبق وبررتها بفيض من إعادة الحق إلى جادة الحق، كما يحتفظ كل رئيس عربي بناصية الإفتاء إلى جانبه كما يحتفظ بناصية البنك المركزي، وفي الحقيقة لم نعد نعرف من الذي يقود من، إذ تحالف الجميع، العسكر والمصارف ورجال الدين، في حلف واحد وصلب لضمان استمرار تدفق الفائدة الصافية من جهد الناس وعرقهم، ولا يبدو أحد بريئاً من لعبة "الجنة" السخيفة تلك، إلا الرب الذي ينظر بأسى إلى رسالاته وهي تتمزّق على يد المدراء التنفيذيين للمصارف الكبرى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard