"بوكر 2020" تعلن قائمتها القصيرة... جدل حول الجائزة وأهميتها وعن آليات التحكيم الأدبي

الأربعاء 5 فبراير 202002:14 م

"تضم الروايات المختارة نخبة من النصوص المتنوعة أسلوباً ومادة، وخرج أغلبها من حصار التقليد الذي يرافق الظاهرة الروائية، وتكاد تنشغل جميعاً بوطأة التاريخ بماضيه وحاضره، لكنها لا تستعيد هذا التاريخ أو الواقع المعاصر تطابقاً، وإنما تواجهه بحدته لتثير عند القارئ الأسئلة عن مصير الإنسان العربي"، بهذه الكلمات أعلن رئيس لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر 2020" في دورتها الثالثة عشر، الناقد العراقي محسن الموسوي، عن القائمة القصيرة للروايات.

وتضم القائمة التي أعلنتها لجنة التحكيم، يوم الثلاثاء 4 شباط/ فبراير 2020، وخلال مؤتمر صحفي عُقد في متحف حضارة الماء، بمدينة مراكش المغربية، ست روايات، تم اختيارها من بين 16 رواية دخلت القائمة الطويلة، وهي صادرة باللغة العربية، بين حزيران/ يونيو 2018 وتموز/ يوليو 2019.

في حديث مع جبور الدويهي، قال: "الجوائز مفيدة بالطبع؛ تشجع الكتاب وتضاعف مبيعاتهم، وهي بطبيعتها غير موضوعية، إذ أين الموضوعية في التقييم الأدبي؟"

يتنافس الكتّاب بالقائمة القصيرة للفوز بالجائزة الكبرى، وقيمتها 50 ألف دولار أمريكي، فيما يحصل كل كاتب وصل إلى القائمة القصيرة على مبلغ 10 آلاف دولار أمريكي، وذلك خلال حفل الإعلان عن الرواية الفائزة، المنتظر عقده يوم 14 نيسان/ أبريل المقبل في أبو ظبي.

كانت الجائزة قد تلقت 128 رواية حتى غلق باب التقدم في 30 يونيو/حزيران 2019، قبل أن تبدأ لجنة التحكيم عملها في قراءة وتقييم الأعمال لتصفيتها إلى 16 عملاً بالقائمة الطويلة التي أعلنتها في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2020، والتي تم تصفيتها إلى قائمة قصيرة تضم 6 أعمال.

تتضمن القائمة القصيرة لدورة الجائزة الثالثة عشرة خمسة كتّاب وكاتبة واحدة، تتراوح أعمارهم بين 34 و75 عاماً، ويأتون من خمسة بلدان عربية؛ هم: الكاتب سعيد خطيبي من الجزائر عن رواية "حطب سراييفو"، الكاتب اللبناني جبور الدويهى برواية "ملك الهند"، رواية "الحي الروسي" للكاتب السوري خليل الرز، الكاتب المصري يوسف زيدان عن رواية "فوردقان"، الكاتب عبد الوهاب عيساوي من الجزائر برواية "الديوان الإسبارطي" ورواية "التانكي" للكاتبة العراقية عالية ممدوح.

تضم القائمة التي أعلنتها لجنة التحكيم، وخلال مؤتمر صحفي عُقد في مدينة مراكش المغربية، ست روايات، لخمسة كتّاب وكاتبة واحدة تم اختيارها من بين 16 رواية دخلت القائمة الطويلة، وهي صادرة باللغة العربية

هل كان الوقت كافياً؟

بعد إعلان القائمة القصيرة، توالى عدد من التساؤلات حول آلية عمل لجنة التحكيم، وبخاصة مع قصر مدة تقييم الأعمال، 128 عملاً روائياً بين خمسة محكمين، خلال أقل من 6 شهور، إذ كتب الباحث والكاتب السوري، فايز علام، عبر فيسبوك: "قد تكون بعض الأعمال الواصلة تستحق، ولكن الأمر يبدو مريباً جداً حين نفكر في جنسيات المحكمين وجنسيات الواصلين!"، متسائلاً في التعليقات: "كيف يستطيع محكم أن يقرأ رواية قد تكون 300-400 صفحة في أقل من يوم واحد، ويخرج من تأثيرها ليبدأ قراءة رواية ثانية في اليوم نفسه، أو في اليوم الذي يليه! (هذا إذا افترضنا أنه لم يمرض - لم يكتئب - لم يحصل له عارض ما - لم يضطر لعمل شيء - لم يسافر - لم ولم ولم ولم ... طوال ستة شهور!!)"، وهو ما رد عليه الروائي اللبناني جبور الدويهي، المرشح بالقائمة القصيرة، والذي حل عضواً بعدة لجان تحكيمية، نذكر منها "جائزة مي غصوب للرواية" و"مسابقة منحة آفاق للرواية"، في تصريح خاص لرصيف 22، بأن "هناك كتب تشي باحتمالاتها بعد عدد معين من الصفحات، وأخرى تمسك بك للأخير، والحكام قراء مثل غيرهم"، مؤكداً كذلك "أن المهلة قصيرة برأيه".

آليات التحكيم الأدبي

يتفق الكاتب والصحفي المصري، سيد محمود، الذي قام بأدوار تحكيمية في أكثر من مسابقة، منها "جائزة ساويرس الثقافية" ويوضح بشكل تفصيلي لرصيف22، بأنه "فيما يتعلق بالمدة المتاحة أمام أي لجنة تحكيم، فهي مجازاً مدة قصيرة في كل الأحوال، لأننا في العادة ننجز أعمالنا كلها تحت ضغط الوقت، ومع ذلك، يقوم المحكمون عند وصول الروايات إلى عناوينهم بمباشرة عملية القراءة، وعادة ما تُقرأ فصول من الأعمال التي تصدر عن دور نشر غير معروفة، وهي الروايات التي يسهل اكتشاف الأخطاء اللغوية فيها، إلى جانب إدراك ركاكة الأسلوب، ويجري استبعادها تدريجياً، في حين تؤجل الأعمال التي تكون لدور نشر كبرى، أو لمؤلفين راسخين، لشوط آخر من القراءة، لأن المحكم يراهن بداهة على أن أعمال هذه الفئة قُرأت بواسطة لجان قراء احترافية، وهكذا تمضى الآلية التي تقوم على 'متوالية الاستبعاد'، ويمكن بطبيعة الحال إعادة النظر بقراءة عمل قام أحدهم باستبعاده في مرحلة المداولة، وبالتالي رقم 128 يبدو مخيفاً بالطبع، لكن اللجنة منذ أول اجتماعاتها تضع قواعد للقراءة بتقسيم الأعمال".

يقول الكاتب والصحفي سيد محمود  أن عملية التحكيم تخضع لقواعد يجري إقرارها في أول اجتماع للجنة، وعبر معايير تكون محل اتفاق، ويضيف: "في كل الأحوال الذائقة حاكمة عند تقييم أي عمل إبداعي، ولا يمكن إنكار ذلك، ومسألة المعايير تراكمية وهي ابنة سياق ممتد لتطور النوع الأدبي"

الذائقة الشخصية هي المعيار الرئيس

يتابع محمود أن عملية التحكيم تخضع لقواعد يجري إقرارها في أول اجتماع للجنة، وعبر معايير تكون محل اتفاق، سواء ما يتعلق بالتجديد وطبيعة البناء الفني، رؤية العالم، سلامة اللغة وغير ذلك من الأمور، وفي كل الأحوال الذائقة حاكمة عند تقييم أي عمل إبداعي، ولا يمكن إنكار ذلك، ومسألة المعايير تراكمية وهي ابنة سياق ممتد لتطور النوع الأدبي.

ويضيف: "ويحدث أحياناً أن تجد في حيثيات فوز عمل بالجوائز كلاماً عجيباً قد لا يعجبك، لأنه في النهاية تعبير عن ذائقة نظرية مجردة، يختار ناقد رواية مثلاً لأنها تتحدث عن الأقليات، أو تتعرض لقهر السلطة للمواطنين، أو تكشف المستور، أو أنها ما بعد حداثية... مع أن هذه الأحكام لا علاقة لها بمساهمة هذه الرواية في تطور النوع، بما يفتح سؤاله مجدداً على مجتمع أوسع وأرحب، وهذه مهمة الأدب من وجهة نظري".

اختيار الذائقة

في حديثه لرصيف22، يتفق الكاتب المصري أحمد ناجي مع وجهة نظر سيد محمود، حول أن الذائقة الشخصية هي معيار التقييم، بعد تحقق الشروط مثل سنة الإصدار وما إلى ذلك، إذ إن في الأدب والفن لا توجد درجات للتقييم، وبالتالي يخضع الأمر لذائقة لجنة التحكيم، ويتابع الحديث حول ما الذي يحكم هذه الذائقة؟

ويجيب: "إن هذه الذائقة محكومة باختيار لجنة التحكيم، والتي هي رهن اختيار مجلس أمناء الجائزة"، ويشير إلى أن جائزة "البوكر" العربي هي جائزة حكومية تقدمها حكومة أبوظبي ودولة الإمارات، التي تعلن أجندة سياسية ثقافية واضحة ومحددة هي "الترويج للأدب العربي"، وبناء على أجندتها تختار أعضاء لجنة التحكيم لخدمة هذه الأجندة خلال دورات الجائزة، ويضيف أنه "لدى مجلس أمناء الجائزة توجه للأعمال والروايات التي تقوم بدور التأريخ الاجتماعي، ومنذ تأسيس الجامعة، نجح مجلس الأمناء في اختيار أعضاء لجنة التحكيم، ما يجعل جائزة البوكر جائزة ناجحة لأنها تؤدي غرضها الأساسي في النهاية".

كيف تؤثر الجوائز في المشهد الأدبي؟

وحول ما إذا كان هناك من فائدة للجائزة، يوضح ناجي أنها تتمثل في عائدها المادي، 50 ألف دولار للفائز الأول، و10 آلاف لكل من بقية مرشحي القائمة القصيرة، إذ يرى ناجي أن الكتّاب أسرى للمال السياسي في الدول العربية، وبالتالي مصدر رزقهم يعتمد بشكل كبير على الجوائز والمنح، وفي ظل عدم وجود قدر كاف من الجوائز، وغياب الصناعة الأدبية أو الثقافية بما يخدم الاقتصاد ويخدم الكتاب معيشياً، يتبدى قدر كبير من التصارع والتناحر على هذه الجوائز.

بقدر ما، يتفق الكاتب والمترجم المصري نائل الطوخي مع هذا الرأي، إذ يعتبر، في حديث لرصيف22، أن "المسابقات والجوائز الأدبية، بدءاً من نوبل للأدب وحتى ساويرس مروراً بالبوكر، خلقت نوعاً من التنافسية والتي بطبيعتها تضع الكاتب في سياق ضيق من تناحر الغيرة بين المتنافسين، والانشغال بالمقارنات معهم وموضوعاتهم، وبالتالي فكثيراً ما يتحول الكاتب والفنان إلى نموذج استهلاكي، يحدد أفكاره طبقاً لأجندة الجوائز المعلنة، أو التي يتوقع أن تلفت نظر لجان التحكيم ومجالس أمناء الجائزة، ويضيف أن هذه المسابقات من شأنها سحب الفنان من عالمه الرحب المتحرر إلى حيز ضيق من الموضوعات والمعايير التي تؤهله للفوز بالجوائز".

يرى الكاتب نائل الطوخي في حديث لرصيف22، أن "المسابقات والجوائز الأدبية، خلقت نوعاً من التنافسية والتي بطبيعتها تضع الكاتب في سياق ضيق من تناحر الغيرة بين المتنافسين، والانشغال بالمقارنات معهم وموضوعاتهم، وبالتالي فكثيراً ما يتحول الكاتب والفنان إلى نموذج استهلاكي"

فيما يرى سيد محمود أن "الجوائز ببريقها الإعلامي تلعب دوراً أساسياً في توجيه سلوك القراء بشكل استهلاكي، ومن ثم تظل خطورة الجوائز بالفعل بعيدة عن مسألة نجومية الكتاب التي قد تصنعها الجائزة، هي سيادة معايير استهلاكية، أو تسويق 'قضية' والإعلاء من شأن 'نموذج الأدب السطحي' أو 'الكيتش' الذي وصفه كونديرا بأنه يشبه الأدب!"، ويضيف: "لا يمكن فصل الحديث عن الجوائز الأدبية عن ظاهرة شاعت في عالمنا العربي وتكرست مع انطلاق الجوائز؛ وهي ظاهرة الكتاب 'الأعلى مبيعاً'، وعلى الرغم من غياب المؤشرات على اتجاهات القراءة في العالم العربي، إلا أننا يمكن أن نلاحظ بسهولة ارتفاع مبيعات الأعمال التي تحصل على جوائز".

وهو ما يراه جبور الدويهي ميزة إضافية للجوائز، إذ يقول: "الجوائز مفيدة بالطبع؛ تشجع الكتاب وتضاعف مبيعاتهم، وهي بطبيعتها غير موضوعية، إذ أين الموضوعية في التقييم الأدبي؟"، ويتابع أن "جائزة البوكر أفضلها، وهي شفافة، ولو أنه يحق للبعض منا الشكوى".

من الجدير ذكره، أن لجنة تحكيم جائزة "البوكر 2020" تضم خمسة أعضاء هم: محسن جاسم الموسوي، الناقد العراقي وأستاذ الدراسات العربية والمقارنة بجامعة كولومبيا- نيويورك، وبيار أبي صعب، الناقد والصحفي اللبناني، ومؤسس صحيفة "الأخبار" اللبنانية، والأكاديمية والباحثة الروسية، فيكتوريا زاريتوفسكايا، التي نقلت العديد من الروايات العربية إلى الروسية، والروائي الجزائري أمين الزاوي، أستاذ الأدب المقارن والفكر المعاصر، والإعلامية والصحفية المصرية، ريم ماجد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard