قصّتي مع "البنيّة التونسية" لينا بن مهني… ومع البلاد

الأربعاء 5 فبراير 202003:10 م

هي "اللّتي" فتحت السّبيل أمام "عين العالم" كي يرى ما يحصل في قصرين وفي سيدي بوزيد، ذات ديسمبر وجانفي منذ سنين مضت. لينا بن مهني، هي اللّتي شقّت طريقاً للنور التونسي كي ينطلق في العالم ثورة.

هي "اللّتي"، حين تشتد عليك الحياة بين الخاص الحارق والعام السالخ للحم، تهوّن عليك. وتعلم أن "هناك لينا"، فلا بأس إن استلقيت لمتاعبك الخاصة. فهي هنا، تواصل العمل. تواصل الدفاع عن حلم للحياة بعدل وكرامة.

هي "اللّتي" لن تترك الظلام وحده يعمّ المكان.

هي "اللّتي" تفكّر بها متى اعترضك إنسان يحمل أثر القهر والظلم في جسده.

ما داعي الاستفاقة على وطن بلا لينا؟ لازلت أرفض هذا، عزيزة قلبي.

هي "اللّتي"، بـ "لام" زائدة على النحو العربي القديم. هي نحو جديد، ولغة جديدة، تنحت حذو "تاء" المؤنث "لام لينا". "هي التي" حرّك فعلها أصنام لغة لتضيف بذكراها حرفاً، فتصبح كلمة "اللّتي" ذات معنى آخر، غير خطأ الرسم.

لا أذكر من كان من أباطرة الرومان، لكن أذكر أن أحدهم قال يوماً: "تلك الفتى" فاعترض على كلامه نحوي المجلس، فأجاب: "أنا إمبراطور لغتي". كذلك الأثر اللّذي تركته على الأرض تلك الأنثى، دليل المساواة المطلقة، يحق له أن ينتصب إمبراطوراً على اللغة ويحفر اللام حفراً، "لام" لينا "اللّتي| مرّت بنا.

فاصل ذاتي: كم أشعر بالفخر والامتنان إذ كان لي الحظ بأن أعاصرك عن قرب. قرأت عن العظماء وصانعي التاريخ كثيراً حين كنت طفلاً، وتمنيت أن أعرف منهم أحداً، ثم كبرت، وها أنت، عشت معك نفس الزمان ونفس المكان. ما أجمل أن تدرك أن أحد أحلام طفولتك قد تحقّق.

خريف 2008، أحد ليالي العمل الساهرة حتى الفجر بإحدى الشركات. المكتب خال حتى من صوت الصراصير، وبين الفينة والأخرى، أشيح نافذة تطبيق العمل للانغماس في نقاشات على موقع أزرق. لم يكن في حسابي العديد من الأشخاص، وكنت مع سفيان شورابي نمضي الوقت في تسيير مجموعة عن المساواة في الميراث، محاججين كل أنواع المعترضين. لمحت صوتها هناك، وصار المكتب صاخباً، مستهجناً. فجأة، صارت تدخلاتنا أكثر حماسة وأكثر جرأة، الأمر لم يعد نظرياً افتراضياً، الأمر إنساني وواقع، صوت لينا كان الدليل على ذلك.

أمضينا الليل في الحديث. مضى بنا الحديث إلى مشاكل الحياة حين تحاول إخراج رأسك من الأغطية المفروضة، وإلى أهمية الحفاظ على الأصدقاء والعائلة دون إضاعة الذات. دون دخول في التفاصيل، أدرك كل منا وضعية الآخر. فقط هي "محنة" تأتي للواحد فينا، فتلازمه طيل الحياة.

هنالك من يستطيع فسخ ما رآه، وهنالك من لا يستطيع، وهم قلّة. بين الذين لا يستطيعون فسخ ما رأوا، هنالك من يتمتع وهنالك من يستهجن، وهم قلّة. وبين المستهجنين هنالك من يستكين للهزيمة، وهنالك من يحاول الانتصار، وهم قلّة. أولئك هم المحاربون، قلّة من قلّة من قلّة. هذا ما يجعل من لينا ذلك الكنز النادر: كلما رأت ظلماً، تتحرّك للتنديد والتنكيل به بكل ما أوتيت من أسلحة.

"نهج نابلس": هناك لمحتك أول مرة. إضراب الجوع الألف بعد المليون. لم نتحدث كثيراً في السياسة، لم يكن ذاك اهتمامك. كنت ترين المظلومين والمظلومات وحكاياتهم وحكاياتهن وترددينها أينما استطعت. ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن

"نهج نابلس": هناك لمحتك أول مرة. إضراب الجوع الألف بعد المليون. لم نتحدث كثيراً في السياسة، لم يكن ذاك اهتمامك. كنت ترين المظلومين والمظلومات وحكاياتهم وحكاياتهن وترددينها أينما استطعت. ولم يكن ذلك بالأمر الهيّن. وكنت أرى كذلك الاستغراب الحاسد في نظر العديد. العديد كان يرى فيك فرصة لحياة الرّفاه، إن جاءته لاهتمّ بتحصيل الرّفاه. فتاة شابة تمكنت من الدراسة بالخارج. العديد كان ينظر إليك وأنت تعينينه على استرجاع حقه متسائلاً بصمت: "لماذا عدت إلى تونس، لماذا لم تستغلي الفرصة للهجرة؟"، والعديد كان يرى صرخات جسدك في تناقض مع قوة العمالقة التي تفعّلينها دفاعاً عن حق مظلوم. كما لمحتك أول مرة، ظللت سؤالاً للعديدين من الذين يرون وينفون ما رأوا، ناصبين للأوهام ذاكرة.

مايو 2010، اقترب موعد التحرك من أجل المطالبة برفع الحجب، وصار لابد من المرور إلى لقاء مباشر لمجموعة العمل المتواجدة بتونس. التقينا في حانة "المالوف". طاولة جمعت أناساً لن يجتمعوا بعدها. أصررتِ على الإمضاء على مطلب المظاهرة، وأصررتُ على الرفض وإقناعك بالعكس. كنت أخاف عليك مضايقات أخرى، وكنت تنفرين من أي إحساس بالخوف. اتفقنا أن تكون تلك الخطة الثانية، فابتسمت، وصرنا أصدقاء. لا أذكر أننا احتجنا حتى النقاش في مثل هاته الأشياء منذ ذلك الحين: "ماذا تعتقد أن عليّ أن أفعل؟"، ظل سؤالنا المشترك الوحيد، دون إيغال في المحاججة.

لم نحتج التنسيق في ديسمبر 2010. من ماي، انغرست قناعة دينية في عمودي الفقري: هنالك لينا. ستفعل ما تعلم وتستطيع فعله. سأفعل ما أعلم وأستطيع فعله. لا تقف حركة إن اختفى أحد أفرادها بحكم الإيقاف، هنالك لينا وهنالك سفيان وهنالك نجيب وهنالك عصمت. لن أنسى ما حييت جمال هذا الإحساس، أن تستلقي بينك وبين روحك في مكتب التحقيق مطمئناً أنك لست وحدك. سواء في جانفي 2011 أو ماي 2014. هنالك لينا، فلا فائدة من التفجع والمخاوف. ومن ثم امتلأت الذاكرة بالمشترك. ليس أجمل من أن تكون صديقاً لمحاربين. ليس أمتع في الحياة من الوقت الذي تمضيه مع المحاربين.

من ألاعيب الذاكرة ضياع اللّغة عن دفء المُعاش وكثافته وارتعاشه، ومن ألاعيب العاطفة محبّة الاحتفاظ بأشياء للذات، تميّزها عن غيرها.

العديد كان يرى فيك فرصة لحياة الرّفاه، إن جاءته لاهتمّ بتحصيل الرّفاه. فتاة شابة تمكنت من الدراسة بالخارج. العديد كان ينظر إليك وأنت تعينينه على استرجاع حقه متسائلاً بصمت: "لماذا عدت إلى تونس، لماذا لم تستغلي الفرصة للهجرة؟"

حين تنظر لي لينا، موجهة بؤبؤي عينيها إلى الأعلى، بحدّة تتناثر شرراً، ونصف ابتسامة، فاعلم أن "وقت العرض" قد حان، وأن متعة التصعيد والمواجهة قادمة، مواجهة عازمة لطوفان شديد التيار. سواء في مظاهرة، أو في مسامرة، أو في اجتماع، أو في أي محضر قد يتخيله الفرد. ننزع الفرامل لننقلب صوتاً عارياً للأفكار كما هي. تلك هي متعة التواجد مع لينا.

أشهر الثورة الأولى 2011، عشاء غير رسمي مع وزير الخارجية الفرنسية حينها، آلان جوبي. ديبلوماسية متبلدة وطروحات تنافس ترّهات كرونيكور متبلد الذهن. ثم أعطت لينا شارة الانطلاق دون اتفاق مسبق. تلك النظرة المتقدة. إن كنت هنا لإلقاء الدروس، فأنت تفسد السهرة يا سيد جوبي، وإن كنت هنا لإعطاء الأوامر أو تلقي المعلومات، فأنت تفسد السهرة يا سيد جوبي، إن كنت هنا لتهنئتنا بالثورة، فاصمت وتمتع بالسهرة يا سيد جوبي. ذاك كان العرض حينها، وسط أعين الجميع المندهشة من جرأة فتاة نحيفة على القول والإفصاح.

جوان 2013، أمام محكمة بن عروس، قضية ولد الكانز: تم طرد من كان حاضراً وإيقاف اثنين وسط المحكمة، ورش الغاز المسيل للدموع. بحكم أني منعت من الدخول، كنت خارج ساحة المحكمة، ألملم الغضب والقهر والخوف. صوت لينا ونظرتها كانتا كافيتين ليتحول الطرد إلى مظاهرة ومواجهة، ثم كرّ وفرّ. صب شجعان الدولة حينها جام غضبهم عليها. أرادوا إيقافها فافتككناها، فلينا خط أحمر.

فاصل ذاتي: كلما أغمضت عيني ناطقاً في الروح اسم لينا، تمر بخاطري صور لها وهي في مواجهة أسطول من الأعوان. شكرا لك بلادي على هاته الذاكرة، هذا من حسن ما تبادرين به أبناءك.

جوان 2013، أسبوع بعد ما حصل ببن عروس، لقاء دولي أو هو مؤتمر، لا أذكر، يحتفي بحرية الإنترنت وتلك المفردات التي تسمح لعديد الشاغرين بالتجوال والتمتع بوهم الصورة. اتفقنا أن نلتقي هناك وأن نفعل كل ما نقدر على فعله.

أحد المنظمين لمح في البهو وجود عديد "المدونين البارزين"، فأسرع بإقناع أحد السفراء "هولندا أو السويد، لا أذكر. لم أهتم حينها بهذا التّفصيل"، بتنظيم لقاء خاص مع المدونين. وذاك ما تمّ، بعد أن اقتنع الجميع بودية اللقاء. ذهبنا إلى قاعة محاطة بالحراس الخاصين. ابتدأ اللقاء. ثم نظرت إليّ لينا … تلك النظرة أعطت شارة البدء لحفل من الحديث المباشر: "تأتي للاحتفال بحرية الإنترنت في بلد لازال يسجن من أجل محتوى على الإنترنت؟ ما نطلبه هو الشجاعة والتعامل بالمثل، كما ترى لبلادك انظر للبلاد التي تستقبلك". لم نغادر المؤتمر إلا بعد أن ضمنا تصريحات وبيانات ومراسلات لرئاسة الحكومة بخصوص الخروقات. لم يكن اللقاء ودياً، ولا مجموعة اللقاءات التي تلت. وكانت الإشارة دائماً نفسها: نظرة، فابتسامة، فانفجار.

في المظاهرة، تعني تلك النظرة شيئاً واحداً فقط: ارفع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام وتقدم كي يتحرك الجميع".

لن أنسى ما حييت جمال هذا الإحساس، أن تستلقي بينك وبين روحك في مكتب التحقيق مطمئناً أنك لست وحدك. هنالك لينا، فلا فائدة من التفجع والمخاوف. ومن ثم امتلأت الذاكرة بالمشترك. ليس أجمل من أن تكون صديقاً لمحاربين. ليس أمتع في الحياة من الوقت الذي تمضيه مع المحاربين

خريف 2019، في إحدى الأماكن في قمّرت، حفل "لاباس". لقاء خاص حول الحزن وتحويله إلى صديق. في الأثناء، تحول الحديث المحيط إلى أمور جدية: الانتخابات والتبعات والمتتبعات. نظرة، فابتسامة: "ماذا نفعل؟"... "فلنرقص بشغب"… كم أحببت الرقص معك، على وقع نظرات المحتمين وراء أحكام وصور مسبقة.

ماي 2013، احتفالاً بالثلاثين، سمحنا لأنفسنا باستضافة آلهة السعادة والنشوة ناشرين دستور الفرح بيننا. انحنيت على ركبتي احتراماً للحكاية الرومانسية التي قصها علينا العم الصادق، بينما أجابت آمنة برد جعلك تنحنين ضحكاً.

إن كان من ذكرى أحملها ترياقاً كل يوم، فهي ذكرى تلك الليلة، 22 ماي 2013. ضحكنا دون ملل، ثم في لحظة ما، حين بدأ الجميع يحسون بالتعب، نظرة فابتسامة. كانت قارورة الفودكا تتلألأ كالعروس المغناج. أذكر أننا فتحناها. لم أكن أعلم حينها أن خلط أكثر من خمس أنواع من الكحول ليس بالضرورة فكرة جيدة. وهو ما تعلمته لاحقاً. أذكر أننا فتحناها. ثم أذكر أني استفقت صباحاً، في الدندان، دون حذاء. لازلت للآن أبحث عن "الكونفارس"... ظلت هاته النادرة عبارتنا المفضلة: "وينو الكونفارس"… لم أجده، ولا أظن أنني سأجده.

اللغة هي السلطة الحقيقية، والتعامل معها لا يتم حسب الطرق الكلاسيكيّة إن أردنا مقارعتها. كلما كان الخصم/العدو أقوى، كلما كانت المواجهة أمتع، أليس كذلك؟ من مكاني الصغير هنا، سأحفر في جسد اللغة لام لينا وشماً أزلياً.

هي "اللّتي" اخترقت عبيد الموت حتى لحظة المغادرة.

هي "اللّتي" أنارت ثلاثة أجيال كالنجم الثاقب.

فاصل أناني: ما داعي الاستفاقة على وطن بلا لينا. لازلت أرفض هذا، عزيزة قلبي.

يُنشر هذا النص بالتزامن مع نشره في مدونة عزيز عمامي الإلكترونية، تكريماً لروح وحياة الناشطة التونسية، لينا بن مهني. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard