أم كلثوم… النسوية المحبّة غير الخاضعة في مجتمع من الرجال

الأربعاء 5 فبراير 202001:20 م

"كان الصباح لا زال مبكراً، حين أخذت الجموع طريقها إلى الميدان الكبير، فلكم أعطتهم الحب! ولكم عاشته معهم عميقاً، صافياً ونقياً، ويستمر التدفق على الميدان من كل صوب وكل اتجاه، ويضيق المكان على سعته، حتى تزدحم كل شرفة أو نافذة تطل عليه، ويقفل كل شارع أو طريق يؤدي إليه".

هكذا علّق الإعلامي جلال معوض على جنازة كوكب الشرق أم كلثوم، في الساعات الأولى من صباح الأربعاء، 5 شباط/ فبراير 1975، حين خرجت جنازة مليونية لوداع كوكب الشرق، من مسجد عمر مكرم بميدان التحرير بوسط القاهرة، كانت الجرائد قد أعلنت موعد الجنازة في تمام الحادية عشر صباحاً، لكن الجماهير سارعت مبكرة لحضور الجنازة قبل ساعات من موعدها.


الست… بالتعريف

كانت الجنازة مهيبة وضخمة، شعبية ورسمية؛ الجميع باختلاف طبقاتهم وأعمارهم خرجوا لتوديع الست، التي استحقت أن تكون "الست" بالتعريف، رغم ظروف الزمان والمكان، إذ ولدت فاطمة إبراهيم البلتاجي في ظرف زماني مكاني، لم يكن للفتيات فيه غير مسار واحد: الزواج المبكر، الإنجاب المبكر والحياة التقليدية حتى الموت، لكن موهبتها التي كللتها بالدأب والجهد، أوصلتها في النهاية لتصبح إحدى أعمدة المجتمع المصري في القرن العشرين.

فرضت طبيعة الحياة الريفية في مطلع القرن العشرين، على الطفلة فاطمة البلتاجي، التي ولدت داخل منزل بسيط بقرية فقيرة، تبعد عن العاصمة عشرات الكيلومترات، أن تختلف الروايات على تاريخ محدد لميلادها، ما بين كانون الأوّل/ ديسمبر 1898 وأيار/ مايو 1904، لكن الطفلة الموهوبة بصوت قوي، ذي مساحات واسعة، كان لابد أن تقوم بأدوار الرجال في ذاك الزمن، إذ التزمت بالعمل مع والدها لتوفير دخل يساعد الأسرة في نفقاتها، وشيئاً فشيئاً بدأت تكتسب مساحات أكبر، ارتدت زي الفتيان لتصبح الصوت الأساسي للفرقة المكونة منها وأخيها وأبيها، اللذين تراجعا ليكونا بطانتها الغنائية، تحفظ القرآن، تذاكر المقامات وتمارس تدريبات لتنظيم النفس وتقوية الصوت الذي صار المصدر الرئيس لدخل الأسرة، من الحفلات وليالي الإنشاد التي تسافر لإحيائها.

في العشرينيات كانت خطوة الهجرة من الريف إلى العاصمة "القاهرة" قراراً صعباً، وبخاصة على النساء، لكن الشابة فاطمة البلتاجي خطت نحو القاهرة بعد إلحاح من الشيخ أبو العلا، لتبدأ منحى جديداً في مسارها المهني والفني، هذه الخطوة تعد تأسيساً لأسطورتها الفنية الكبرى

التحرر من سلطة الأب

في العشرينيات كانت خطوة الهجرة من الريف إلى العاصمة "القاهرة" قراراً صعباً، وبخاصة على النساء، لكن الشابة فاطمة البلتاجي خطت نحو القاهرة بعد إلحاح من الشيخ أبو العلا، لتبدأ منحى جديداً في مسارها المهني والفني، هذه الخطوة تعد تأسيساً لأسطورتها الفنية الكبرى، لتبدأ بعدها التخلي عن سمت الرجال وأزيائهم الذكورية "الجبة والعقال"، لترتدي الفساتين كما ترتدي آنسات القاهرة، وتتخلص شيئاً فشيئاً من سلطة الأب، الشيخ إبراهيم البلتاجي، وتبدأ الاستعانة بأصدقاء جدد هم أحمد رامي وأسرته، رامي سيعاونها في فتح مداركها الشعرية وتحسين ذائقتها الأدبية، بينما تعلمها أخواته قواعد الإتيكيت واللياقة المدينية، والملحن محمد القصبجي الذي سيلعب دوراً في إعدادها فنياً ومعنوياً، لتشكيل فرقتها الخاصة وأول تخت موسيقي لها، ليكون بديلاً عن بطانتها القديمة من المعممين التي كانت تصاحبها، وشكلت مع رامي والقصبجي ثلاثياً مؤسساً لتجربتها الغنائية الواسعة.


تقول الكاتبة النسوية الدكتورة نوال السعداوي، إن "تمردها الجزئي بخروجها من القرية إلى المدينة وترك الإنشاد الديني، لم يكن قراراً إرادياً ذاتياً، بل كان مدفوعاً بأب ثائر متمرّد ساندها"، لكنها وبشكل ما تمردت على خيارات أبيها أيضاً، على مستوى المعيشة وعلى مستوى الغناء، إذ لم تكن خيارات أم كلثوم الغنائية صائبة على الدوام، ففي منتصف العشرينيات وبعد قدومها إلى القاهرة، وقبل تكوينها هيئتها الاستشارية، رامي والقصبجي، طرحت أغنية "الدلاعة والخلاعة مذهبي" التي أثارت حفيظة معجبيها، فجمعت كافة النسخ الصادرة منها لتحد من انتشارها، وهو ما نجحت فيه بالفعل، قبل أن تضع ملامح مشروعها. ومنذ الثلاثينيات تربعت أم كلثوم على قمة الأغنية المصرية والعربية، لا سيما الأغنية النسائية: ارتفع نجمها وصارت مرغوبة لإحياء حفلات وجولات فنية، في مصر، فلسطين، الكويت ولبنان.

"عظمة يا ست"

في وقفتها على المسرح، أمام جمهور يجمع بين النساء والرجال، وخلفها فرقة عازفين من الرجال، يمكن النظر إليها باعتبارها الأنثى التي تحكم الرجال بصوتها وحركاتها على المسرح، فالفرقة تتحرك بناء على رغبتها وتصاعدها في الغناء وتحولاتها بين المقامات، وفي الوقت نفسه تدخل في علاقة مزدوجة مع الجمهور، تتنوع بين التحكم في مزاجهم والتأثير فيهم بغنائها، والخضوع لسلطة كونهم جمهوراً دفع أموالاً للاستماع إليها، لكن مع الوقت اكتسبت أم كلثوم قوة التأثير والتحكم واستطاعت سلب سلطتهم كجمهور، إذا كان المحظوظون فقط من يمكنهم الحصول على تذكرة لحفلها قبل أن تنفد، رغم ارتفاع أسعارها.


خيارات الأغنية النسوية

في سياقها الزمني، استطاعت أم كلثوم تغيير النظرة المجتمعية للمرأة المطربة، فبعدما كانت المطربة امرأة لعوباً تغني للرجل، وتطلب أن "يرخي الستارة" أو "بعد العشا يحلى الهزار والفرفشة" أو "على سرير النوم دلعني"، صارت الموجة الغنائية التي قادتها وغلبت عليها أم كلثوم هي الغناء للحب وتساؤلاته، وتحولت فيه المرأة إلى نموذج للمرأة القوية المحبة غير الخاضعة لرغبات الرجل، ففي خياراتها الغنائية تمثّلت نموذج المرأة المحبة، القوية، غير الخاضعة، في عدة أغنيات مثل "ما تصبرنيش بوعود وكلام معسول وعهود، أنا ياما صبرت زمان، على نار وعذاب وهوان، وأهي غلطة ومش حتعود"، أو المرأة المتحدية لحبيبها، مثلما كانت في "مادام تحب بتنكر ليه"، إلا أنها أيضاً أظهرت نبرة القهر في بعض أغنياتها الأخرى مثل "يا ظالمني"، التي تقول في بعض كلماتها "يا ظالمني يا هاجرني، وقلبي من رضاك محروم، تلوعني وتكويني، تحيرني وتضنيني، ولما أشكي تخاصمني، وتغضب لما أقولك يوم يا ظالمني، حرام تهجر وتتجنى وتنسى كل ما جرى لي، واقضي العمر أتمنى يصادف يوم وتصفى لي، صبرت سنين على صدك، وقاسيت الضنى ف بعدك، عشان تعطف علي يوم"، هذه المعادلة التي صنعتها في أغنياتها، ربما شكلت وببطء، نظرة وجدان الجمهور العربي ونظرته للمرأة المحبة والمحبوبة خلال هذه الفترة.

استطاعت أم كلثوم تغيير النظرة المجتمعية للمرأة المطربة، فبعدما كانت المطربة امرأة لعوباً تغني للرجل، وتطلب أن "يرخي الستارة" أو "على سرير النوم دلعني"، صارت الموجة الغنائية التي قادتها وغلبت عليها أم كلثوم هي الغناء للحب وتساؤلاته، وتحولت فيه المرأة إلى القوية المحبة غير الخاضعة لرغبات الرجل

الست في مواجهة التغيرات

كانت أم كلثوم واحدة من مراكز القوى في المجتمع، كلمتها ذات اعتبار، ودعمها للنظام يعني الكثير، ولذلك استطاعت حفظ مكانتها وقوتها في ظل التغيرات السياسية المتلاحقة على مصر، احتفظت بعلاقة طيبة بالملك فاروق وأسرته، وجمعت التبرعات للحرب العربية في فلسطين، وغنت للجنود المحاصرين في الفالوجا بناء على طلبهم، كما ظلت محتفظة بتلك المكانة حتى بعد قيام حركة ضباط الجيش التي غيّرت طبيعة الحياة في مصر، لاسيما المشهد الفني، فساهمت في تثبيت قواعد النظام الجديد، بالغناء للجيش والثورة ونجمها جمال عبد الناصر، ربما بدافع النجاة مما طال غيرها من الفنانين، وشاركت في جمع التبرعات أيضاً للجيش المصري بعد نكسة 1967، وتبدت هذه المكانة التي حظيت بها في أنها رفضت السفر للعلاج، مفضلة أن تعالج في مستشفى المعادي العسكري، قبل أن توافيها المنية ويقيم لها الجيش جنازة رسمية شعبية في 5 شباط/ فبراير 1975.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard