لماذا تحارب الدولة المصرية سيد قطب وتحتفي بالشعراوي؟

الثلاثاء 4 فبراير 202006:58 م

"قرّر الإسلام عقوبة معجلة للمرتد عن الدين، فضلاً عن عذاب الآخرة، والعقوبة هي القتل، ولا يعتبر مرتكب الجريمة قاتلاً، بل يُعزر فقط لأنه اعتدى على حق الحاكم"، هذا ما كتبه السيد سابق في كتابه "فقه السنة"، المشهور بصرف النظر عن شهرة كاتبه.

ومنذ أيام طرحت قنوات "دي أم سي" فيلماً وثائقياً عن سيد قطب، المرشد الروحي لجماعة الإخوان، وأبرز التكفيرين في القرن العشرين، وسلط الفيلم الضوء على أفكاره الظلامية ودوره في إرهاب الملايين، كما أوضح شخصية "قطب" المضطربة، وجاء هذا بعد وثائقي آخر عن "عبد الرحمن السندي"، أول زعيم للتنظيم الخاص للإخوان.

فأغلبنا بات يؤمن بالأشخاص لا الأفكار، فإن صدرت فتوى مِمَن تصفهم الدولة بـ"التكفيرين" نرفضها، لكننا نقبل مثلها شرط أن يظهر قائلها على شاشة التلفزيون.

لم يحتو الفيلم على أي جديد مقارنة بما تم طرحه من قبل، لا زوايا جديدة أو معلومات أو حتى تفسيراً مختلفاً، وربما قد أتفهم أن الدولة اتبعت أسلوب التكرار ليترسخ وعي المواطنين بالأفكار الإرهابية ومروّجيها، لكن ما لا أقدر على فهمه أن الدولة حصرت الأفكار الإرهابية في رموز جماعة الإخوان، وتجاهلت غيرهم، وهم لا يقلّون إرهاباً عن سيد قطب وحسن البنا.

أعود للسيد سابق واسأل: لماذا لا ننتج فيلماً وثائقياً عن رجل فاق قطب في التكفير، بتأكيده في الجزء الثاني من "فقه السنة" أن من "يسب الدين" ولو في مشاجرة، أو يتبع "القوانين الوضعية"، أو "يستخف بأسماء الله الحسنى" هو مرتد ويجب قتله؟ بل إن "سابق" تخطى جميع من سبقوه بقوله إن "الكافر" إن أراد تبديل دينه الأصلي يجب قتله فيما عدا الإسلام، أي لو مسيحي قرر أن يصبح يهودياً أو العكس، يجوز للمسلم قتله. هذا رجل أباح دماء العالم، وكتابه في كثير من البيوت المصرية باعتباره إماماً وسطياً، خاصة أنه حصل على جائزة الملك فيصل لتجديده في الفكر الإسلامي!

إن الإرهاب ليس حصراً فقط على جماعة الإخوان، هنالك أسماء عديدة يختلفون تنظيمياً لكنهم يتفقون على نقطة هي برأيي منبع الإرهاب، أن يمنح أحد نفسه الحق في الحكم على إيمان الآخرين، وبالتالي تكفيرهم ثم محاربتهم، وهي سبب لمعظم الجرائم الإنسانية

السؤال نفسه ينطبق على عبد الصبور شاهين، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة القاهرة، ومستشار لأحد شركات توظيف الأموال التي استولت على أموال المصريين، ضمن فضائح "الشركات الإسلامية" في تسعينيات القرن الماضي.

هذا الرجل الذي شغل منصب عضو لجنة ترقيات الأساتذة بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، هو أول من تحرّك ضد المفكر نصر حامد أبوزيد، وادعى أن كتاباته مخالفة للعقيدة، ثم أفتى بارتداده عن الإسلام ووجوب تفريقه عن زوجته، وهو ما حدث بحكم قضائي لاحقاً، ليبدأ عصر ما عُرف بـ"قضايا الحسبة"، والتي كانت مهمتها الأولى والأخيرة تكفير المفكرين ومن ثم حلّ دمائهم.

ويوضح جابر عصفور في كتابه "ضد التعصب"، أن عبد الصبور شاهين، بمساعدة الشيخ يوسف البدري، حرّكوا دعاوى لتكفير 40 مثقف مصري في تسعينيات القرن الماضي، على رأسهم نجيب محفوظ، الذي تعرض لمحاولة اغتيال في تلك الفترة، ولم ينته الأمر إلا بقانون يقصر تلك الدعاوى على النيابة العامة، في "تقنين" ومشروعية أن يحكم أحد على إيمان أحد.

أما الداعية أبو إسحاق الحويني فلا يحكم على الإيمان، ويتّهم كثيراً من المسلمين بالكُفر ويهدر دمهم، بل يرى أن سبب تخلف المسلمين هو قعودهم عن "الجهاد"، ويجب علينا أن "نغزو" العالم ونأخذ الناس "سبايا".

النماذج كثيرة ولا تقتصر على ثلاثة فقط، ولكن ما وددت قوله، إن الإرهاب ليس حصراً فقط على جماعة الإخوان، ومن سبق ذكرهم يختلفون تنظيمياً لكنهم يتفقون على نقطة هي برأيي منبع الإرهاب، أن يمنح أحد نفسه الحق في الحكم على إيمان الآخرين، وبالتالي تكفيرهم ثم محاربتهم، وهي سبب لمعظم الجرائم الإنسانية.

وكي أكون أكثر وضوحاً، فإن مشكلتنا مع الأفكار لا الأشخاص، ولو تخلى متطرف عن أفكاره فلن يكون هناك ما يُدينه، وإذا اعتنق فرد عادي تلك الأفكار سيتحول وقتها إلى عدو.

ومن هذا المنطلق فإن أي شخص مهما علت مكانته واختلفت طريقته في الحديث، وسواء ارتدى "بدلة" أو "عمامة" فإن فيصل أفكاره هي من سيعطيه مقعده الحقيقي.

لماذا تسلط الدولة الضوء على ظلاميين ممثلين بجماعة الإخوان، بينما تغض الطرف عن بعضهم؟ والإجابة، أن الدولة تسير بنظرية "غض الطرف" طالما أن تلك الأفكار صادرة عن أشخاص لا يقتربون من المنظومة السياسية بأي دعوة أو تحريض، ولا يحلمون بالحكم

ولهذا أطرح السؤال: لماذا لا تحارب الدولة الجميع إن كانت صادقة في مواجهة الإرهاب؟ ولماذا تسلط الضوء على ظلاميين ممثلين بجماعة الإخوان، بينما تغض الطرف عن بعضهم؟

والإجابة، أن الدولة تسير بنظرية "غض الطرف" طالما أن تلك الأفكار صادرة عن أشخاص لا يقتربون من المنظومة السياسية بأي دعوة أو تحريض، ولا يحلمون بالحكم، حتى لو أدى ذلك في النهاية لصنع مجتمع متشدد، ولهذا السبب تحديداً فنحن واقعون بين ثنائية "الإخوان والعسكر".

أما إذا صدرت تلك الأفكار عن جماعات تنظيمية تريد الحكم، فإن الدولة تعلن مواجهة الإرهاب وتستخدم كل الوسائل، من أفلام وثائقية ومؤتمرات، لترسيخ قيم المواطنة وإحلال دولة القانون، ولكن حتى مع تلك الوسائل فإنها تركز على أشخاص بعينهم.

ونتيجة لتلك الازدواجية في التعامل، فأغلبنا بات يؤمن بالأشخاص لا الأفكار، فإن صدرت فتوى مِمَن تصفهم الدولة بـ"التكفيرين" نرفضها، لكننا نقبل مثلها شرط أن يظهر قائلها على شاشة التلفزيون، وكم طالع المصريون تكفيرين ظهروا في تلفزيون الدولة على مدار العقود الماضية.

ولذلك لم أتعجب أنه في الوقت الذي تعرض فيه قنوات "دي إم سي"، المقربة من الدولة، فيلماً وثائقياً عن سيد قطب باعتباره أشهر إرهابي، يبرز خبر أن الشعراوي الذي أفتى أيضاً بقتل تارك الصلاة، يُزين جناح الأزهر بمعرض القاهرة للكتاب، فخطيئة قطب أنه أراد الحُكم، وميزة الشعراوي قوله: "الحاكم لا يُسأل عما يفعل".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard