"هنّ اليوم أكثر من الرجال"... حضور النساء في المقاهي الشعبية السورية

الاثنين 3 فبراير 202003:35 م

الشهر الماضي، وأثناء جولتي في مقاهٍ ومطاعم تراثية في دمشق، تحضيراً لكتابة مقال عنها، استوقفتني فكرة قالها أبو صالح الرباط، مدير مقهى النوفرة الشعبي بدمشق، في معرض حديثه عن تاريخ المقهى والتغيرات التي طرأت عليه منذ تأسيسه وحتى اليوم.

قال لي إن المقهى الأثري الذي يقدر عمره بحوالي مئتين وثلاثين عاماً، والذي كان حكراً على الرجال، فتح أبوابه لاستقبال الزبائن من كلا الجنسين عام 1996، تزامناً مع ظهور مادة "المعَسَّل".

"إن الأحداث التي مرت بها البلاد في السنوات التسع الأخيرة كان لها دور كبير في تغيير طبيعة المجتمع، وطبيعة أدوار الرجال والنساء فيه"

تذكرت لحظتها صورة من طفولتي المبكرة: كانت جارتنا، بوجهها المجعد ونظارتها السميكة، تمتدح ابنتها المقبلة على الزواج وتقول إنها "بنت بيت" وأن أخلاقها عالية، بدليل أنها "ما عندها طلعات وفوتات، وما بتفوت على القهاوي"، وأذكر أنني يومها استغربت كثيراً أن يكون عدم الدخول إلى "القهاوي" ميزة إيجابية.

لذلك فكرت أنه سيكون أمراً شيقاً أن نبحث عن التاريخ الذي بدأت فيه النساء بدخول عالم "المقهى الشعبي" الخاص بالرجال في سوريا.

"المعسل" والنساء و"حسب السوق منسوق"

يقول أبو صالح في لقاء مع رصيف22: "بدأ الأمر مع المعسل كنوع من ملاحقة الموضة الجديدة، والرغبة بتجربة هذا الصنف الجديد من الدخان الحلو والمنكّه بطعم الفواكه، والذي اجتذب النساء على عكس التنباك الشائع منذ زمن طويل، وذي الطعم الحاد"، ويتابع بأن النساء بدأن أولاً بالقدوم مع أزواجهن، ومن ثم أصبح وجودهن مألوفاً أكثر فأكثر، لوحدهن أو في مجموعات، و"هنّ اليوم أكثر من الرجال".

وعند سؤاله عن ردة فعل رواد المقهى من الرجال حول تواجد العنصر النسائي، قال: "في البداية كان وجودهن مستغرباً بعض الشيء، وكنّ في الغالب سائحات أجنبيات، أو طالبات جامعيات وخاصة من كليات الفنون، بعضهن كن يأتين ويرسمن الزبائن والحكواتي على دفاتر ورقية كبيرة".

مقهى النوفرة في دمشق (بعدسة: عمر ملص)

مع الوقت أصبح وجود النساء معتاداً ومألوفاً ولم يعد يقتصر على نماذج محددة، وأصبح الزبائن أقل استغراباً كما يشرح أبو صالح، "وكإدارة رحبنا بهذا التغيير وتكيفنا معه. السوق يفرض شروطه، وعلينا أن نكون مرنين".

ويبدو أن هذه المرونة بلغت درجة عالية، فخلال زيارتك للمقهى لا بد من ملاحظة وجود هيام، وهو اسم مستعار لسيدة تجلس خلف طاولة المحاسبة مع ابنتها الصغيرة جداً. لم ترغب هيام بالتحدث عن عملها في المقهى، فيما يقول أبو صالح إنهم قدّموا لها فرصة العمل هذه كنوع من المساعدة مع حاجتها للعمل، نظراً لظروف حياتية صعبة.

يرى الرجل بأن الأحداث التي مرت بها البلاد في السنوات التسع الأخيرة كان لها دور كبير في تغيير طبيعة المجتمع، وطبيعة أدوار الرجال والنساء فيه.

"الحرب سببت نقصاً في عدد الشباب الذكور في المجتمع، فمنهم من فُقد في الحرب، أو اضطر للهجرة أو الالتحاق بالخدمة العسكرية. بالتالي تحوّل كثير من النساء لمسؤولات عن أسر بأكملها. كإدارة صرنا نعثر بصعوبة على شباب قادرين على العمل، لذلك بدت فكرة عمل المرأة في المقهى مقبولة ومناسبة"، ويضيف: "لا أعرف السبب، لكن يبدو أن جيل الأزمة أكثر انفتاحاً، وأقل تمسكاً بالعادات والتقاليد".

الحنين إلى الزمن الغابر

يتفق محمد علي كوزوروش، مدير مقهى الروضة، مع أبو صالح في أن الأحداث الأخيرة غيّرت وجه المجتمع، ويعتبر أن مقهى الروضة هو نموذج مصغر عن المجتمع السوري، وكأنه برلمان غير رسمي، على الرصيف المقابل لمبنى البرلمان السوري، في شارع العابد وسط دمشق.

لقد تغيّر كل شيء على حدّ تعبيره، لكنه لا يبدو متحمساً لقبول هذا التغيير بشعره الأبيض وهندامه القديم، وسنواته الخمسين التي قضاها يعمل بين طاولات مقهى الروضة. تستطيع أن تعرف من كلامه وملامح وجهه أنه يشتاق إلى زمن بعيد لم يعد موجوداً الآن.

مقهى الروضة في دمشق (تصوير: عمر ملص)

يقول إنه كان زمناً أكثر رقياً، حيث كان رواد المقهى أبناء عائلات معروفة، وكانت لديهم طقوس وعادات يواظبون عليها. ويحكي بحنين عن حادثة وقعت أمامه في سبعينيات القرن الماضي، حين دخل أحد الشباب إلى المقهى وفي فمه سيجارة، وألقى التحية على واحد من الزبائن "الكبار" فلم يرد الأخير التحية، واستهجن أن يقوم الشاب بمثل هذا الفعل المعيب، وهو أن يلقي التحية والسيجارة في فمه، ما تسبب بطرد الشاب خارج المقهى.

"الحرب سببت نقصاً في عدد الرجال، فمنهم من فُقد في الحرب، أو اضطر للهجرة أو الالتحاق بالخدمة العسكرية. بالتالي تحوّل كثير من النساء لمسؤولات عن أسر بأكملها. كإدارة مقهى صرنا نعثر بصعوبة على شباب قادرين على العمل"... حضور النساء في مقاهي الرجال الشعبية في سوريا

"لا نقبل بأن تتعرض النساء لإزعاج"

يعود محمد علي أثناء لقائنا معه بالزمن إلى تسعينيات القرن الماضي، حين بدأت النساء بالحضور إلى المقهى.

يتذكر أن الأمر في البداية كان مقتصراً على الفنانات وطالبات المعهد العالي للفنون المسرحية، اللواتي كن يقصدن المقهى مع زملائهن، نظراً لما يتمتع به من مكانة اعتبارية كملتقى للفنانين والمثقفين.

واليوم صارت النساء يأتين بشكل طبيعي جداً ويلعبن طاولة الزهر ويدخنّ "مثلهن مثل الرجال"، وأصبح وجودهن مقبولاً بين الزبائن. ويعزو ذلك إلى أن المرأة أصبحت أكثر حضوراً في المجتمع بشكل عام، وأصبح موضوع الاختلاط بين الجنسين أمراً عادياً في الجامعة والعمل وكل مكان.

رغم ذلك لا ينفي كوزوروش أن الأمر يسبب بعض المشاكل، وخاصة في الوقت الحاضر، حيث أصبح رواد المقهى متنوعين كثيراً. يقول: "أشعر أنني مسؤول عن كل امرأة تدخل إلى المقهى وكأنها أختي أو ابنتي، وأرفض أن تتعرض لأي إزعاج".

هذه الفكرة هي نفسها التي ينطلق منها أبو هيثم، مدير مقهى الدرويشية، عند سؤاله عن مدى إمكانية استقبال النساء في المقهى الشعبي، الذي يقع بحي باب الجابية وسط مدينة دمشق القديمة، وما يزال حتى اليوم مقهى للرجال فقط.

يحدثني أبو هيثم خارج المقهى، حيث لم يسمح لي بالدخول: "التعامل مع النساء صعب، لأن وجودهن يثير المشاكل، وهذا ما نسمع به دائماً في الكافيتريات والمقاهي المختلطة. وجود النساء غير محبذ في هذا المكان، وسبب ذلك أنني أشعر بالغيرة على أي امرأة تدخل المقهى، فإذا حصل ونظر إليها أحد الزبائن بطريقة غير ملائمة، سيكون الأمر أشبه بإساءة شخصية لي".

يضيف بأن الزبائن من أهالي المنطقة الشعبية والمحافظة، والذين يجدون في المقهى مكاناً للراحة والتسلية بعد عناء العمل، حيث يتحدثون بصوت مرتفع، وقد يتلفظون بكلمات نابية أو نكات بذيئة، وفي حال تواجد العنصر الأنثوي فسيضطرون إلى أن "يتضبضبوا"، أي أن يمارسوا بعض الرقابة على تصرفاتهم.

تواليت للنساء

يعمل أبو عدنان في مقهى الكمال منذ ما يزيد عن 20 سنة، والكمال هو من المقاهي العريقة في دمشق، يقع في شارع المتنبي قريباً من جسر فيكتوريا وسط المدينة.

مقهى الكمال في دمشق (تصوير: عمر ملص)

يقول أبو عدنان إن تواجد النساء في المقهى ليس قديماً، حيث بدأ عام 2014 ببعض الفتيات اللواتي كن يأتين مع أصدقائهن، وهن على الأغلب طالبات في الجامعة، ويعتقد أن سبب ارتيادهن للمقهى الشعبي هو أنه بسيط وغير متكلف.

يقول إن وجود النساء كان مستحباً ومرحباً به، حتى أنهم خصصوا عام 2017 مراحيض للسيدات كي يشعرن بالراحة، ولا يترددن في ارتياد المقهى. خطوة بدت لي وكأنها إعلان لقبول وجود المرأة الفيزيولوجي في مكان مخصص للرجال.

تقول بعض النساء اللاتي قابلتهن وتحدثن لرصيف22 بأنهن يصادفن في مثل هذه المقاهي الشعبية فئات مختلفة من الناس؛ الغني والفقير والغريب وابن البلد... وهي ليست حكراً على طبقة اجتماعية دون غيرها

لكن، ما رأي النساء؟

تحكي لي صديقتي ريم، وهي في الثلاثينات من عمرها، عن أول مرة دخلت فيها إلى أحد مقاهي دمشق الشعبية عام 2002: "لم يكن وجود الفتيات في المكان شائعاً حينها. كنت جالسة مع أحد أصدقائي، عندما جاء النادل ليسألنا ماذا نطلب. لم ينظر إلي أبداً. لم يوجه كلامه إلي، وتصرف وكأنني غير موجودة على الإطلاق، أو شفافة ربما، لكن الأمر تغير بكل تأكيد خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، حين صار دخول النساء للمقاهي الشعبية مألوفاً أكثر".

بدورها تتحدث نغم، وهي فتاة ثلاثينية، عن إحساسها بعدم الراحة أثناء التواجد ضمن مقهى شعبي، حيث تزعجها فكرة أن الرجال في المقهى يتصرفون وكأنهم أوصياء على النساء الموجودات فيه، وتتذكر حادثة جعلتها تمتنع عن دخول المقهى لسنوات طويلة: "مرة دخلت إلى مقهى شعبي كي أشرب الشاي وأدخن، وما إن أشعلت سيجارتي حتى استدار نحوي رجل يجلس بقربي وقال لي: مو عيب عليكِ بنت محترمة عم تدخني؟! خرجت من المقهى مسرعة وأنا أشعر بإحراج شديد".

بالمقابل، تُجمع كل من هدى وسعاد وأم محمد، وهن نساء قابلناهن في مقاه شعبية مختلفة، على أن السبب الذي يجعلهن يقصدن تلك المقاهي هو أنها مسلية وغير مكلفة.

تقول هدى إنها في المقهى تستطيع التمتع بكأس شاي خمير و"نفس أركيلة" بتكلفة منخفضة وبجودة عالية.

تؤيدها سعاد، وتضيف أنها تصادف في مثل هذه الأماكن فئات مختلفة من الناس، فالغني والفقير والغريب وابن البلد كلهم يقصدون المقهى الشعبي، وهو ليس حكراً على طبقة اجتماعية دون غيرها. فيما تقول أم محمد، إن أجمل ما في المقهى الشعبي هو أنه يغص بالناس والحكايات.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard