لن تحبّ أم كلثوم من أوّل مرة

الاثنين 3 فبراير 202002:55 م

لن تحبَّها من أول مرة... لا لأنها لا تُحَب من أول مرة، بل لأنك، أنت المُخاطَب، لست قادراً على اكتشاف كل ما فيها والتهامه وهضمه دفعة واحدة. في البداية ستبهرك قدرتها وقوتها... نصْلُ صوتها الحاد، الذي يحتاج أن تكون أذناك على استعداد لتحليق النسور المفاجئ، ثم ستشاهد أغنياتها المصورة تليفزيونياً- بعد أن أكلها الزمن وفقدت 90% من بريقها- وستعجبك الحالة التي أخضعت بها الجمهور، الذي أتى بالسواريه والبدلة الكاملة ليُوضع في سجنه الاختياري مستمعاً إليها.

لن تحبَّها من أول مرة... لا لأنها لا تُحَب من أول مرة، بل لأنك، أنت المُخاطَب، لست قادراً على اكتشاف كل ما فيها والتهامه وهضمه دفعة واحدة. 

وستبقى وقفتها، وهي تنظر بين فواصل الكوبليهات، إلى سماء ما، سمائها هي، تثيرك وتأخذك إلى ما ورثه الناس عن شكل المرأة العربية... شكل الغجرية المنشدة وفوق رأسها يقف سِنامُ شعرها الأسود الملموم كهرم، ليقول لك إنك تقف أمام شيخة عرب... "شيخة" يقول عنها المصريون "الست"، ليقصدوا بها "أم كلثوم إبراهيم السيد البلتاجي".
تلك الفتاة/ المرأة أو المرأة/ الفتاة، التي صنعت في العالم العربي على مدى أكثر من نصف قرن شيئاً ما يسمى الطرب، تقف له الأرواح والأبدان احتراماً واكتشافاً ودهشة، لتكون معادلاً موضوعياً للزمن، وما يفعله في البشر المتلهفين لأن يتأملوه فيسقطوا في فجواته وثقوبه السوداء العميقة، دون أن ينتبهوا إلى حياتهم.

الست وطباق الظاهرة والزمن

في الفيزياء، قد يكون مصطلح الظاهرة سمة معينة للمادة والطاقة، أو الزمان والمكان، مثل لقطة جلوس إسحاق نيوتن على كرسيه النسبي ليراقب القمر والجاذبية، أو انشغال جاليليو جاليلي بمتابعة حركة البندول.

فالزمن الذي تساويه أم كلثوم أثراً هو عملية تقدم للأحداث باستمرار وبشكل لا نهائي، يمر من الماضي إلى المستقبل عبر الحاضر، وهذه العملية خارج إطار الاستعادة إلا إذا قرر الزمن أن يعيد نفسه، والزمن نشعر به ولا يمكننا اختراقه أو احتواءه، تماماً كأم كلثوم.


لا يمكنك استرداد "الآهه" التي تطلقها من حنجرتها إلّا إذا قررت هي أن تظهر منها نسخة أخرى في إعادة كوبليهاتها وأداءاتها، واعلم أن النسخة لن تكون مشابهة تماماً لتلك التي انطلقت، ولكنها دفقة شعور أخرى نتجت عن ارتطام أحبالها ووجدانها بنجومها الخاصة، وهي تغني على المسرح.

تخيل أنك كنتَ من جمهور "الست"... حجزتَ تذكرة تعادل قيمتها ثمن فدان أرض في مصر خلال أربعينيات القرن الماضي، ثم أجلسك منظمو الحفل في مقعدك لتنتظر انفراج الستارة عن امرأة تجلس على كرسيها وسط فرقتها الموسيقية، لتقوم بعد دقائق وتمارس عملية أسرك بإرادتك... سيتحرك قطار سحرها فوق روحك... روحك التي تنام أمامها كقط مغموس في الماء.

أتذكر الآن بدلاً من تلك الصديقة التي سألتني يوماً: "هل سيأتي يوم وأحب غناء أم كلثوم مثلك؟".

قلت لها: "وسأذكّرك حينها بما تفعله أم كلثوم مع الخارجين من الزمن مثلك..."، وقد كان بعد سنوات حين رأيتُها تهيم في لحن "رق الحبيب".

أم كلثوم هي الصوت الوحيد تقريباً الذي يزداد وعينا به كلما كبرنا: ربما تبدأ حكايتنا معه بالكراهية، لكنها قطعاً ستنتهي بالغرام وربما الإدمان.

أم كلثوم هي الصوت الوحيد تقريباً الذي يزداد وعينا به كلما كبرنا: ربما تبدأ حكايتنا معه بالكراهية، لكنها قطعاً ستنتهي بالغرام وربما الإدمان

إدمان الوحيد

بحسب توصيف الشاعر العربي الكبير محمود درويش، فإن صوت أم كلثوم يشبه "إدمان الوحيد"، إذ تجعل من كل واحد ألفاً من كثر انشطاره مع صوتها، كما تجعل آلاف المجاميع صوتاً واحداً موحداً يهدر كالسيل جارفاً معه كل شيء، في حالة ديناميكية مرعبة ومُبقياً على كل شيء بحالة جمود في آن.

أحد أصدقائي كان من كارهيها ويرى فيها "ذَكَراً خشناً"، بالمعنى الوضيع للكلمة، طلب مني أن يجرّب أغنياتها وتأثيرها، فرشّحت له ما لحنه لها بليغ حمدي. ليس أصلح من ألحان "بليغ" لاجتذاب المراهقين وتجار الموسيقى، حسبما أظن، فأنا أسميه باللغة الدارجة "ملحن جرّ الرِّجْل"، لكن بعد ذلك يتم فرز الجمهور الكلثومي حين تنزلق أقدامه فيما وراء ألحان بليغ وعبد الوهاب، إلى ألحان السنباطي، إلى أن يستقر استقراراً عند مرحلة القصبجي وزكريا، باعتبار الأخيرين يمثلان ثلاثة أرباع أم كلثوم الأصلية.

إنها ثروة العرب الذين نُهبت ثرواتهم في عصر الرأسمالية والبترول، إنها منارة فرعونية، إنها سلطة الأم الحريصة على تقاليد المجموع وقيم القبيلة، تنويعات صوتها وطبقاته تشبه تداخلات العصور حين تربطها معاً تعشيقات الأرابيسك، التي يزورها الوجدان كل فترة ليرى في أخشابه وحفره مادة جديدة للسفر عبر الوقت.

الماضي والمستقبل، ماضيك ومستقبلك الشخصي، يحومان دائماً فوق حنجرتها، سر النشوة المضيئة، بحيث يأخذ كل شيء معها معناه.

نحن هنا لا نتحدث عن غناء بل نتحدث عن صوت أمة أُخرجت للناس.

هي السلطة حين اتكأت عليها الدولة، منذ سلطان وملك واختراع رئيس، هي المنافسة للحاكم والتي تسير بالتوازي معه، ولا تقاطعه أو تخرج عليه لأنها من النظام وإلى النظام خُلقت.

كان موظفو مصر وعمالها مساء كل خميس يسارعون لإنهاء أشغالهم والدخول إلى مساكنهم، حتى لا يفوتهم بث حفلة الست.

من أفراح الريف ومشاجرات السمّيعة استلهمت أم كلثوم طاقتها، وكأنها عرفت أن هذا هو مصيرها، تقف على مسرح لتغني، لتؤدي واجبها الحياتي، لكنها حين تبدأ الغناء تنسى الناس، تحبس دمعها في عينيها وتغني لنفسها... لا ترى أحداً

هذه الفلاحة الصغيرة التي تعلمت أصول فنها بترديد القرآن الكريم، تثبّت أقدامها في الغناء قبل صعود "فاروق" على عرش مصر. وعلى امتداد سنوات طويلة لم يكن ضباط مجلس قيادة الثورة يتغيبون عن حفلاتها، وعلى رأسهم عبد الناصر (الذي كان مغرماً بصوتها وكان يعتبرها سلاحه الأنثوي الفتاك في مخاطبة الجماهير، وخلال آخر انتخابات رئاسية له)، حيث كانت أيضاً أم كلثوم تتقاسم الظهور معه على شاشة التليفزيون، لتحث الشعب للتصويت للقومية العربية ولرئيسها.

وعقب نكسة يونيو، وتحديداً في مساء 9 حزيران/ يونيو 1967، حين أعلن تليفزيون القاهرة تراجع الرئيس عن التنحي تحت ضغط المطالب الشعبية، كانت أغنية لأم كلثوم هي التي سبقت الإعلان الرسمي. كأنها كانت زمناً بديلاً يستند إليه رجال السلطة إذا جار عليهم الزمن.

حينما تغني

في العدد الثالث من جريدة أخبار اليوم المصرية، الصادر في 25 تشرين الأول/ نوفمبر 1944، حكت كوكب الشرق عن بداية ممارستها الغناء طفلة، فقالت: "غنيت وأنا طفلة صغيرة لا أعرف من أمور الدنيا إلا ما يعرفه الأطفال، وكنت إذا صفق الناس عجبت، وسألت نفسي لماذا يصفقون؟!".

كانت تغني حينها للقمة العيش لا للفن، وأكدت أنها كانت تصعد على المسرح لا يهمها شيء ولا تبالي بشيء ولا يخيفها شيء... هكذا تُربى المعجزة، فالمعجزة هي صنو الزمن ومحاربته، وقد يسبق الإعجاز تجربة الألم الذي يمرّن الروح على المقاومة والثبات في وجه المتغيرات.

من أفراح الريف ومشاجرات السمّيعة استلهمت أم كلثوم طاقتها، وكأنها عرفت أن هذا هو مصيرها، تقف على مسرح لتغني، لتؤدي واجبها الحياتي، لكنها حين تبدأ الغناء تنسى الناس، تحبس دمعها في عينيها وتغني لنفسها... لا ترى أحداً، لا التصفيق ولا جنون المستمع ولا صيحات الاستحسان، لا ترى إلا خلودها: "في بعض الليالي أنتهي من غنائي وكأنني أنتهي من حلم، فيوقظني تصفيق الجمهور في نهاية المقطوعة!".

في 3 شباط/ فبراير 1975، نامت أم كلثوم لآخر مرة في حلمها ولم يزعجها أحد، لكنها بالتأكيد جلست إلى نفسها هناك واستمعت مثلنا إلى صوتها وتجلياتها، فأغمضت عينيها ولم تتمالك نفسها من الإعجاب بذاتها وقالت: الله يا ستّ!


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard