شاهد العيان وأزمة أن ترى، أن تتذكر ثم تروي

الثلاثاء 4 فبراير 202012:14 م

قُدِّم عدد من المواد المصورة والمكتوبة المرتبطة بسوريا إلى المحاكم والهيئات الدولية، بوصفها "وثائق" وشهادات على العنف السياسي الذي يمارسه النظام السوري، كحالة شريط "من أجل سما" لمخرجته وعد الخطيب، ذات الأمر ينطبق على "صور قيصر"، التي نتج عنها قانون قيصر، المثير للاهتمام أن المواد تنتمي إلى نوعين مختلفين، فهناك فيلم وثائقي وأرشيفه، كذلك صور جنائية رسمية، لكن المشترك أن كلاهما قُدّما من قبل أفراد "شهدوا" ما حدث، وأنتجوا "وثائق" انتهت ضمن صيغة قضائية-استعراضية، كون صور قيصر عرضت أيضاً في متحف الهولوكوست.

ما نحاول مناقشته هنا هو العلاقة بين "الشاهد" و"المادة" التي ينتجها، سواء كانت لفظاً أو عملاً فنياً أو نصاً، يمتلك خصائص وثائقية وقانونية، تتحرك أحياناً بين عدد من الوسطاء، إلى جانب هشاشة مفهوم الشاهد الذي يتحرك بين الأدبي والسياسي، إذ يتعرض شخص الشاهد دوماً لشروط شديدة الدقة كي تُقبل مادته وتشرعن، ليس فقط في القضاء، بل أيضاً في الثقافة الشعبية، إذ نسمع عمن لا تقبل شهادتهم، أو عن التلاعب بالشهود في المحاكم، أو عن تهديد الحقيقة عبر تقديم شهود زور لنفي صحة شهادة الآخرين، أو إثبات الكذب، كحالة ما يفعل النظام السوري مع "أعدائه".

اخترع اليونانيون الكوميديا، وعصرنا هذا قدم "الشهادة الشخصية" كنوع أدبي يشهد على مآسي العصر وعنفه

الملفت للانتباه أن هذه السياسات والأشكال المرتبطة بالشاهد تفعّل كون الكلام الذي سينطقه يرتبط بـ"الحقيقة"، ليتحول هو نفسه إلى وعاء هش لها، قابل للتحطيم بسهولة، والسبب ليس فقط السياسة المرتبطة بالشهادة والحدود القانونية لها، بل الوضعية البشرية والتغيرات العاطفية والعقلية، فالشهود ينتجون خطاباً ذا قيمة أدائية أمام التاريخ والقضاء، فكلامهم يترك أثراً في الواقع، يُدين أو يُبرّئ.

يزداد مفهوم الشهادة إشكالية من الناحية القانونية، أثناء المآسي والفجائع الكبرى والحروب، كون "الشاهد" اختبر العنف بجسده وحواسه، لكن ذلك لا ينفي أدبيّتها، إذ يقول المؤرخ والناجي من الهولوكوست إيلي فيزل، إن عصرنا هو عصر الشهادة الشخصية التي تحولت إلى نوع أدبي، فكما اخترع اليونانيون التراجيديا، هذا العصر قدم لنا الشهادة التي هي جهد خطابي وأدبي وسياسي، ويمكن القول إن الاعتراف بنصوص الشهادات كنوع أدبي بلغ أشدّه مع سفيتلانا أليكسييفيتش، التي نالت جائزة نوبل للأدب عام 2015: "لكتاباتها متعددة الأصوات، التي تشكّل صرحاً عن المعاناة والشجاعة في زمننا".

إشكالية الشهادة تكمن بأنها "وعد بالحقيقة" بالتالي هناك أسلوب لقراءة أو تلقي الشهادة التي تحضر في حالات التشكيك بالرواية الرسمية، والأهم أن الشهادة نفسها هي دعوة للتشكيك باللغة وإعادة مساءلتها حين الحديث عما رآه الشخص بأم عينه بمواجهة الخطاب الرسمي، هذا الوعد يتصف بالوضوح، الإشارة والإدانة، بل ويمكن القول إن لا مجال للتورية فيه، أو كما تنص القاعدة الفقهية في الشهادة بكونها ترتبط بـ"بالتصريح لا الكناية"، وكأن الشهادة أسلوب إنتاج الحقيقة الصرفة، لكن بالرغم من أشد السياقات التي يشهد فيها فرد أو أفراد، تحضر الكناية، وكأن هناك نزعة للتخيل كامنة في مفهوم "الشهادة" وتكرار الماضي واستذكاره لتجنب اختباره، كما نقرأ كيف يصف معتقل سابق في سجن صيدنايا مكان سجنه: "عندما جلبوني إلى المكان، لم أتمكن من رؤية الناس من حولي بل رأيت ديداناً، كانت تتلوى وتختلط مع بعضها بعضاً. لم أكن قادراً على الوقوف على قدمي الاثنتين لأنه ليس هناك متسع كاف للوقوف".

هذه الكلمات القليلة، تصف عالماً وحشياً ناتجاً عن العنف السياسي، لا ولادة فيه ولا تجدد، اللحم والسوائل التي تتجلى في الصور، علامات على فناء الأشخاص، وهنا تظهر "الكناية" ضمن الشهادة، بوصفها لا فقط أداة لتجنب "الذاكرة الصريحة" بل أيضاً لنقل الرعب والألم، كون اللغة الصريحة تخضع للمحاكمة بسبب عجزها عن التعبير، بما يكفي لنقل الانطباع الحسي.

هي صورة شعرية: "غرفة مليئة بالديدان التي تتلوى وتختلف"، نعم هي أجساد المعتقلين، لكن تظهر الكناية كأسلوب للدفاع تمارسه الذاكرة على اللغة حين استرجاع الصدمة، تُستبدل بعض التفاصيل بصور من المخيلة، هناك خوف يتسلل إلى نفس الشاهد، وكأن النجاة تعني نفي المعرفة المسبقة الصريحة، ذات الأمر ينطبق على من يتجنب الاستماع إلى شهادات الناجين، كون الصدمة تخاطب ذاكرته نفسها، فالشهادة هنا تخاطب العاطفة لا الرغبة بالمعرفة.

وكأن جسد الشاهد سواء في النص الأدبي أو الرسمي، يتحول إلى مساحة حسية مطالبة بأن تتذكر كل شيء، لرسم صورة "الحقيقة"، سواء كانت موضوعية أو ذاتية

هناك حالة مشتركة بين صاحب الشهادة ومتلقّيها، والتي تظهر ضمنها آثار الشهادة العاطفية والمعرفية والقانونية، لكن هناك سعي للحفاظ على الاستقلالية من قبل المستمع، والحفاظ على تماسكه الرمزي أمام "الشهادة" التي يستمع لها، في ذات الوقت البحث عما تخفيه والحفاظ على تكوينها، وهذا ما نقرأه في مقدمة كتاب " تسع عشرة امرأة" للسورية سمر يزبك، إذ تقول بعد أن جمعت الحكايات ودونتها إنها كانت "تختار نسق الحكاية المفصلي"، أي لا تدون كل شيء، وهنا يظهر الجهد السردي المرتبط بالشهادة، وتحويلها من صوت دفين، خفي وفردي، إلى علني ومدون عبر وسيط "الكاتب"، الذي يمارس عملية اختيار، جمالية أو سياسية، ترسم حدود النص والأثر المطلوب منه.

الأهم أن بعض أشكال الشهادات لا تطالب بـ"الحقيقة" بل بالسياق، بصورة أدق بالأحداث التي رآها الشاهد، حتى لو لم تكن تمت بصلة لما هو منتظر منه، لتكون الشهادة سعياً لرسم صورة عن ذاكرة ما، قد لا تكون متطابقة مع ذاكرة الكاتب/المدون نفسه، وهذا ما تقوله سمر يزبك في مقدمة كتابها :"كان دافعي الأول هو اكتشاف سوريا التي لم نعد نعرفها تماماً، ولم أفكر في حراسة الذاكرة كما خيل إلي لاحقاً، فالذاكرة التي ظننت أني أكتب أحد وجوهها، كانت متحولة ومتبدلة، إلى درجة المرارة والتحمل الشاق"، هنا تظهر علاقة مدون الشهادة مع الشهادة نفسها، هي ليست فقط بحثاً ذاتياً قد يختلف معه أو يطابقه، بل أيضاً سؤال للذاكرة نفسها، وكيفية تكوينها من قبل من شهدوا الأحداث المروعة.

هناك شعور بالوحدة يحيط بالشاهد، يرافقه خوف من استرجاع الصدمة، والتحول إلى وسيط للحقيقة، هذه الوحدة ناتجة أحياناً عن قمع يمنع فعل "التذكّر" و"النطق"، سواء كان سياسياً أو ثقافياً، سواء أكان الفرد شاهداً على مجزرة، أو تعرض للعنف الجنسي، يرتبط الخوف أيضاً بوسم الضحية، التي تجعل الشاهد نتاج حدث لا ينتمي للحياة اليومية، كما في أحد تعريفات التراجيديا، هذا الحدث الجلل قد تستمر آثاره للأبد، كحالة تريساس العراف الأعمى، الشاهد على حقيقة أوديب، لكن لابد نهاية من أن "ينطق"، الوحدة القاتلة أشد من الوسم، الأهم أن هذا النطق لابد أن يكون علنياً، لابد أن يكون للشهادة مستمع حتى تكون ذات جدوى، ولو على الصعيد الفردي.

إشكالية الشهادة تكمن بأنها "وعد بالحقيقة"، بالتالي هناك أسلوب لقراءة أو تلقي الشهادة التي تحضر في حالات التشكيك بالرواية الرسمية، والأهم أن الشهادة نفسها هي دعوة للتشكيك باللغة وإعادة مساءلتها

لكن في حالات أشد، حيث لا مجال لإيجاد مستمع كما في حالات الحصار، تتحول الشهادة إلى جهد للنجاة، وتمرين للعقل ضد الجنون، كما نقرأ في "موزاييك الحصار" لعبد الوهاب عزاوي، الصادرة عن سلسلة شهادات سورية والتي يوثق فيها حصار دير الزور الثاني عام 2012، ويقول في المقدمة، إن الكتابة "بناء لتوثيق حسّي بعيد عن اختزال الأشياء ... جولة في متاهة العالم الداخلي، باعتباره مصفاة للعالم الخارجي...مرافعة طويلة كمنام طويل... لا أصرخ فيها على أحد...جمهوري متخيّل ومجهول الهوية.. حوار طويل بين متكلم ومصغ لا يتحاوران بالضرورة"، هذه العلاقة مع الشهادة بوصفها تمريناً ذاتياً تتجاوز فيها النصوص وظيفة التوثيق للحقيقة، وتصبح محاولة لاختبار العالم جسدياً تحت الحصار، إذ تتساوى المخيلة مع اللحم في تحولاتها وإدراكها للعالم، فالعزاوي يتخيل غلاصم تنبت للفرد تحت الحصار، كأنه غريق لكنه يجيد التنفس، كما أنه يستمع لكائن أسطوري يخترق جدار الصوت، وكأن جسد الشاهد، سواء في النص الأدبي أو الرسمي، يتحول إلى مساحة حسية تطالب بأن تتذكر كل شيء، لرسم صورة "الحقيقة" سواء كانت موضوعية أو ذاتية.

الشاهد الساخر من عالمه

تحضر الشهادة ضمن علامة تجنيس الرواية، دون أن تهدف للمعرفة المنطقية في بعض الأحيان، ليتغير موقف الشاهد وعلاقته مع موضوعه، كما في روايتي "الغرانيق" و"سرير على الجبهة" للسوري مازن عرفة، اللتين كُتبتا تحت الحصار، و"شهد" فيهما عرفة على مختلف أنواع العنف، صورة الشاهد التي يقدمها الراوي عرفة تختلف عن الشكل الجدي، الدقيق، الذي يريد إدانة أحد لمحاكمته، هو يسخر من عالمه ويعيد تقديمه بصورة غروتيسكية ومائعة، الحقيقة تتحول إلى عارض من أعراض الوعي الخاضع للعنف، فالشاهد هنا وعلاقته مع "المعرفة" التي ينتجها، تفتح المجال للتخييل وإعادة تكوين العالم كما اختبره في جسده الذي يفقد حدوده السياسية والإنسانية، الشاهد هنا يقدم صورة هذيانية للمعرفة، ويسخر من أشكال توليدها التقليدية، هو ذكرٌ يشكك بهويته الجنسية، قصّاص يدين على أساس الظن والحس الأخلاقي بالعدالة، وكأن الشهادة هنا "حقيقية" لكنها "ضد الوثيقة"، هناك غوريلات تقتحم غرفة عرفة المحاصرة، مع ذلك أثر هذه الرواية/الشهادة على القارئ نتلمسه في مقال كتبه المدون والصحفي السوري الكردي إدريس سالم، والذي يحمل عنوان: "على الأمم المتحدة والجنايات الدولية قراءة سرير على الجبهة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard