العقل والإيمان والثورة... هل يتجه العالم حقاً نحو الأفضل؟

الأربعاء 5 فبراير 202010:38 ص

"العقل والإيمان والثورة"، هي مجموعة محاضرات قدمتها جامعة ييل عام 2008، تم فيها اختيار تيري إيغلتن للحديث عن هذه المفاهيم، كونه واحداً من أبرز المفكرين المعاصرين الذين كتبوا في هذه المجالات، وقد قسمها إيغلتن إلى أربعة عناوين رئيسة: حثالة الأرض، خيانة الثورة، الإيمان والعقل، الثقافة والهمجية.

في كتابه، يحاجج تيري إيلغتن الكتّاب اليساريين الراديكاليين الذين يرغبون بإلغاء الدين من قراءة الحضارة ومستقبلها، أولئك الذين يجدون أن الدين قد سقط أمام النظريات العلمية، الأسئلة المنطقية والفلسفية إلى غير رجعة. فإن كان إيغلتن في السطر الأول من مقدمة الكتاب يعتبر أن الدين سبّب بؤساً لا يوصف للإنسانية، إلا أنه في المقدمة ذاتها يبين أن الكتب المقدسة لديها الكثير لتقوله كإجابة عن بعض المسائل الحيوية، كالموت، المعاناة، الحب وإنكار الذات، كلها مفاهيم يشبع بها الدين الحضارة الإنسانية دون أن يكون لليسار التقليدي إجابات أو رغبة الخوض فيها.

الديمقراطية هي الاعتراف بمعتقدات الآخرين

في البداية، يؤسس إيغلتن لرؤية تُخرج الدين من مقارنته مع العلم، فلا يمكن اقتصار الدين على اعتباره يقدم مشهداً للكون منافساً لذاك الذي يقدمه العلم، فالدين ليس نوعاً من النظرية الزائفة أو التفسير الزائف للعالم، بحسب رأي إيغلتن الذي يبحث في اللاهوت المسيحي تحديداً، ليبين أن الله الخالق ليس مهندساً كونياً يضع تصميماً عقلانياً مدهشاً، بل هو فنان ومحب للجمال، جعل العالم بلا أية غاية عملية واضحة، بل ببساطة، وبالنسبة للاهوت المسيحي، لا ضرورة للعالم على الإطلاق: "ولعل الله ندم منذ زمن طويل على استسلامه لدافع عاطفي ألهمه بإطلاقه أصلاً".

يعتبر إيغلتن أن العلم واللاهوت في الغالب لا يتحدثان عن الأشياء نفسها، فالصراع بين العلم واللاهوت ليس حول كيف وُجد الكون، بل هو خلاف حول المدى الذي يجب أن يعود إليه الإنسان. فبالنسبة للاهوت، العلم لا يعود بالقدر الكافي إلى الوراء، فهو وإن كان يتساءل عن نشأة الكون إلا أنه لا يتجرأ على طرح أسئلة مثل: لماذا يوجد أي شيء أصلاً؟ أو لماذا لا نمتلك حقائق ثابتة مدركة حقاً؟ ويعتبر إيغلتن أن هناك الكثير من الأساطير العقلانية بالإضافة إلى الدينية: "في الواقع، إن الكثير من الأساطير الدنيوية هي نسخ منتزعة من تلك المقدسة"، ومهما كان موقفنا ضد الدين حاسماً، فإننا نتفق مع تيري إيغلتن على اعتبار أن جوهر الديمقراطية هو الاعتراف بمعتقدات الآخرين، فأي معتقد يتمسك به ملايين البشر على فترات طويلة من الزمن من المستبعد أن يخلو من المزايا.

الحب والإيمان وصعود الخطاب الديني

هناك مجموعة من المفاهيم يراها إيغلتن ضرورية لاستكمال التفكير بدور الدين في الفترة المعاصرة، منها الحب، إيغلتن يرى أن أحد الأسباب التي حافظت على جاذبية المسيحية بالنسبة للعديد من الناس هو أنها تضع الحب في قلب رؤيتها للعالم، حتى وإن كانت نسختها عن الحب ليست جميلة بصورة جلية. ومن الحب ينتقل إيغلتن إلى تقديم رؤيته عن مفهوم الإيمان. فالإيمان، برأيه ليس كما يدعو اليسار الراديكالي بكونه الاعتقاد بوجود شيء أو شخص، بل هو التزام وولاء. الإيمان "ب" شيء يمكن أن يشكل فرقاً للوضع المخيف الذي يجد الإنسان نفسه فيه، كالإيمان مثلاً بحقوق المرأة في المساواة وبمناهضة العنصرية: "إن الإيمان ليس في المقام الأول مسألة الالتزام بإفتراض وجود كيان سام، بل بنوع من الالتزام يمارسه مخلوق بشري في أقصى حالات الضياع، متخبطاً في الظلام، الألم، الحيرة، ويبقى مع ذلك مخلصاً لوعد بحب متحول".

إن النظام الرأسمالي ملحد بالطرق الخاطئة بالنسبة إلى إيغلتن، بينما ماركس ونيتشه ملحدان بالطرق الصحيحة. فهو يرى أن الحقبة الرأسمالية بإنجازاتها، رغباتها المنضبطة، السياسة المنظمة والاقتصاد الاستهلاكي غير قادرة على طرح الأسئلة اللاهوتية بشكل عميق، بمعنى أن الحضارة المعاصرة لا تتجرأ على الخوض في مثل هذه النقاشات أو تقديم الأجوبة عنها، وهذا ما يفسر لدى إيغلتن عودة الخطاب المسيحي المتطرف، الذي وعلى الرغم من محاربته لحياة المتعة والنسبية، لكنه يمثل السعي إلى استعادة مفاهيم النظام، الطهارة، الاقتصاد، العمل الدؤوب، الانضباط، الإحساس بالمسؤولية وكل القيم التي تهدد الروح الاستهلاكية الملحدة: "فالمتطرفون هم في الغالب أولئك الذين تركتهم الرأسمالية وراءها، لأنها لاتؤمن بهم، لأنها ترفض الإيمان بأي شخص أو شيء لا يمدها بالأرباح".

إن الراديكالية الإسلامية كالتطرف المسيحي، تؤمن باستبدال السياسة بالدين، فهما يعتبران أنه بعد فشل السياسة في تحرير الإنسان، فإن الفرصة تعود للدين لتحقيق ذلك بنجاح، ولهذا نشهد تراجعاً في الافتتان بالعالم الرأسمالي، لصالح توهج جديد للهالة الروحية، وبعد عصر من الإنتاج الميكانيكي، ظهر دين مستعد لأن يحرض ويقتل.

يحاجج تيري إيلغتن الكتّاب اليساريين الراديكاليين الذين يرغبون بإلغاء الدين من قراءة الحضارة ومستقبلها، أولئك الذين يجدون أن الدين قد سقط أمام النظريات العلمية، الأسئلة المنطقية والفلسفية إلى غير رجعة

المسيحية وخيانة الثورة

لقد خانت المسيحية الجانب الثوري المتجسد من يسوع المسيح، لقد انتقلت ومنذ زمن بعيد من جانب الفقراء والمحرومين لتقف إلى جانب الأغنياء والعدوانيين. فقد أصبحت المسيحية في معظمها، عقيدة الأثرياء الذين يقيمون في الضواحي، ولم تعد الوعد المدهش للدهماء والمناضلين. لقد مارست الكنيسة والمسيحية التعذيب ونزع الأحشاء باسم يسوع، وكممت أفواه المنشقين وأحرقت منتقديها أحياء. إنها تدعم كذلك الأنظمة الديكتاتورية باسم الله، وتعتبر النقد والتشاؤم صفتين غير وطنيتين: "إن هذا النوع من الإيمان يفشل في إدراك أن الشفاء الوحيد من الإرهاب هو تحقيق العدالة".

التنوير والديكتاتورية

بالمقابل، فإن التنوير أيضاً توجه نحو إسكات الأصوات المعارضة له، فالتهديد الرئيسي للقيم التنويرية اليوم يأتي من بعض ثمار التنوير نفسه، فقد تم اختطاف لغة التنوير باسم الجشع المشترك، الدولة البوليسية، العلم الوسطي سياسياً، الحرب الاقتصادية، والشركات الضخمة التي سحقت الحقوق الفردية والجماعية. إن الدولة الليبرالية التي أُسست من بين أسباب كثيرة لكي تحمي الحرية الفردية، تحولت إلى دولة إشراف، وسخّرت العقلانية العلمية وحرية الاستعلام لغايات الربح الاقتصادي وأسلحة الحرب. يرى إيغلتن أن الأسباب الحيوية لإعلان الولايات المتحدة شن حرب بلا حدود على الإرهاب، هو حرصها على تدفق أرباح لاتتوقف إلى عدد كبير من شركاتها: "لقد انحدرت الثقة المستنيرة في العقل المجرد إلى استئجار للمثقفين والخبراء لنشر الدولة توحيد الدعاية السياسية. واعتبرت حرية التعبير الثقافي قد بلغت ذروتها في البلاغة الأيديولوجية التافهة، والأخبار المسيسة لوسائل الإعلام الشعبية التي تجلب الأرباح".

يذكر إيغلتن في كتابه، أن محاولة الغرب محاربة شيوعية تصادر الحرية، دفعته لتأسيس ودعم أنظمة حكم استبدادية خسيسة، فكيلا يقضي إرهاب إسلامي على الحريات المدنية الأمريكية، ألقت الولايات المتحدة بثقلها كله دعماً لسحق مثل تلك الحريات في المملكة العربية السعودية، أوزبكستان، باكستان، وفي سلسلة من أنظمة الحكم البغيضة الأخرى.

لقد استعملت الدول القومية العنف الذي لم يفض إلى تقدم تال، بل تصعد ليغدو تحكماً عدوانياً بالطبيعة، وبدونه من الصعب على الحضارة أن تبقى. العنف يتصعد في الحضارة الإنسانية ليتولى مهمة الدفاع عن الدولة السياسية، والمعروفة باسم السلطة العسكرية، القانونية أو السياسية. وأحد أسباب كون الإرهاب مفزعاً، هو أنه يكشف للحضارة عن جانب من ذاتها السرية المُنكرة.

التقدم علمي أم أخلاقي؟

يتساءل إيغلتن، كيف يمكن الإيمان بأن الحضارة تتجه نحو التقدم، حين نفكر بالكم الذي تقدم عليه في تدمير الكوكب، ذبح الأبرياء، وتصنيع الجور الإنساني بتسارع لا يمكن تصوره؟ إن القرن العشرين كان من أكثر القرون التي سفكت فيه الدماء قاطبة. واليوم، رغم أننا نملك وسائل التواصل عن بعد، لكن أصبحنا نمارس المذابح أكثر من أي وقت مضى. إن العديد من انتصارات الحضارة في جوهرها تقدم نحو البربرية، بحسب وصف إيغلتن.

يوضح إيغلتن أن "إيديولوجيا التقدم" التي تعتبر الماضي خطراً كبيراً ويجب نبذه إلى غايات ما قبل تاريخية، تسلب من الإنسانية إرثها التاريخي-الحضاري، وبالتالي مصادر الإنسانية الأهم للقاء المستقبل: "فإن الأمل بالإبحار نحو المستقبل بمحو الماضي، لم تثبت إلا أن الماضي يعود بقوة"، وإن انبعاث الدين عالمياً هو أحد الأمثلة لهذه العودة للمكبوت.

يستعير إيغلتن الكلمة الأخيرة نحو موضوع التقدم مما كتبه ثيودور أدورنو: "يستحسن التفكير في التقدم بأشد التعبيرات خشونة وأساسية: ينبغي ألا يجوع أحد بعد الآن، ينبغي ألا يعذب أحد، كفانا محرقات، حينئذ فقط سوف تتحرر فكرة التقدم من الأكاذيب".

إن الراديكالية الإسلامية كالتطرف المسيحي، تؤمن باستبدال السياسة بالدين، فهما يعتبران أنه بعد فشل السياسة في تحرير الإنسان، فإن الفرصة تعود للدين لتحقيق ذلك بنجاح، ولهذا نشهد تراجعاً في الافتتان بالعالم الرأسمالي، لصالح توهج جديد للهالة الروحية، وبعد عصر من الإنتاج الميكانيكي، ظهر دين مستعد لأن يحرض ويقتل

دور الفنون والأدب

كما في مؤلفاته الأخرى، يؤكد تيري إيغلتن في "العقل والإيمان والثورة" على دور الفنون والآداب، رأيه الدقيق في ذلك، أنه كلما كانت استجابة الدين أقل لمفاهيم ترغبها الإنسانية مثل العلم، السياسة الديمقراطية والنفعية الاقتصادية، كلما سعى الأدب، الفن، الثقافة، الإنسانيات، التحليل النفسي وعلم البيئة، للحلول في البقعة التي يخليها الدين في الحياة المعاصرة. وقد أضحت الفنون في أهمية استثنائية في الحقبة الحديثة، لأنها تزود بنوع بديل من السمو في عالم نفيت منه القيم الروحانية إلى حد بعيد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard