فسحة الفرح النسبيّ في عالمٍ ضيق... مقهى وملتقى محمود درويش في صيدا

الجمعة 14 فبراير 202002:49 م

مقهى وملتقى ثقافي باسم الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، يقع في منطقة الهلالية الواقعة في مدينة صيدا، جنوبي لبنان. فكرة إنشاء هذا المقهى تعود للاجئ الفلسطيني محمد مشيرفة، صاحب المقهى، ومطلِق هذه المبادرة الجميلة والجديدة، وذات التأثير الواضح في المجتمعين الفلسطيني واللبناني.

هذه الفكرة انبثقت من الواقع الثقافي الصّعب الذي تعيشه المؤسسات الفلسطينية المختصّة بالشأن الثقافي والاجتماعي في المخيم وخارجه، أي إنّ عملها ينحصر في الشأن الاجتماعي فقط. ولا توجد بيئة حاضنة للمثقف الفلسطيني في المخيم على حدٍّ سواء. عندما فشلت تلك المؤسسات في القيام بواجبها الثقافي اتّجه ابن المخيم المختلف، والذي يمتلك موهبة فنية وإبداعية، ويعمل على تطويرها في المخيم الخالي من الطقس الإبداعي الدافئ، من هنا.

سمعنا عن إطلاق مقهى وملتقى للمثقفين، ذات طابع تراثيّ فلسطينيٍّ في مدينة صيدا، جوار مخيم"عين الحلوة"، لكنّه لعب دورَ سفير التّراث الفلسطيني بالنسبة لأبناء المدينة الذين لا يمتلكون المعرفة الكافية عن تراث فلسطين الأصيل، بما يحتوي من مأكولات فلسطينية، والزيّ الفلسطيني القديم، وأغاني الجدّات الفلسطينيات.

غياب دور المؤسسات الثقافية، دفع الشبابُ إلى إطلاق مثل هذه المبادرات؛ فالمقهى أصبح عبارة عن ملتقى ثقافي جامع، تقام فيه النشاطات الثقافية، الأمسيات الشعرية، والنّدوات الفكرية، وأمسيات رمضانية عديدة، من عزف على العود وموسيقى، وأغاني تراثية فلسطينية قديمة، ومعارض رسم، والفنون على أنواعها، بالإضافة إلى استضافة الروائيين والشعراء، وفي زاوية المقهى، نجد مكتبة عامة تحتوي على دواوين محمود درويش لمحبي القراءة في الهدوء النسبي.

تخرجون من ضجيج المخيم المزدحم باللاجئين، السيارات والحواجز، حتى تصلوا إلى مدينة صيدا. يهدأ الطقس المشحون بالتوتر إلى عالمٍ آخر، خارج العالم، لو صحّ التعبير؛ فالمخيم من داخلهِ، لا يشبه المخيم من خارجهِ، إلى أن تصلوا إلى منطقة الهلالية في مدينة صيدا. وهناك تجدون المقهى. اسم محمود درويش كبير وواضح من الخارج، رسومات على الجدران، وصورة غسان كنفاني.

المقهى أصبح عبارة عن ملتقى ثقافي جامع، تقام فيه النشاطات الثقافية، الأمسيات الشعرية، والنّدوات الفكرية، وأمسيات رمضانية عديدة، من عزف على العود وموسيقى، وأغاني تراثية فلسطينية قديمة، ومعارض رسم، بالإضافة إلى استضافة الروائيين والشعراء

المكان واسع جداً، وطاولات صغيرة في المنتصف وعلى الجوانب. بعد الطاولات تصلون إلى الزاوية الأخيرة، حيث الكتب على الرفوف رتّبتها يدٌ بعناية فائقة. تدركون أهمية الكتب ومعناها. عناوين لدواوين محمود درويش: " الجدارية"، "لا تعتذر عمّا فعلت"، "هي أغنية هي أغنية"، "مديح الظل العالي"، "حصار لمدائح البحر"، "أرى ما أريد"، "تلك صورتها وهذا انتحار عاشق". تشعرون وكأنّكم في متحف محمود درويش، حيث تهبُّ رائحة الأصالة والحداثة في آن. وقد تحدّث رصيف22 مع صاحب المقهى ومطلق هذه المبادرة، الأستاذ محمد مشيرفة، فقال:

"هذا المقهى هو لإحياء الذاكرة الفلسطينية في المدينة، فشهد المقهى العديد من الأنشطة الثّقافية التي ساهمت بنقل القضية الفلسطينية وتاريخ فلسطين إلى المجتمع اللبناني الذي لا يعلم كثيراً عنها، أو ربما يعلمها من جانب واحد، فساهم هذا المقهى في إحياء التراث الفلسطيني، حتى أنّه كان هناك في المقهى متجر خاص كزاوية بالمقتنيات التراثية الفلسطينية، مثل: أباريق قهوة قديمة، الأثواب الفلسطينية، المطاحن المعدنية، والكوفيات على أشكالها وأنواعها. وكان هناك إقبال كبير على المقهى المميز، كفكرة جديدة منذ أنشئ حتى اليوم.

زار المقهى الكثير من المفكّرين والمبدعين، مثل: الروائي مروان عبد العال، والفنان الكبير مرسيل خليفة، والشاعر سليم علاء الدين، بالإضافة إلى إعلاميين ومثقفين وشعراء من أقصى الشمال حتى الجنوب. وكانت هناك إحياء ذكرى النكبة في كلِّ عام، بأنشطة وطنية ثقافية منوعة، كما كان مقهى وملتقى حواري بين المثقفين الفلسطينيين واللبنانيين، للنقاشات الهادفة، وتبادل الأفكار السياسية والثقافية عامة.

وتابع مشيرفة: "إنّ سبب توقف المقهى عن العمل بين الحين والآخر، هو عدم وجود تمويل آخر لدعم الأنشطة. كلُّ ما يقدمهُ المقهى هو مجهود شخصي قائم بذاته، والسبب أيضاً، الوضع الاقتصادي العام بالبلد. ولكنّنا مستمرون بإعادة فتحهِ في كلِّ حين، وإعادتهِ إلى الواجهة في دعم الهوية الفلسطينية الغائبة عن المجتمع المحلي والعربي".

هذا المقهى هو لإحياء الذاكرة الفلسطينية في المدينة، فشهد المقهى العديد من الأنشطة الثّقافية التي ساهمت بنقل القضية الفلسطينية وتاريخ فلسطين إلى المجتمع اللبناني الذي لا يعلم كثيراً عنها، أو ربما يعلمها من جانب واحد

مقهى وملتقى محمود درويش، يمتاز عن غيرهِ كثيراً من المقاهي في المخيم وخارجه، ليس لأنّ محمود درويش كان يحبّ القهوة ورائحة القهوة، بل، لأنّ المكان كان يشكّل البيت الأول للمبدعين، وهو المكان الذي يساعد المواهب الشابة على صقل موهبتهم، بتوفير بيئة لهم تستطيع أن تستوعب رؤياهم نحو المستقبل، من خلال نقاشات مثمرة بين الشباب والشابّات، ومكان هادئ بعيد عن صخب المدينة، على طريق عام.

بمجرّد قراءة اسم محمود درويش الشاعر الكبير والمعروف جدّاً، يشدُّكم شيء ما؛ تدخلون المقهى، لتبحثوا عن تلك الفسحة التأملية فيه، فسحة الفرح النسبي، في عالمٍ ضيق؛ هنا تستطيعون أن تتنفسوا الهواء النقي الآتي من حضارة الوطن المسلوب، فلسطين، وخصوصاً، في تلك الموسيقى الخفيفة المنبعثة من صالة المقهى، وهي إحدى قصائد درويش الملحنة، ذات الإيقاع الحزين.

يجعلكم المشهد الماثل أمامكم أن تستعيدوا حاضركم وماضيكم في هذا المقهى بالذات. تنسون وتتذكرون أشياء كثيرة؛ لذلك هو مقهى الذين يمتلكون مهارة الانسجام. لا يزعجكم النادل، لأنّهُ هو أيضاً يدرك طقوسكم الإبداعية الخاصة، ولهُ طقسهُ الخاصّ في السؤال عن حاجاتكم.

 مقهى محمود درويش في مدينة صيدا، هو من المقاهي الثقافية المهمة في المخيم والمدينة، وله دوره الرائد في تغيير نمط المقاهي التقليدية، كما هو فكرة حداثية جديدة، تركت بصمتها في وجدان المثقفين عامة. صحيح أنّها تتوقف عن العمل بين حين وآخر، وذلك بسبب الضغوط الاقتصادية المتتالية، لكنّها تبقى قادرة على التجدد والانبعاث من جديد كفكرة مبدعة، قبل أن تكون كمتجرٍ لكسب المال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard