تحذيرات ورفض وطرد من بيت العائلة… حكاية آباء وأبناء في انتفاضة العراق

الجمعة 31 يناير 202005:30 م

يتمنى عمر العاني، مشاركة شباب الحراك الثوري في بغداد وباقي المدن الثائرة، لكنه دائماً ما يصطدم برفض أهله النزول إلى ساحات الاعتصام في المحافظات الغربية من البلاد، التي ينتمي إليها، ومعظمها سنية المذهب.

يتذكر والداه جيداً البيانات التي وزعتها في الساحات، حكومة نوري المالكي آنذاك (2010-2014)، والتي كالت فيها الاتهام بالخيانة على المشاركين، اتهامات تودي بهم الى الاعتقال وفق المادة الرابعة من قانون مكافحة الارهاب.

يسكن العاني (32 عاماً) قضاء عانة، أقصى محافظة الأنبار، يعبر عن امتعاضه لعدم مساهمته في الحراك مع أبناء جيله المنتفضين، قائلاً لرصيف22: "الأهل يمنعوني من المشاركة لكونهم يخشون اعتقالي من قبل الأجهزة الأمنية، كما أنني أنتمي لمكوّن معارض للسلطة، فتهمة الارهاب من الممكن أن تكون جاهزة عليّ".

"أهلي يخشون اعتقالي".

ويضيف الشاب العامل في محل للمفروشات وسط مدينة الرمادي: "أبي يقول لي، لا تشغل نفسك بالسياسة والتظاهرات وغيرها مما يعكر المزاج وصفو الأذهان، يريد مني التركيز في العمل لديمومة حياتي، والتخطيط للزواج في القريب العاجل".

يشعر العاني بنفسه مختلفاً وسط عائلته، فبالإضافة إلى انشغالات والده، تنشغل أخواته بالفن والموضة، وهو ما يعتبره أموراً ثانوية "لا تمتد إلى اهتماماته".

وعن الاحتجاج في ساحات المدن العراقية، يقول العاني: "مشهد استثنائي، وثوري رائع، فيه الوطنية الحقة، وأنا أجد فكري ونفسي في هذا الحراك، شبابنا يعلّمون السياسيين معنى الوطنية والانتماء للعراق".

"كردي وأحب شباب بغداد"

يتمتع إقليم كردستان العراق بوضع سياسي منفصل عن المحافظات الأخرى، لاستقلاليته الجزئية عن المركز في بغداد، وتنشغل الأسر هناك بالعمل وروتين الحياة اليومية، بعيداً عن صخب السياسة، والتهديدات، والتراشق بين هذا الفريق وذاك، ولكن الأمر مختلف عند يسرد نوزاد هادي، الذي لايزال مولعاً ببغداد منذ زيارته الأخيرة.

"أبي يقول لي، لا تشغل نفسك بالسياسة والتظاهرات وغيرها ممَّا يعكّر المزاج، وصفو الأذهان، يريد مني التركيز في العمل لديمومة حياتي، والتخطيط للزواج"

يعيش هادي (36 عاماً) حياته بروتين هادئ، حيث يذهب إلى محله صباح كل يوم، وبعد وفاة والده أصبحت والدته محور اهتمامه، ولكن عندما يعود من المحل، ويحضر الأعمام، تحضر النقاشات والاختلافات.

يقول هادي لرصيف 22: "أمي هي محور اهتمامي، علماً أني أسكن في بيت جدي الكبير، لكون والدي متوفى منذ 15 عاماً، وتدور مجمل نقاشاتي في البيت مع أعمامي وأبنائهم، أحياناً نختلف وأحياناً نتفق"، مشيراً إلى أن "مؤشرات الاختلاف قائمة على التباين الثقافي لكلا الجيلين".

وعن رؤيته تجاه الحراك في بغداد، يشير هادي إلى أنه يميل للعاصمة، ويحبها كثيراً، كونه عاش فيها نحو خمس سنوات، كما لديه الكثير من الأصدقاء العرب فيها. ويقول: "أنا كردي بروح بغدادية، أعشق هذه المدينة التي لي فيها أجمل الذكريات، لهذا هي جميلة وانتجت احتجاجات جميلة ورائعة، جعلت الحكومة ترضخ لشبابها المحتج".

ويبين أنه يختلف عن أهله في نزعتهم المركزية والانفصالية وميلهم للقومية الكردية، فحياته هناك، والاحتجاجات القائمة جعلته يشعر بانتماء لشباب بغداد.

من بيت العائلة إلى ساحة التحرير

ينتمي إحسان الوائلي لعائلة شيعية تقطن مدينة الصدر ذات الكثافة السكانية الشيعية، شرقي العاصمة بغداد، والده الحاج علي، من أنصار زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، أحد زعامات "تحالف البناء" القائد للحكومة الحالية، والمناهض للتظاهرات الجارية في البلاد، بمبرر أنها تنال من الحكم الشيعي القائم منذ 16 عاماً.

يبحث إحسان منذ عامين، بعد تخرجه من الجامعة، عن وظيفة تؤمّن له مستقبله، لكنه مازال عاطلاً نتيجة صعوبة التعيين في الدولة، والقائم على الولاءات الحزبية والمحسوبيات.

بداية أكتوبر الماضي عزم إحسان على المشاركة في التظاهرات المطلبية التي يشهدها العراق حالياً، لكن رغبته قوبلت بالرفض من والده، الذي اتهم المتظاهرين بأنهم "بعثيون ومندسون"، في تماهي مع إعلام "المالكي"، وسائر القوى الحاكمة.

اتهم والد إحسان المتظاهرين بأنهم بعثيون ومندسون.

يقول إحسان لرصيف 22: "حاولتُ أن أجد ذاتي في هذه البلاد الكئيبة، وقررت وأصدقائي مشاركة من يشاطروننا همومنا وأحلامنا، في سبيل عيش كريم وعراق خال من الفساد والمفسدين، ولكن قراري بالمشاركة في الاحتجاجات واجهه والدي بالرفض والتحذير".

ويقول إحسان، الحاصل على شهادة البكالوريوس من كلية آداب بغداد: "العائلة وقتها عاشت أياماً من الشد والجذب، ومناخاً متعصباً بيني وبين الوالد، ما جعله يطردني خارج المنزل في نهاية المطاف، لإصراري على المشاركة في التظاهرات"، مبيناً أن والدتهُ "حاولت تهدئة الأمور بيننا لكنها فشلت، كما هي إنسانة بسيطة، تحاول لملمة وضعنا لا أكثر".

وأكد أنه أخذ يبيت في منزل صديقه في بداية الأمر، بعد عودته من التظاهرات في ساحة التحرير في بغداد، وأشار الى أن "نصب السرادق والخيم بعد إعلان الاعتصام، جعل من الساحة الاحتجاجية مبيتي على مدار أكثر من شهر".

"الكثير من الآباء يعيشون على أنقاض الماضي، كما أن تقدم العمر يلعبُ دوراً في جعلهم يستكينون للتدين، الذي تنبع منه الطائفية فيما بعد"

يرى إحسان أن مشكلته تتعلق بالجيل كله، وليست مشكلته هو فقط، يشرح لرصيف22 أن "الكثير من الآباء يعيشون على أنقاض الماضي، كما أن تقدم العمر يلعبُ دوراً في جعلهم يستكينون للتدين، الذي تنبع منه الطائفية فيما بعد"، مبيناً أن "اختلاف الشباب مع أسرهم طبيعي، لأنهم بتفكير مختلف ومتطلع لحياة مختلفة عن حياتهم".

"العلاقات الأسرية تأثرت وتغيرت"

يرى نجم الخالدي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة الموصل، أن الخلافات الدائرة بين الأبناء والآباء هي انعكاس لتراكم تغيرات في السنوات الماضية، يقول: "العديد من العادات الأسرية والاجتماعية أصبحت من الماضي، وذلك عبر بحوثي الميدانية التي أجريتها في أغلب مناطق بغداد وشمال العراق".

ويضيف الخالدي لرصيف 22: "التفاعل ما بين الأبناء والآباء أختلف كثيراً عن السابق، بل بات تواصلاً محصوراً بالمناسبات، مثل الوفاة، الزواج أو تعرض أحدهم لعارض صحي، وهكذا"، لافتاً إلى "تغير العديد من العادات التي كانت سائدة في العراق، فتأثيرها في الكلام بدا واضحاً جداً، لدخول مفردات جديدة في حياتنا، وتأثر الجيل الجديد بها، فبعض الكلمات نستعملها للاحترام وتقدير الآخر، ولا يعلمها الجيل الجديد".

"متغيرات العصر وتعاقب الأجيال لا بد أن يفرز العديد من العادات الحديثة، ومنها استغلال التكنولوجيا في التواصل الاجتماعي" يقول الخالدي.

وعن تأثير الحراك الثوري في العراق على طبيعة المجتمع الحالية، يوضح الباحث الاجتماعي، أن "حالة التمرد باتت تتصاعد أكثر لدى شريحة الشباب، وهذا ما يدفعهم الى مواجهة كل التابوهات، سواء كانت دينية، سياسية أو اجتماعية، فيما يخص رؤساء القبائل"، لافتاً الى أن "هذا التغيير مهم، لكني أتمنى أن يقف الشباب على مسار إيجابي وألا ينزع صوب المغالاة والتطرف".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard