الصدر يسحب أتباعه والأمن يهاجم… لماذا اشتد العنف ضد متظاهري العراق؟

الاثنين 27 يناير 202002:57 م

هجوم عنيف تعرض له المتظاهرون في ساحة الحبوبي وسط مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار الجنوبية، مساء 26 كانون الثاني/يناير، خلّف قتيلاً واحداً على الأقل وعدة إصابات وحرائق في خيام الاعتصام بالساحة تماماً.

كان هذا أحدث تطور عقب يومين من العنف المتصاعد ضد المتظاهرين في البلاد ومحاولات فض اعتصامهم في بغداد ومدن جنوبية بالقوة من قبل رجال الأمن وميليشيات مجهولة، تزامنت كلها مع التحول اللافت في موقف الزعيم الشيعي البارز مقتدى الصدر وتهديده بالوقوف إلى جانب قوات الأمن.

ومساء 26 كانون الثاني/يناير، قدم الصدر مجموعة من "النصائح" التي بدت أقرب إلى "الشروط" واعتبرها ضرورية لـ"عدم انحراف الثورة من قبل بعض المندسين أصحاب الأجندات الخارجية المشبوهة".

ومن  "نصائحه"، طلب "عدم الإضرار بالمال العام والخاص، وعدم قطع الطرق مطلقاً لأنه يضر بالمصالح العامة للمدينة، وإرجاع الدوام في عموم مدارس العراق فوراً بما فيها الناصرية الفيحاء، وإعلان البراءة من المحتل (يقصد أمريكا) فوراً وبصورة صريحة وجلية لا يشوبها الشك، لإيصال رسالة بأن ثورتنا عراقية خالصة لا تدار من الخارج".

نحو 15 قتيلاً و300 مصاب خلال الأيام الأخيرة… محاولات متكررة لفض اعتصامات المتظاهرين في العراق، والزعيم الصدر يضع شروطاً لدعم الحراك الشعبي

لماذا غيّر الصدر موقفه؟

ولفت إلى أن "إعلان العداء لجميع دول الجوار بهذه الصورة أمر غير مقبول ولا يصب في مصلحة بلدنا"، مبيّناً أن "الثورة حققت شوطاً جيداً في الإصلاح، وبقي على رئيس الجمهورية تكليف شخصية غير جدلية ولا عدائية لرئاسة مجلس الوزراء بأسرع وقت ممكن لإجهاض المخططات الخارجية الخبيثة". 

وقال إنه إذا ما تحقق ما "نصح به" فإنه "من الإنصاف دعم الثورة بل تأييدها من جميع فئات الشعب وليس مني فحسب".

يشكل هذا الموقف تحولاً عن موقف الصدر المعلن السابق من التظاهرات الشعبية، إذ أعلن في 23 تشرين الأول/أكتوبر الماضي تسخير أتباعه لحماية التظاهرات، مبرزاً أنه عاهد الله ألا يكون "ظهيراً للفاسدين بل نصيراً للمصلحين كما علمني أبي".

وقال الصدر آنذاك: "إخوتكم في (التيار الصدري) بجميع تشكيلاته في خدمتكم. وثقوا وصوروا ما يحدث قدر الإمكان. صبر الفاسد سرعان ما ينفد وصبركم أطول فاعتصموا بحبل الله ولا تيأسوا، فسلميّتكم أعظم من جدرانهم وسلاحهم. وأخيراً اعلموا أنه لو تم الاعتداء عليكم مرة أخرى فسنتصرف بما يليق وبما يرضي الله ويرضيكم".

منذ ذاك الحين، دعم مؤيدو الصدر الاحتجاجات المناهضة للحكومة ووفروا لهم الحماية في بعض الأحيان من هجمات قوات الأمن والمسلحين المجهولين. غير أنهم بدأوا الانسحاب من ساحات الاعتصامات في ساعة مبكرة من صباح 25 كانون الثاني/يناير.

وأعقب ذلك شروع قوات أمنية في إزالة الحواجز الخرسانية من محيط ساحة التحرير في بغداد، وهذا ما دفع البعض للربط بين سحب الصدر لأتباعه وتهديده بالتخلي عن المتظاهرين ومحاولات الفض هذه.

وقبيل بيانه الأخير، نقل المقرب من الصدر، صالح محمد العراقي، عنه عبر تويتر تهديده للمتظاهرين: "أوقفت الدعم الإيجابي والسلبي، إن جاز التعبير، لكني أردت إرجاع الثورة إلى مسارها الأول لا معاداتها، وإن لم يعودوا فسيكون لنا موقف آخر في مساندة القوات الأمنية البطلة والتي لا بد لها من بسط سلطتها لا الدفاع عن الفاسدين".

هجمات ضدهم تزامنت مع سحبه أنصاره… ناشطون عراقيون يتهمون الزعيم الشيعي مقتدى الصدر بالتواطؤ مع قوات الأمن

وبعدما كان موقفه من إيران يتأرجح بين التأييد والرفض، يبدو أن الصدر اختار الانحياز إلى بلد الجوار حالياً.

وفي 24 كانون الثاني/يناير، خرج مئات آلاف العراقيين في تظاهرات وصفت بـ"المليونية" استجابةً لدعوة الصدر ومطالبةً بخروج القوات الأمريكية من البلاد.

وكان مقرراً أن يحتشد الملايين من أنصاره أمام السفارة الأمريكية في بغداد في 26 كانون الثاني/يناير، غير أنه تراجع عن ذلك في اللحظة الأخيرة، معرباً عن خشيته من حدوث "فتنة داخلية".

وأدت هذه التحولات في مواقف الصدر من التظاهرات الشعبية إلى انتقادات واسعة للزعيم الشيعي، فأطلق متظاهرون هتافات ضده، واتهمه ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي بخيانة التظاهرات والتآمر مع قوات الأمن.

لكنّ موالين له اعتبروا أنه يتعرض "لهجمة أمريكية"، مدشنين حملة تأييد له عبر وسميْ "مع قرار الصدر" أي الانسحاب من التظاهرات، و"عراقيون ومقتدى الصدر يمثلنا" في مواجهة وسم "مقتدى الصدر لا يمثلنا".

وحدثت اشتباكات بين مؤيدين للصدر وبعض المتظاهرين وصلت إلى إطلاق النار.

هجوم وحرق خيام متظاهرين

وبعد منتصف ليل 26 كانون الثاني/يناير، هجم مسلحون مجهولون على المتظاهرين في ساحة الحبوبي (وسط الناصرية الجنوبية) وأحرقوا خيام المعتصمين وبعض المحال التجارية والشقق السكنية ثم هربوا، وتولّت فرق الدفاع المدني إخماد النيران.

وتوفي متظاهر واحد وأصيب أربعة بالرصاص عقب الهجوم، وفق ما صرح به مدير صحة ذي قار عبد الحسين الجابري لموقع "ناس" المحلي. في حين رشّح مصدر أمني لموقع "السومرية نيوز" العدد للزيادة، لافتاً إلى وفاة شخصين وإصابة 18.

وتفادياً لتكرار هذه الهجمات، أغلق متظاهرو الناصرية الغاضبون، صباح 27 كانون الثاني/يناير، جميع جسور المدينة وأشعلوا النار في الإطارات، فيما شرع آخرون في إعادة بناء الخيام من الطابوق (الطوب المحروق) في "الحبوبي" تحسباً لأي اعتداء آخر.

وكانت التظاهرات العراقية قد استعادت زخمها في الأسبوع الماضي بعد فترة من الهدوء النسبي والترقب عقب اغتيال القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني في بغداد فجر 3 كانون الثاني/يناير.

محاولات متكررة لفض الاعتصامات

وفي 25 كانون الثاني/يناير، استخدم الأمن العراقي القوة لإعادة فتح الطرق في بغداد والجنوب مع محاولات لإزالة خيام المعتصمين في عدة مدن. ووقعت اشتباكات سقط على إثرها أربعة قتلى.

رداً على ذلك، احتشد المتظاهرون في ساحة التحرير ببغداد وبساحات الاعتصام الرئيسية في مدن الجنوب منذ الصباح الباكر في 26 كانون الثاني/يناير، تخوفاً من "مخطط" لفض الاعتصامات وإنهاء الاحتجاجات قبل تنفيذ المطالب التي يصر عليها المتظاهرون المستمرون في الاحتجاج منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

وتكررت مساء 26 كانون الثاني/يناير محاولات فض الاعتصامات بالقوة والهجمات ضد المتظاهرين بعدما أطلق رجال الأمن الرصاص الحي لتفريق تجمعات محدودة في ساحتي الخلاني والوثبة القريبتين من ساحة التحرير مقر الاحتجاج المركزي في العاصمة العراقية.

وأسفر ذلك عن سقوط نحو 17 مصاباً، بينهم ستة بأعيرة نارية، وفق قول مصدر شرطي لوكالة فرانس برس.

علماً أن اعتداءات الليلة الماضية أسفرت عن 12 قتيلاً (تسعة في بغداد وثلاثة في الناصرية). بالإضافة إلى 230 مصاباً خلال الأيام الثلاثة الماضية، وفق ما أعلنته المفوضية العليا المستقلة لحقوق الإنسان في العراق في 26 كانون الثاني/يناير.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard