نحتاج إلى ثورة في مصر... لكن ليس الآن

الاثنين 27 يناير 202005:50 م

لا أكره الكتابة في أي مسألة وموضوع بقدر ما أكره الكتابة في ذكرى الثورة. هذا الطعن البارد بسكين الأمل أكثر عذابًا من انقباضة الاكتئاب. استدعاء ذكرى الثورة بمثابة شباك مفتوح على جرح يتسع من الفشل، لا يعادله اتساعاً سوى السعادة التي شعر بها الملايين عندما أنهكنا تيار الظلم ثمانية عشر يوماً.

بالنسبة للأمة المصرية، فالآتي يجب أن يتسلح بالواقعية لا الحماس وحده. منذ اليوم الأول، أظهر السيسي قسوة تتخطى بكثير ما عهدناه من نظام مبارك الذي قتل 846 مصرياً خلال الثمانية عشر يوماً المؤسِّسة للثورة المصرية في 2011. طاردت الجماهير أجهزة الشرطة وأهانتها يوم جمعة الغضب (28 يناير/كانون الثاني) قبل تسع سنوات، والآن عادت الشرطة لتنتقم، وتصبح الرصاصة التي يقنص بها عبد الفتاح السيسي الشعب غير المسلح. ورغم الحقيقة المرعبة ظهرت الدعوات لإعلان المعارضة في الشوارع في العيد التاسع لأعظم ثورات مصر. "ماذا بعد؟" ليس سؤالًا نطرحه من باب ممارسة التمارين الذهنية، ولا كي نقدم مبرراً لاتباع طريق التحليل الضروري، بل هو سؤال وجودي ذو ثقل بالغ على عاتق جميع المصريين.

في 1886 أعلنت المحكمة العليا في الولايات المتحدة أن "التصويت هو الضامن لكل الحقوق". وفقاً لهذا المفهوم، فإن مصر لا تزال في العصر الحجري. في هذا العصر الحديث، فإن الانتخابات الديمقراطية الوحيدة – بصرف النظر عن وجهة نظري الخاصة في محمد مرسي- تم الانقلاب عليها بتحرك عسكري بعد عام واحد فقط. لم تشهد مصر قبلها، وبالتأكيد لم تشهد بعدها، انتخابات عادلة ونزيهة. الحقوق في مصر لا يصونها شيء، المصادرة لكل حق هو اسم هذه اللعبة القبيحة.

لماذا نحتاج إلى ثورة؟

إن القائمة التي تضم الأسباب الداعية لثورة عاجلة أو مستقبلية تطول بطول النيل الذي يشطر هذه الأمة التي استشرى فيها داء الدكتاتورية. نحن نعرف عبر مصادر متعددة أن أكثر من 60 ألف مصري هم سجناء رأي في زنازين السيسي. مرت ثلاث سنوات منذ قامت الحكومة بتحرير سعر الصرف الذي تسبب في انهيار أوضاع الجميع عدا الطبقات العليا. بينما يتراكم الفقر فوق رؤوس الطبقات الدنيا ليغرقها. كان التحرك الحكومي بالغ القسوة وشهد البنك الدولي رسمياُ بأن 60% من المصريين "إما فقراء أو في وضع هش".ما يدعو للأسى أن اثنين من كل ثلاثة في بعض المحافظات الجنوبية، هما تحت خط الفقر. لكن كل هذا لم يوقف الرئيس عبد الفتاح السيسي عن قوله "أيوة بنبني قصور... وهنبني ونبني"، مستعيراُ موقف ماري أنطوانيت عشية الثورة الفرنسية عندما كان معظم الفرنسيين غارقين في الجوع. هذه السياسة العمياء التي تنظر في اتجاه واحد بعيد تماماُ عن الاتجاه الصحيح، لا تقود إلا إلى هاوية الجحيم السياسي.

الواقع المصري تحت حكم السيسي ربما يكون بالغ القبح، لكن حالة المعارضة، على رغم تزايد التقارير بشأن محاولات تنظيم المصريين في الخارج، تشهد فوضى عارمة. لهذه الاسباب، أقول لا تتظاهروا الآن، موتكم أو اعتقالكم لن يفيد سوى آلة هذا النظام الوحشي

بالإضافة للقمع والانهيار الاقتصادي، لدينا وضع كارثي في القطاع التعليمي يتمثل في: تعمد تخصيص ميزانيات هزيلة، وقيادات غير فاعلة وفصول مكدسة تدفع المزيد من الطلبة للتهرب من التعليم. الكثير من خريجي المدارس والجامعات هم مجرد طبقة خفية من الأميين. هؤلاء الذين ندعوهم خريجين لا يعرفون أنهم لا يعلمون. رواتب المدرسين الهزيلة شاهد على الفشل المستقر في هذا القطاع. لذا لا ينبغي أن يُفاجأ أحد بالوضع الذي آلت إليه هذه الدولة. فنحن في بلد يقودها رجل قال دون خجل: "يعمل إيه التعليم في وطن ضائع؟". بقوله هذا، تجاهل السيسي ما هو واضح: الأمة ضائعة لأن رجالاُ مثله يضخون المليارات وراء المليارات في التسليح غير الضروري، لضمان ولاء الجنرالات الفاسدين، في الوقت الذي يمنعون فيه التمويل الضروري عن قطاع التعليم. يتعمد هذا النظام أن يكون الشباب جاهلين حتى يظل الفراعنة العسكريون قابضين على عنان الحكم الذي يخنقون به الشعب، حتى لو زال حكم السيسي. سحق التعليم ليس مجرد مصادفة، بل هو قتل سياسي متعمد ومقصود.

لو فصَّلنا جميع العوامل الداعية للمواجهة المنتظرة، فسوف يحتاج هذا المقال إلى أن يصبح ثلاثة مقالات. ولسنا بحاجة للتذكير بوضع سيناء غير الآمنة، وقتل المدنيين المصريين على يد الإرهابيين من دون عناية حقيقية من الدولة. كذلك هناك ملف سوء إدارة مفاوضات سد النهضة وحق مصر في مياه النيل التي يبلغ الفشل فيها حد الخيانة، إذ قد يفقد ملايين المصريين حياتهم جراء العطش والجوع الناجمين عن الفشل في توفير المياه اللازمة للشرب والزراعة. في دراسة صادرة هذا الأسبوع اتضح أن مصر ستفقد 50% من أراضيها الزراعية القليلة أصلاُ جراء نقص نصيبها السنوي التاريخي من مياه النيل، وذلك في حال ملء السد خلال 5 سنوات، هذا بالإضافة لفقد 36% من حصة مواطنيها من مياه الشرب.

إن غياب الشفافية، وما يخفيه من هول سوء الإدارة، ليس أمراً جديداً على كل محلل يتابع الشأن المصري عن قرب. ندرة الشفافية نفسها تشكل جزءاً من أزمة سيناء المستمرة، كما أنها نموذج لإدارة الدولة لها، إذ تم نقل هذه السياسة الفاشلة نفسها من ملف سيناء واستخدمها في إدارة ملف مفاوضات السد.

إذاً لماذا لا أصفق لدعوات التظاهرات في ذكرى الثورة هذا العام؟ إن البقاء صامتاً بمثابة خيانة، لهذا أتكلم.

إن التظاهر الآن بمثابة تضحية بالنفس

برغم أن التأخُّر -ولو لأيام معدودة – في إزاحة الدكتاتور الفاشل ونظامه يُنزِل المزيد من الضرر بالمصريين، فإن المعارضة في الشوارع الآن هي تضحية سياسية بلا ثمن.

تشير العلامات كلها إلى أن النظام مستعد: رجال البوليس في ملابس مدنية منتشرون، رجال أمن الدولة بالإضافة لرجال الشرطة في زيهم الرسمي يشاركون جميعهم في استعراض قوة وترهيب في الشوارع. كذلك تلك الحملة المتوحشة لتفتيش هواتف المواطنين بحثاً عن أي مضمون سياسي، والتي كثيراً ما ينتج عنها القبض على مدنيين. مصادر عديدة من داخل دوائر الحكومة نفسها صرحت لي بأن أوامر عليا بالتعبئة الكاملة للشرطة وإيقاف الإجازات خلال الشهر المنقضي قد صدرت. ليس هنالك علامة حقيقية تبشر بتظاهرات منظمة في 25 يناير/ كانون الثاني، رغم دعوات المقاول محمد علي الذي أطلق شرارة تظاهرات 20 سبتمبر/أيلول وفقد كل تأثير له بعدها.

إن التظاهر الآن ضد السيسي بمثابة تضحية بالنفس، رغم أن التأخُّر -ولو لأيام معدودة – في إزاحة الدكتاتور الفاشل ونظامه يُنزِل المزيد من الضرر بالمصريين، فإن المعارضة في الشوارع الآن هي تضحية سياسية بلا ثمن

ورغم أن "علي" مثَّل في البداية شعاعًا من النور بفضل تسجيلاته المصورة التي كشفت الفساد المستشري على يد السيسي وكوادر حاشيته العسكرية، فإن دعواته الملحة للخروج في تظاهرات معارضة تسببت بالقبض على أكثر من 4000 مصري. لذا فإن الدعوة إلى تظاهرات في الوقت الحالي، هي محض سذاجة.

النجاح في مواجهة قوات الأمن المركزي والشرطة التي يفوق عدد العاملين بأجهزتها المختلفة 400 ألف، بالإضافة لاحتمال المواجهة مع الجيش، يطرح أسوأ السيناريوهات الممكنة. لا يمكن طرح مثل هذه الرؤى الارتجالية قبل وجود تحركات تقترب من الشارع. فالخطة التي تعتمد على تفادي الميادين العامة والتجمع في الشوارع الرئيسية هي التعريف الجامع المانع للعشوائية والارتجال. خاصة أن محمد علي كان من اللطف بحيث زود قوات الأمن أسماء الشوارع التي يطلب من الناس أن يتجمعوا فيها. منتهى السذاجة!

لا يمكن المرء أن يتجاهل ما هو واضح كالشمس: لقد تم سحق المعارضة تماماً، وخاصة منذ الانقلاب. العديد من  الستين ألفاً القابعين في السجون والمعتقلات لقوا هذا المصير لسبب. ففي ذهن هذا النظام، هم مفكرون، ومنظمون، هم الثوار الذين ساعدوا في حشد الناس في الشوارع قبل 9 سنوات. هؤلاء المسجونون لا يوجد من يحل محلهم، والخلايا المنظمة للإخوان المسلمين وشبكاتها تم تفكيكها وبعثرتها، وأعضاؤها إما مقتولون أو مسجونون أو هاربون خارج البلاد.

مناقشات عديدة مع الثوار ترسم لوحة كئيبة لأناس منهكين عاطفياً، وغير جاهزين إستراتيجياً، وشرائح واسعة تحمل بين كتفيها رأساً يثقله الاكتئاب. كثيرون يقولون علناً عبر السوشال ميديا: لقد قمنا بواجبنا وأدينا دورنا، هذا دور الأصغر سناً ليتحركوا على الأرض. كثيرون منهم شيعوا أصدقاءهم إلى القبور أو إلى السجون، إنهم محبطون  لدرجة لا تسمح لهم بالمغامرة على أي مستوى.

الواقع المصري تحت حكم السيسي ربما يكون بالغ القبح، لكن حالة المعارضة، على رغم تزايد التقارير بشأن محاولات تنظيم المصريين في الخارج، تشهد فوضى عارمة. لهذه الأسباب، أقول لا تتظاهروا الآن، موتكم أو اعتقالكم لن يفيد سوى آلة هذا النظام الوحشي.

لا بد أن يأتي اليوم، لا بد أن يأتي في أقرب وقت، يوم يقف فيه الناس في وجه السيسي. لكن يجب ان يأتي هذا اليوم في وقت لا يتوقعه، ويجب أن تُفاجأ قواته بعدد الناس الذين خرجوا للشوارع ليقفوا في وجه أسلحتهم، إذ ذاك تقع المذبحة التي يعتزمها النظام، وستكون  ذات عواقب سياسية لا قبل له بها. هذه اللحظة لن تأتي من دون أن يطمئن الناس إلى أن هناك رؤية واضحة لما بعد نهاية هذا النظام.

أي شيء آخر خلافاً لهذا هو مجرد انتحار.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard