عقب "اعتزاله"... هل كان محمد علي يصدق نفسه؟

الأحد 26 يناير 202003:27 م

مثلما أثار ظهوره دوياً وتساؤلات، سبب "اعتزال" المقاول والممثل المصري الشاب محمد علي العمل السياسي، موجهاً الاعتذار للمصريين عن ما فات، الكثير من الحيرة وردود الأفعال المتباينة.

في مقطع فيديو بمناسبة الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير، قال علي: "مفيش أي حاجة (أشخاص) نزلت (الشوارع تظاهراً) ولا مظاهرة، فأنا أعتذر للشعب المصري العظيم، الإجابة النهاردة وصلت. وارد جداً أكون غلطان. الناس اللي صدقت دعوتي وطلعت (في مظاهرات يومي 20 و21 أيلول/سبتمبر الماضي) خرج منهم (من السجون) اليوم 3000 واحد. أنا لم أكن سبباً في سجنهم. وعدم خروج تظاهرات تعني أن الشعب موافق على النظام الحالي، أو أنه خائف من التظاهر وهذا ما لا أحب أن أقوله أو أسمعه".

وأضاف: "الأيام دول وهتشوفوا البلد هتوصل لإيه. وارد تكون وجهة نظرنا أنا وكل الفريق اللي اشتغل معايا خطأ ووارد أنتم تكونوا صح. بحب مصر وبحب شعب مصر واليوم منتصف الليل تماماً هقفل حسابي في فيسبوك الذي جمعني بكم في حب مصر".

ثم لفت إلى أن: "الصفحة الجديدة التي سأفتحها ستكون قاصرة على الحديث حول مجال عملي في المقاولات والفن ولن أتحدث مجدداً عن السياسة أو الوطن لأنكم أدرى بهما".

وكان علي قد ظهر بدايةً مطلع أيلول/سبتمبر الماضي في مقاطع فيديو يتهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأسرته وقيادات بارزة في الجيش بإهدار المال العام على القصور والمنشآت غير الضرورية وفي مجاملة بعض الأصدقاء.

ودعا علي إلى تظاهرات تطالب برحيل السيسي، استجابت لها أعداد محدودة في العاصمة القاهرة وبعض المحافظات يومي 20 و21 أيلول/سبتمبر الماضي.

وقابل الأمن المصري هذه التظاهرات بقمع شديد واعتقل نحو 4000 شخص في أعقابها، بعضهم بشكل عشوائي. كما تعقب النظام العشرات من الشخصيات الحقوقية والسياسية بتهمة "التحريض وبث أخبار كاذبة" منذ ذلك الحين.

وفي مطلع الشهر الجاري، ظهر المقاول الشاب في مقاطع فيديو يدعو إلى "ثورة غضب" تتزامن مع ذكرى ثورة المصريين على الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في عام 2011، وطرح "خطته" لهذه الثورة المحتملة علناً.

انسحاب المقاول محمد علي من المشهد السياسي يثير تساؤلات حول قيادة المعارضة وطرح الإملاءات من الخارج والانخداع بـ"الحروب الإلكترونية الزائفة"

في نقد التجربة "الفاشلة"

التعليقات المحبطة والمستاءة انهالت عقب بث الفيديو، كذلك التخمينات والنقد المتعلق بما أثاره المقاول الشاب منذ ظهوره. بلغ الأمر ببعض المعلقين باتهام المقاول الشاب بأنه كان "لعبة بيدي المخابرات العامة المصرية" وبالتأكيد على أنه لا يتوجب الوثوق بأي معارضة من الخارج تملي تصوراتها لحل الأزمة السياسية في البلاد يدفع ثمنها الشباب في الداخل.

أمينة الحقوق والحريات وعضو المكتب السياسي في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، هالة فودة، قالت عبر فيسبوك: "دلوقتي بعد ما أُسدل الستار على تمثيلية محمد علي الماسخة وإعلانه اعتزال العمل السياسي، يا ريت الناس تقيم التجربة اللي اتحطينا فيها من شهر سبتمبر الأسود واللي كلفتنا حبس أكثر من ٤٠٠٠ إنسان منهم اللي مش مؤيد لمحمد علي ومنهم اللي مسمعش عنه أصلاً".

وأضافت: "إذا كان فيه حد طلع كسبان من هوجة محمد علي فهو الحرس القديم اللي انتزع مساحات كان فقدها في الحكم بخروج عنان من الحبس واستبعاد محمود السيسي وعودة محمود حجازي للمشهد".

وتابعت: "الخاسر الأكبر في المعركة هو آلاف البشر المطحونين بسبب سوء الحالة الاقتصادية اللي صدقوا إن فيه بارقة أمل لتغيير الوضع ونزلوا يوم ٢٠ سبتمبر وانتهى بهم الأمر في السجون، والقوي الديمقراطية اللي فقدت جزء مهم من قياداتها وأعضائها الذين لم يكونوا مشاركين ولا مؤيدين لمحمد علي واتحبسوا نتيجة خوف النظام من تأثيرهم المحتمل على الأحداث".

كذلك، بينت أن "أي حد مارس العمل السياسي خلال السنوات الماضية يدرك أن التغيير الحقيقي والتحول الديمقراطي طريق طويل وتراكمي مش وليد لحظة انفجار ثوري عشوائي وأن شحن الجماهير للخروج بدون خارطة طريق واضحة المعالم هو فعل أحمق سيؤدي لمزيد من القمع وسيكلف أثماناً فادحة".

المحامي الحقوقي والناشط السياسي مالك عدلي تبنى وجهة النظر نفسها، حيث كتب على فيسبوك: "لما قلنا ان ريحة ٢٠ سبتمبر وحشة، بهدلتنا واستنزفت مجهودنا ووقتنا، وراح ضحيتها آلاف منهم شباب ورجالة وبنات زي الورد لسه ييجي ألف منهم في السجن، فيه ناس سمحوا لنفسهم يلوكوا سيرتي زي الضباع، ويقولوا أني أتعالى على الجماهير وأني بعت الثورة، ومعظم أعضاء مجالس إدارات الثورات والنضال قامت قومتهم عليّ من علي كيبورداتهم وأكاونتاتهم".

ثم أردف قائلاً: "في أقل من أربعة أشهر لقيت نفس الناس أو قلة منهم بيشتموا هذا النصاب وبيقولوا أنه تسبب في نفس ما قلت".

وقالت زينب حجازي عبر تويتر: "ملوش أصلاً في السياسة و ملوش لازمة يتكلم و يدعوا الناس للنزول ويحدد اليوم كمان. محدش تاني يقول للناس انزلوا لأن مش بينزل غير شوية شباب صغير وبيتبهدلوا و يتقبض عليهم وفيه اللي بيخرج وفيه اللي مبيكونش خرج حتى. لما الشعب نفسه يبقى ينزل غير كده ملوش لزوم".

وركز البعض على "فشل الحروب الإلكترونية الزائفة" في إشارة إلى المتابعة الواسعة التي تبدو على حسابات المقاول الشاب والتي تشاركه نفس الدعوات.

معلقون اتهموا علي بالتآمر والعمالة لجهات رسمية لإحباط المعارضة، وتوقعات بـ"نيولوك" يشبه وائل غنيم... آخرون ما زالوا يؤملون على عودته بحلة "ثورية" أقوى

هل انتهت القصة عند هذا الحد؟

غير أن البعض شكك في أن تكون القصة انتهت عند هذا الحد مصرين على أن لغزاً في الأمر، وطارحين احتمال تعرض علي للتهديد لتغيير موقفه بشكل مفاجئ حيث تفصل بين التغريدة التي أعلن فيها عن آخر فيديو له وعن سابقتها التي تحمل دعوة التشجيع على التظاهر نحو تسع دقائق فقط.

لكن البعض الآخر اعتبر ذلك دليلاً على أن هناك من "يوجهه ويصدر له أوامر" بشأن ما يقول.

وتوقع معلقون أن ينضم علي إلى الناشط السياسي وائل غنيم قريباً، في إشارة إلى تحول الأخير من النقد اللاذع لنظام السيسي إلى الدفاع عنه، فيما دافع البعض عنه لافتين إلى أنه "يكفيه شرف المحاولة وتشجيع الناس على الخروج في تظاهرات نادرة تطالب برحيل السيسي".

ورأى مغردون أن تلك النتيجة كانت متوقعة بعدما أحكم نظام السيسي قبضته على الشعب و"جوعه بحيث لم يعد قادراً على التفكير إلا في لقمة عيشه".

غير أن البعض أصر على اعتبار انسحاب علي "وقتي" أو ناتج عن "شعوره بالإحباط"، فكتبت إحدى المغردات: "عارفة هترجع تاني بس ارجع زى الأول مش محمد علي المروض من الأحزاب المتهالكة والنخبة المرعوبة"، مردفةً "نزلنا بس كان كله مخون بعضه ومرعوب ثورة يناير كنا كل واحد شايل روحه على كفه وبايع الدنيا هى دى روح يناير اللي لازم ترجع مش هنيأس مش هنخاف".

وقبل يومين، ظهر علي في مقطع فيديو مع عدد من أصدقائه المصريين في هولندا، حيث مازحه أحد أصدقائه وهو يقول: "محمد علي أهو وممكن أعمل معاه مشكلة بس أنا راجل بحب المصريين. السيسي في دمنا وهو اللي بيحمينا يا محمد. لو مش السيسي اللي بيحكمنا كنا انتهينا. اعقل يا محمد"، ليرد الأخير ضاحكاً: "لأ مش هعقل".

وفي الأسبوع الماضي تعرض حساب على في فيسبوك للاختراق ونشر الحساب بعض المحادثات الخاصة بينه وبين شخصيات معارضة يظهر منها اتفاق حول دعم مادي للمضي قدماً في دعواته المناهضة للنظام المصري.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard