مئة يوم من الثورة اللبنانية... لماذا نصر على أنها ليست حراكاً؟

السبت 25 يناير 202005:20 م

لم تكن الهتافات الصارخة في الساحات، تحت شعار "هذه ثورة وليست حراكاً"، تفصيلاً في المظاهرات الشعبية التي يشهدها لبنان من 17 تشرين الأول 2019 وحتى اليوم، جاءت هذه الهتافات نتيجة إصرار المنظومة السياسية الحاكمة وأذرعها الإعلامية على تسمية الحالة الثورية المشتعلة في الشوارع والساحات، بالحراك الشعبي أو الحراك المدني.

إن منبع الإصرار على تسمية الثورة "بالحراك" هو حالة الإنكار المتعمدة للمنظومة والإرباك الذي أصابها.

لم تكن هذه الأجواء يوماً ملعب السلطة في لبنان، فقد سقطت دفاعاتها التقليدية، وأبرزها التهويل بالتقسيم، الاقتتال الطائفي والتحريض، أمام مشهد الناس مجتمعين وملتفين حول مصالحهم الحقيقية، ومجموعين كشريحة متضررة واحدة من حكم أحزاب السلطة الطائفية.

إن منبع الإصرار على تسمية الثورة "بالحراك" هو حالة الإنكار المتعمدة للمنظومة والإرباك الذي أصابها.

لم تتأخر الثورة المضادة باستعمال أدواتها منذ اليوم الأول، فكانت أولى جولاتها محاولة تصوير المشهد المرعب للمنظومة الحاكمة، على أنه حراك سياسي منظم ومدعوم من جهات خارجية عبر سفارات، وربطه بتنظيمات "سرية" عالمية، هدفها "تخريب" البلدان وزعزعة الأمن ونشر الفوضى والانحلال الأخلاقي.

نشطت منظومة النظام الإعلامية في فبركة الروايات، تسويق نظريات المؤامرة، تشويه وجوه مناضلة معروفة وشيطنة رموز الثورة، كالقبضة مثلاً.

نجحت المنظومة بالسيطرة على دوائر ضيقة من قواعدها الجماهيرية، بينما تعرت أمام الدوائر الأخرى ذات الاطلاع الأكبر والمعرفة الأكثر.

جولة جديدة للمنظومة عينها، كانت في محاولتها تظهير المشهد على أنه حراك غير منظم ينقصه قائد، وطبعاً ليس قائدة، من المنظور الأبوي الذكوري للنظام.

كانت هذه خطوة أذكى من التي سبقتها، حيث عمد عدد كبير من الإعلاميين والإعلاميات، الذين يدورون في فلك المنظومة، إلى التصويب من خلال موادهم الإعلامية، على أن الناس المنتفضة غير مدركة لما تريده وليس لديها الحل والبدائل.

وسعت أذرع هذه المنظومة إلى ترسيخ فكرة أن هذا الحراك إن لم يتنظم وينتج قياداته فهو حراك فاشل وسيقود إلى الفوضى، وكأنها أرادت تغيير الخطاب الموجود في الشارع من المطلبي البحت إلى السياسي البنيوي، وتوريط الناس الغاضبة في الساحات بخطاب سياسي ركيك، نتيجة ضعف قدرتهم الإعلامية والتقنية على بلورة رؤيتهم السياسية، مقابل حنكة إعلام النظام.

فشلت هذه المحاولة أيضاً، عندما تمت مواجهة إعلام النظام بالدور السيء الذي لعبه بهذه الفترة، وفشلت أمام إصرار الناس على الالتزام بأسباب نزولهم إلى الشارع، مدركين خطورة تسييس مطالبهم.

سعت منظومة النظام الإعلامية إلى ترسيخ فكرة أن هذا الحراك إن لم يتنظم وينتج قياداته فهو فاشل وسيقود إلى الفوضى، وكأنها أرادت تغيير الخطاب الموجود في الشارع من المطلبي البحت إلى السياسي البنيوي، وتوريط الناس الغاضبة في الساحات بخطاب سياسي ركيك

محاولات تسييس الحالة الثورية في الشارع وتقزيمها وتظهيرها بأنها حراك سياسي له من يديره، وقادة يمكن للسلطة التفاوض معهم، كانت هدفاً للمنظومة، ومرة جديدة نجح الناس بوعيهم، ومن خلال خبرتهم مع هذا النظام، من منع ظهور حالات قيادية، وقطعوا الطريق على أي محاولة تسلق لقياديين قد تتمكن المنظومة من استدراجهم إلى تفاوض، وبالتالي حرف المسار الثوري.

نجح الناس بتنظيم صفوفهم بالحد الأدنى في المدن والمناطق، بآليات ديمقراطية وتشاركية عصرية، تتناسب وحالتهم الثورية الرافضة للسلطوية والهرمية، فاستغنوا عن أي قيادة مركزية أو هيكليات هرمية تقليدية، تشبه حالات الزعامة التي كرسها النظام.

محاولات "توزير" الحراك

بعد سقوط حكومة التسوية السياسية الجامعة لأحزاب السلطة الطائفية برئاسة سعد الحريري، وبين محاولات التكليف المتتالية التي اتسمت بفشل تلو الآخر، حاولت المنظومة إرساء مفهوم "وزراء ووزيرات يمثلون الحراك".

تطورت حالة الإنكار لدى المنظومة، إلى مرحلة اعتبار أن من يثور في الشارع هم مجموعات وأشخاص يطمحون إلى مناصب سلطوية ومقاعد وزارية في الحكومة.

وخلال عمليات التكليف والتأليف وُزعت عشرات اللوائح لحكومات مزعومة، تضمنت أسماء الناشطين والناشطات السياسيين المشاركين، أما في التظاهرات الشعبية، أو في المجموعات والأحزاب السياسية المعارضة للمنظومة، أو حتى عبر أسماء تم إسقاطها، من نسج خيال من يدعمها، لكن المنظومة فشلت أيضاً في هذه المحاولة.

ويوم اللقاءات التي جمعت رئيس الحكومة المكلف آنذاك، حسان دياب، مع مجموعة أشخاص ادعوا تمثيل "الحراك"، كان الفشل الأبرز للمنظومة في هذا المسار: كان المشهد كوميدياً.

فبالإضافة إلى المواجهة بين من ادعى "تمثيل الثورة" مع المتظاهرين أمام منزل حسان دياب، كانت المواجهة افتراضية أيضاً على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث استطاع الناس تعرية كل من ادعى تمثيلهم خلال دقائق، فاضحين الأسماء وارتباطاتهم السياسية والحزبية.

شُكلت حكومة حسان دياب، ولم تجرؤ السلطة أن تسمي أي اسم وتدعي تمثيل "الحراك" في الحكومة، وفي هذا المشهد انتصار واضح للناس لوعيهم وإدراكهم بأنه ليس هناك أي نقطة تلاقي مع نظام اختار أن ينحاز ضدهم وضد مصالحهم.

مئة يوم من ثورة على النظام وعلى الأوليغارشية الحاكمة وعلى السياسات الاقتصادية، الاجتماعية والمالية المعادية للناس، مئة يوم ثورة على الأبوية والذكورية، مئة يوم من ثورة مفاهيم وقيم وإعادة خلط وترتيب لمنظومتنا الأخلاقية ومعاييرنا

ثورة وليست حراكاً أكثر من أي يوم مضى

أثبتت كل الوقائع والمواجهات التي حصلت مع السلطة وإعلامها، أن الصراع أبعد من فورة شارع أو حراك، وأعمق من تمثيل سياسي وحصص وزارية.

مئة يوم من النقاش السياسي الاجتماعي الاقتصادي في البلاد لم نشهده منذ عقود، مئة يوم من ثورة على النظام وعلى الأوليغارشية الحاكمة وعلى السياسات الاقتصادية، الاجتماعية والمالية المعادية للناس، مئة يوم ثورة على الأبوية والذكورية، مئة يوم من ثورة مفاهيم وقيم وإعادة خلط وترتيب لمنظومتنا الأخلاقية ومعاييرنا.

مئة يوم ثورة بهتاف: "ثاو ثاو ثاو ثورة، ثورتنا مش حراك".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard