من الـ"هيلا هو" إلى تشكيل الحكومة... كيف قاد جبران باسيل "الثورة المضادة"؟

الجمعة 24 يناير 202007:36 م

يوم نزل اللبنانيون إلى الشارع في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، كان دافعهم اللحظوي ضريبة الواتساب التي حاول تمريرها وزير الاتصالات محمد شقير، إلا أن هذا الدافع لم يكن بالطبع السبب الوحيد لهذه الاندفاعة الكبيرة.

من اليوم الأول، ظهر حنق الناس على كل ما يمت للنظام ولأركان الحكم بصلة. كان رفض جبران باسيل أساسياً. كان هتاف الـ"هيلا هو" صرخة جمعت كل شرائح المتظاهرين في وجه سلطة فاسدة كان باسيل من آخر نتاجاتها. الصرخة في وجهه كانت قوية إلى درجة أنه قيل حينها إنه انتهى سياسياً، وقُطعت أمامه طريق الوصول إلى قصر بعبدا وريثاً لعمّه.

لكن باسيل لم يستسلم، لعب بهدوء ودهاء، وهو اليوم يُمارس ما كان يفعله قبل 17 تشرين الأول، من دون أن يكون هناك اعتراض فعلي من الذين اعتبروا هتاف "هيلا هو" إعلاناً لنهاية حقبة الباسيلية.

أسكرت فكرة نهاية باسيل الشارع فيما كان وزير الخارجية الذي أسقطه ضغط هذا الشارع يُحضّر لمعركة عودته ونهوضه بهدوء، مستفيداً من عوامل كثيرة لعبت لمصلحته لعلّ أهمّها إدراكه لمحورية علاقته مع حزب الله، وكيفية تكريس وتوظيف هذه العلاقة في معركة استعادة ما فقده في ساحات لبنان المختلفة.

لم يمُت

سقط جبران باسيل في الشارع منذ اليوم الأول للثورة. لكنه، وبعكس ما اعتقد كثيرون، لم يمُت. عاد إلى الواجهة من دون أن يكون في الواجهة حتى. درس كل خطواته بهدوء فيما كان خصومه يتلهون بانتصارات محدودة، غير مدركين أن التراجع أو الانكفاء في لحظة ما، يمهد لبداية انكسار ربما يتحول إلى هزيمة إذا لم يتدارك الناس ما اقترفته أيديهم.

لا شك في أن باسيل توقف كثيراً أمام حجم الكره الذي يكنّه الناس له، بمختلف أطيافهم. هذا الكره هو تعبير عن مخزون كراهية راكمه اللبنانيون بحق كل السياسيين الذين تعاقبوا على حكمهم، لكن المفارقة أنها تفجرت في وجه باسيل. لماذا؟ لأن الرجل في سياق زمني قصير استطاع أن يضاهي ويتخطى أعتى اللاعبين السياسيين، وكان التجلي الأكثر وقاحة والأحدث لطبقة اقتاتت برمّتها من حساب الناس ووجعهم. وأتى هذا الانفجار في وجه رئيس التيار الوطني الحر في أوج الانتهازية التي مارسها ويمارسها.

لكن هذا الواقع لم يجعله يتراجع، بل على العكس، بكل عنجهية، ظهر في بعبدا بعد أسبوعين على الثورة ليحاول أن يقول إن لا شيء عظيماً أو كبيراً يحصل بل ليحاول أن يزايد على الناس الثائرة ويتقدمهم. وقف بين أنصاره على مقربة من قصر حلم بأن يدخله رئيساً في يوم قريب، ليتحدث بثقة استفزت كثيرين، وأشعلت الشارع المنتفض أساساً. هنا، شيء ما تغيّر فيه، نزل من عرشه وأدرك أن المتغيّر قد يكون أكبر من أن يتجاوزه. وعليه، بدأ يتراجع عن الظهور علانية إلا في ما ندر، وترك لمستشاريه ولحركته خلف الكواليس أن تقود الثورة المضادة التي ستخرجه من الدرك الذي وصل إليه.

خطة العودة

أدرك باسيل سريعاً أن معركته ليست فقط مع الشارع بل أيضاً داخل البيت الواحد. بعد هفوة بعبدا، أفسح المجال عن عمد لابنة "الجنرال" ميراي كي تلعب الدور الذي تريده. ترك لها ولجان عزيز كتابة كلمة والدها الثانية والتي كانت ملطفة وغير مُستفزة. لكنه في الوقت نفسه، لم يترك عمّه ولا لحظة. بقي يُمسك اللعبة بكل تفاصيلها، فهو الذي يقرر سياسة القصر ولا ضير في السماح لخصوم البيت الواحد بأن يسجلوا عليه نقاطاً لن تخسره في معركته الأوسع.

في المقابلة التي أجراها مع الرئيس اللبناني ميشال عون الإعلامي الطموح سامي كليب وزميله نقولا ناصيف، بعد مضي أكثر من ثلاثة أسابيع على الثورة، حرص باسيل على أن يُسرب صورته في الخلفية، ليقول إنه لا يزال موجوداً وهو يرسم السياسة حتى لو لم يظهر. كانت هذه صورة إعلان البقاء على قيد الحياة، والتأسيس لمرحلة لاحقة: اللعب خلف الكواليس وكسب المباراة ككل حتى لو سُجّلت عليه نقاط.

توازياً مع هذا الواقع، نشر باسيل مستشاريه بين مجموعات تعتبر نفسها جزءاً من الثورة، فراحت اللقاءات تزداد وتتوسع، ومنصور فاضل يسرح ويمرح بين بعض مَن يعتبرون أنفسهم ثواراً، وآخر في أجندته احتمال عودة ميمونة إلى صفوف السلطة بشروط يعتبرها مقبولة حين يرى أن باسيل عاد ليبحث عنه بعد أن استُبعد بطريقة أو بأخرى.

شخصيات كثيرة تدخل في هذا السياق وهي كافية للدلالة على كيفية اختراق جبران لشريحة لا بأس بها من مجموعات الثورة، خاصة تلك المتموّلة كثيراً والتي صار همّها مؤخراً التعبير عن وجع القطاع الخاص وخوض معركته فقط لا غير، فيما التركيز الأوسع لديها كان يتركز على تخفيف اندفاعة الناس المنتفضة بما يصب في مصلحة السلطة في مكان ما، ولعل هذا عن قصد وسابق إصرار.

حين ظهر باسيل في خلفية الكاميرا في قصر بعبدا، كان قد أخذ قراره في كيفية إدارة معركته. انتبه لجو الناس الحانق، فحاد قليلاً عن الواجهة وهجم في غير مكان.

لم يترك صهر الرئيس الساحة لا لخصومه ولا للناس. فبينما كان مستشاروه يتغلغلون بين بعض المجموعات، كان هو يُدير حلبة الصراع السياسي بالأسلوب المعتاد، أي الاستفادة من موقعه عند حزب الله من أجل فرض شروطه، فحين أدرك أنه غير مُرحب بعودته إلى الحكومة، انتقل إلى مواجهة خصمه المباشر، سعد الحريري.

لم يترك للأخير فرصة الخروج من عباءة الاتفاق الرئاسي بهذه السهولة. كان أكثر من واضح: إما يخرج هو ومعه سعد وإما يبقيان سوياً. لكنه وفي كل خطوة كان يخطوها في هذا الاتجاه، حاول أن يستخدم الحريري للبقاء، وعرف جيداً كيف يقلب المعركة لصالحه، خاصة أنه علم جيداً أن أولوية حزب الله كانت أن يعود الحريري رئيساً للحكومة، لحسابات إقليمية لا محلية. ولكن حتى في هذا المكان، سجل النقاط لصالحه وربح المعركة التي اعتبرها الحريري فرصته ليتحرر من اتفاق جناه على نفسه من أجل أن يكون رئيساً لحكومات مسؤولة عن حال اللبنانيين الميؤوس منه.

أخذ وزير الخارجية خطوة أخرى. قرر أن يظهر على الإعلام بطريقة مغايرة. بعد اجتماع لتكتل لبنان القوي الذي يرأسه، أخرج شخصية جديدة، فيها منحى استعطافي أو بالأحرى فيها الكثير من محاولات إظهار نفسه كشخصية يغلب عليها الجانب الإنساني.

في سياق حملته لاسترداد نفسه ولاستكمال حربه في الوقت نفسه، كان لا بد له أن يكون كالحمل الوديع، متواضعاً ويضع نفسه في صفوف الناس ويقول إنه مع التغيير ويريد حكومة اختصاصيين تعمل من أجل الناس. أصرّ بصلافة على أن هذا مطلبه وعلى أنه منذ أنه منذ تولى أول منصب وزاري وهو يعمل من أجل الناس. اللبنانيون لا يرون إنجازاته في الاتصالات وفي الكهرباء. اللبنانيون بطبيعتهم لا يُقدرون الناس الذين يخدمونهم. مسكين باسيل مع هؤلاء الناس المُجحفين بحقه!

جبران باسيل الذي خصّه المتظاهرون بهتاف الـ"هيلا هو" لم يستسلم. لعب بهدوء ودهاء، وهو اليوم يُمارس ما كان يفعله قبل الثورة، من دون أن يكون هناك اعتراض فعلي من الذين اعتبروا الهتاف الشهير إعلاناً لنهاية حقبة الباسيلية

التذاكي

ضرب باسيل الكثير من العصافير بحجر واحد. قال في 12 كانون الأول/ ديسمبر: "إذا أصر الحريري على معادلة أنا أو لا أحد وأصر الثنائي على معادلة حكومة تكنو-سياسية فنحن كتيار وطني حر لا يهمنا المشاركة بهكذا حكومة لأن مصيرها الفشل".

وضع خصومه وحلفاءه أمام أمر واقع، فإما حكومة تناسبه، أي يكون جزءاً منها بشكل أو بآخر، أو حكومة من دون الحريري. بدهاء إضافي قال التالي: "عملاً بهذا المنطق يختار الرئيس الحريري رئيس حكومة يحظى بثقة الناس ومتوافق عليه فنكون قد احترمنا الميثاق بعدم تخطي إرادة الأكثرية السنّية، وعلى هذا الأساس يشكل رئيس الحكومة المكلّف بالتشاور مع رئيس الجمهورية حكومة تصالح اللبنانيين مع الدولة وتنفّذ الإصلاحات وتحافظ على التوازنات".

في تصريحاته هذه، قال للثنائي الشيعي إن الذهاب مع الحريري لن يمر مرور الكرام عند حليف أساسي لهما، أي هو وما يمثله، وتحديداً عمّه الذي يقطن في بعبدا، وهو ما لا يريد حزب الله حصوله حالياً. ثانياً، وجّه ضربته للحريري الذي اعتقد أنه يكسب وقتاً ومكانةً، فلعب لعبته نفسها ونجح في كسره فيها، إذ بين أن يبقى الثنائي متمسكاً بالحريري وبين أن يشتري الوقت ولا يخسر باسيل إلى أن يتبلور المعطى الإقليمي كان لا بد له من أن يذهب إلى الخيار الأضمن، أي باسيل. هذا تماماً ما أدركه الأخير وعرفه جيداً وهو ما بنى عليه خطة عودته برمتها من دون أن ينسى أن المجتمع الدولي لا يتمسك بشخص، عكس ما اعتقد الحريري طوال مدة مفاوضاته للعودة.

تعاطى باسيل مع الثورة كتفصيل وأدخل السياسيين في لعبته لعلمه أن كل اتفاق لا بد أن يمرّ عبره كونه جزءاً من المشكلة القائمة. الرجل الذي طلب منه في البداية النائب في تكتله البرلماني إبراهيم كنعان أن يتنحى لسنة أو أكثر ريثما تهدأ الأمور، عاد كلاعب أساسي كما كان قبل 17 تشرين الأول.

جهد الوزير المُقال أثمر. اعتذر الحريري، ليُكلّف حسان دياب (في 19 كانون الأول/ ديسمبر) الذي كان باسيل (مع المدير العام السابق لقوى الأمن العام والنائب الحالي جميل السيّد) أوّل من تبنى فكرة تكليفه. ولكنه لم يرمِ ورقته كي لا تحترق.

حين اعتقد سعد الحريري أنه يلغي كل مَن يهددونه من السُنّة، كان هناك مَن يُخطط إلى ما هو أبعد من ذلك. خرج الحريري من المعادلة ودخلها دياب ومعه دخل جبران ليس فقط كلاعب مُقرِّر باسم الرئيس المكلف، بل كواحد ممَّن يفرضون شكل التشكيلة ويتحكمون بموقع رئاسة الحكومة برمته.

دياب المهووس باللقب لن يصمد أمام باسيل الذي عرف تماماً مَن يختار لهذا المنصب، وكل حديث عن عناد يمارسه الرئيس المكلف تبيّن لاحقاً أنه متفق عليه. عرف باسيل أيضاً كيف يدير اللعبة من خلاله، مع حظ وفير كان في صالحه في كل مرحلة ما بعد إطلالته في بعبدا.

حتى الثنائي الشيعي في مرحلة من التكليف تنبّه لما يقوم به باسيل في موضوع التشكيل. هو يتدخل حتى في الأسماء التي تهمّ حزب الله وحركة أمل. طموح الرجل لا حدود له، وقدرته على الاعتداد بنفسه والتصرف على هذا النحو لا يضاهيها شيء. ببساطة هو وقح إلى درجة أن يُسمي وزراء باسم الثورة. كيف لا وهو يعتبر نفسه جزءاً منها أيضاً.

في وقت أسكرت فكرة نهايته السياسية المتظاهرين، كان جبران باسيل يُحضّر بدهاء وهدوء لمعركة عودته ونهوضه، مستفيداً من عوامل كثيرة لعبت لمصلحته

النهوض

في خضم كل هذا، أتاه الوقت والمنبر لينهض من جديد وكأن شيئاً لم يحصل. جلس في منزله مع صحافيين من تلفزيون الجديد في 7 كانون الثاني/ يناير. ولنحو خمس ساعات متواصلة، تحدث في كل شيء ولم يتحدث بشيء. كان يجلس أمام مرآة يتكلم ويسأل ويجاوب، بل يوهم الناس أنه يُجاوب، تماماً كما أوهم "الصحافيين" اللذين أجريا معه المقابلة. رمى المسؤولية عن كل شيء من على كاهله وأعطى لنفسه صك براءة في كل ما قام به طوال وجوده في الحكم.

في خمس ساعات، عاد باسيل إلى ما كان عليه قبل 17 تشرين الأول، ليس في ما يخص موقعه وسلطته، بل أبعد من ذلك، عاد إلى شخصيته، إلى حقيقته، إلى الشخص الذي لا يرى إلا نفسه. إلى هذا الحد كان مرتاحاً. إلى هذا الحد شعر أن كل شيء حوله عاد كما كان وله أن يعود متخففاً من عبء "الهيلا هو".

أكثر من ذلك، سمح لنفسه بأن يوّرط حليفيه بالدعوة إلى العودة لحكومة سياسية (دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري لحكومة لم شمل جامعة في 8 كانون الثاني/ يناير) وبالانتهاء من محاولات خلق عباءة الاختصاصيين الفضفاضة، ثم بأن يعود ويتبرأ من هذا الالتفاف الذي وجد بري نفسه يحمل وزره وحده فجأة. ضرب باسيل في كل الاتجاهات، وعلى كل المستويات.

كانت المفاوضات تتسارع ثم تتباطأ. حسان دياب يريد حكومة اختصاصيين كي يقول إنه لبّى طموح الشارع. أتاه باسيل ثم جميل السيد بالعديد من الأفكار، منها الإتيان بوزراء غير معروفين يُقال عنهم اختصاصيين، فيهدأ الشارع "الذي غالبيته لا يعرفهم ولا يعرف عنهم شيئاً"، كما تداولوا في مجالسهم، وكُل طرف يأخذ حصته مواربة من خلالهم.

على هذا الأساس أدار دياب (السيّد/ باسيل) مفاوضاته مع الأطراف كافة، وتحديداً مع جبهة الممانعين. هو كان من الواضح أنه يريد لقب دولة الرئيس ولن يتخلّى عنه مهما كان الثمن، وهُم، أي باسيل ومَن معه، يريدون حكومة تخفف عنهم ضغط الشارع، وتبقيهم في مواقعهم بطريقة أو بأخرى، والراعي الأكبر، أي حزب الله، سيضمن وجوده في الحكومة وفي الوقت نفسه سيطمئن إلى أن شكل الحكومة لن يكون مستفزاً للمجتمع الدولي، في زمن يحرص فيه على أن يكون في الموقع الرسمي، لأنه يدرك أن خروجه ليس خياراً، فخروجه يعني انكشافه، ولا يمكن أن يفعل ذلك في وقت تغتال الولايات المتحدة قاسم سليماني وتصرّ على أن تجرّ إيران إلى مفاوضات بشروطها؟

لأكثر من شهر، كان دياب يحاول أن يصير رئيساً للحكومة، وخلفه وقف أشخاص أرادوا إنهاء المعركة مع الناس من خلال صورة لرجل في بعبدا، حوله تشكيلة لرجال ونساء ظل، تشكيلة من مستشارين يعملون عند الوكيل. خرج الرئيس المكلف يوم 21 كانون الثاني/ يناير في القصر الجمهوري ليُعلن تشكيلته. ابتسم كثيراً وهو ينظر إلى الصحافيين، ابتسم وهو يستعجل الانتقال إلى منزله الجديد، السراي. ولكن، المُبتسم الحقيقي كان خارج إطار الكاميرا، كان يجلس في مكان ما، والأرجح في بعبدا، إلى جانب عمّه، وينظر إلى شاشة مقسّمة بين وسط بيروت والقصر الرئاسي، ويضحك، يضحك علينا جميعاً.

اليوم، وسط كل ما تمرّ به الثورة وما يعانيه الناس، يقف جبران باسيل ليشكل حكومات. كان بالأمس يشاهد أحلامه الرئاسية تتلاشى. كان الشخصية التي يُجمع اللبنانيون على نبذها لأنها أسوأ تجلٍّ للنظام الفاسد. هذا ما كانه. أما واقع الحال اليوم، فيشي بأنه في معركته هذه، تغلّب على الجميع وعاد برغم كل ما يمثله. عاد ليكون أقوى مهما حاولنا إنكار هذا الواقع. عاد فيما الكثير من الناس دخلوا في سبات نسبي علّه لا يطول.

لكن المعركة طويلة وبحاجة إلى نفس طويل جداً، نفس يساهم في ضرب كل محاولة عودة لكل المتسلقين، وأولهم وعلى رأسهم، جبران جرجي باسيل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard