تسع سنوات على 25 يناير... "نظام قمعي أبوي وحقوق وحريات دونت ميكس"

السبت 25 يناير 202011:24 ص

لم تكن مشاركة المرأة المصرية في ثورة 25 يناير 2011 أولى مشاركاتها في صناعة التغيير. ولكن ثورتها حينذاك على التهميش والفقر والقمع ومطالبتها بنظام ديمقراطي يقوم على أسس الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، راكمت لدى شريحة واسعة من المصريات تجارب أنتجت وعياً جديداً بقضايا المرأة.

ما بعد 25 يناير ليس كما قبله بالنسبة إلى المرأة المصرية. فعلى الرغم من تراجع التمثيل السياسي للنساء في أولى الانتخابات البرلمانية بعد الثورة، ثم وصول العكسر الذي يعزز بطبيعته النظام الأبوي، كونه يقوم على العلاقات الهرمية التراتبية المبنية على التسلط والخضوع، إلا أن مرحلة ما بعد الثورة شهدت إنتاج سرديات جديدة وأعادت تشكيل الوعي النسوي في مصر، لتنتقل المصريات من مقاومة الموروث الاجتماعي إلى المطالبة بسياسات حساسة للنوع تواجه بها البطريركية.

جسد المرأة كأداة للسيطرة

"يمكنني القول إنني بدأت نشاطي النسوي حين اعترضت على كشوفات العذرية التي أجراها المجلس العسكرى لنساء قُبض عليهن إثر مشاركتهن في تظاهرة في آذار/ مارس 2011، ثم باعتراضي على تحرّش السجانات بالمعتقلات"، تقول الصحافية المصرية والناشطة و"أوّل أم مصرية عازبة" هدير مكاوي لرصيف22.

هدير التي شاركت في ثورة 25 يناير اعتُقلت في 16 كانون الثاني/ ديسمبر 2011، في يوم "سحل ست البنات"، الشابة التي اعتدت عليها القوات الأمنية بعنف في ميدان التحرير، أثناء أحداث مجلس الوزراء، وانتشرت صورتها وهي ملقاة على الأرض، ونصفها الأعلى عارٍ إلا من حمالة الصدر.

"كنت خائفة ومرعوبة. كانت تجربتي الأولى واختباري الأول لحكايات كنت أسمعها من نساء تعرّضن للاعتقال"، تروي. وضعوا هدير في خزان ممتلئ بالماء البارد، ثم تحت التهديد بالاغتصاب أجبروها على تسجيل فيديو.

"هتقولي إنكو كنتو بنات وشباب بتباتو مع بعض في الخيام وإنك اتعديتي على مؤسسات الدولة وهاجمتي العساكر أثناء عملهم. هتقولي الكلام ده قدام الكاميرا ولّا في عساكر جوّا ما شافتش لحمة وما تعرفش شكلها إيه"، قالوا لها. أمام هذه التهديدات ومشهد رجال الأمن الذين يحملون أدوات الصعق الكهربائية والهراوات، اضطرّت هديل إلى تسجيل فيديوهات تقول فيها إنها "بنت ليل" حسبما طلب منها "العقيد هاني"، المسؤول عن التحقيق معها.

دام اعتقال غدير أياماً قليلة، وبعد خروجها بيومين ظهرت في برنامج "الحقيقة" مع المذيع وائل الأبراشي لتروي ما حدث معها وكيف أجبرت على تسجيل فيديوهات بوقائع غير حقيقية، كي تتفادى التعرّض للاغتصاب.

اعتقلت هدير مجدداً في كانون الثاني/ ديسمبر 2016، إثر مشاركتها في التظاهرات المعترضة على منح جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وكانت حينها حاملاً في الشهر الثامن وتواجه مشاكل مع والد طفلها الذي يرفض الاعتراف به.

وكانت هدير قد ارتبطت بشاب مصري، وفي ظل عدم موافقة عائلتيهما على العلاقة، تزوّجا عرفياً. وعندما واجهت هدير شريكها بأنها حامل بطفله طالبها بإجهاضه، لكنها قررت الاحتفاظ به. وفي ظل عدم اعتراف الوالد بالطفل، بدأت بإجراءات قانونية لإثبات النسب، ما جرّ عليها تهديدات من أسرته، واستخدم جد الطفل لأبيه نفوذه وعلاقاته الجيّدة مع الأمن لمحاولة إسكاتها.

"هتقولي إنكو كنتو بنات وشباب بتباتو مع بعض في الخيام وإنك اتعديتي على مؤسسات الدولة. هتقولي الكلام ده قدام الكاميرا ولّا في عساكر جوا مشفتش لحمة ومتعرفش شكلها إيه"، قال عنصر الأمن للشابة المصرية المعتقلة

تركت هذه الأحداث التي عاشتها هدير أثراً كبيراً على شخصيتها ونظرتها للأمور، وراكمت لديها خبرات خاصة جعلتها تعاين مكانة المرأة المصرية في المجتمع والمنظومة القانونية.

تحدي السلطة الأبوية

لم تشارك سارة حجازي، العضو المؤسس في حزب عيش وحرية الاشتراكي الديمقراطي، في ثورة يناير بسبب اعتراض أهلها على ذلك واعتبارهم أن دور الفتاة هو الزواج وتربية الأطفال وليس المشاركة في التظاهرات. لكن سارة تحدّت محيطها وشاركت في الأحداث التي تلت الثورة، بدءاً من أواخر عام 2011.

السلطوية مارسها النظام الأبوي بكامل أركانه على سارة: العائلة، المجتمع، والأجهزة الأمنية.

تتذكر حادثة حصلت معها أثناء مشاركتها في تظاهرة في شارع محمد محمود، شهدت إطلاق قوات الأمن قنابل غاز مسيل للدموع على المتظاهرين. تقول لرصيف22: "كنت بمشي لقدام. جاه شخص قال لي ‘إيه يا حلوة إنتي بتناضلي؟ ارجعي ورا أحسن تتعوري’". شعرَت بالإهانة لأن متظاهراً لا يعرفها استخف بها لمجرد أنّه ذكر وهي أنثى.

ترسّخ الأنظمة الديكتاتورية القمع عبر الأسرة التي تنشئ المواطن الذي يفضّله النظام، مواطناً مطيعاً وراضخاً. لذلك، فإن الدولة عادةً ما تسعى إلى حماية الثقافة البطريركية عبر المحافظة على العادات والتقاليد المتوارثة وفكرة "الأب" بمفهومه السلطوي.

كثيرون أطلقوا لقب "أب المصريين" أو "أب جميع المصريين" على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ومن قبله على الرئيسين الأسبقين حسني مبارك وجمال عبد الناصر. وحتى لو اعتبرنا ذلك عفوياً وخالياً من المكر، إلّا أنه يعزز مفهوم السلطة الأبوية باعتبار أن الذكر، الأب أو الأخ الأكبر أو الزوج أو "كبير العيلة" أو العمدة أو الضابط أو المسؤول أو الزعيم أو الرئيس... يمتلك الوصاية على مَن هم أدنى منه في المنظومة الأبوية ويحدد لهم الصح والخطأ. ووفق هذه المعادلة، يعتبر الرجل نفسه وصياً على النساء وصاحب حق في التحكم بأجسادهنّ.

تعرّضت سارة للتعنيف والضرب والشتائم من أسرتها لأنها خلعت الحجاب عام 2017 ورفضت الزواج من رجل وأعلنت ميولها المثلية.

وتعرّضت للسجن إثر حادثة "علم الراينبو" الشهيرة، عندما ألقت قوات الأمن، في ليلة 22 أيلول/ سبتمبر 2017، القبض على 75 شخصاً بسبب رفع "علم الراينبو" الذي يرمز إلى التضامن مع مجتمع الميم في القاهرة، أثناء حفل لفرقة مشروع ليلى اللبنانية. "والسجن بحد ذاته وصمة عار على الفتاة في مصر إذ يصبح لقبها خريجة سجون"، تقول سارة.

"كانت تتم مقارنتي بقريبتي التي تعتبرها العائلة بنتاً صالحة لأنها محجبة وتزوجت وأنجبت. والنظام أيضاً يعتبرها مواطنة صالحة لأنها تقوم بدورها المحدد ولا تعترض على أدائه ولا تعبّر عن آرائها. أما أنا فيعتبرني مواطنة غير صالحة"

"كانت تتم مقارنتي بقريبتي التي تعتبرها العائلة بنتاً صالحة لأنها محجبة وتزوجت وأنجبت. والنظام أيضاً يعتبر قريبتي هذه مواطنة صالحة لأنها تقوم بدورها المحدد ولا تعترض على أدائه ولا تعبّر عن آرائها على فيسبوك. أما أنا فيعتبرني مواطنة غير صالحة، ومهددة بالاعتقال في أي لحظة لأنها تهدد أمن الوطن"، تضيف سارة وتعلّق: "نظام قمعي أبوي سلطوي وحقوق وحريات دونت ميكس".

بين الثيوقراطية والعسكريتاريا

عام 2012، تراجع تمثيل المرأة في المؤسسات الدستورية، وانخفض التمثيل النسائي في برلمان ما بعد الثورة إلى 2% بعد أن كان 12.5% في برلمان 2010.

أمّا أول حكومة في عهد الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي والتي تشكّلت برئاسة هشام قنديل واعتُبرت حكومة مزيج إخوان-عسكر، فلم تضمّ سوى سيّدتين من أصل 35 وزيراً.

كانت نظرة جماعة الإخوان المسلمين لمكانة المرأة في الحياة العامة سلبية بشكل عام، ويلخّصها بيان نشرته على موقعها الإلكتروني، في 14 آذار/ مارس 2013 حذّرت فيه من إعلان أممي بشأن حقوق المرأة كانت تجري مناقشته في لجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة.

اعترضت الجماعة على "إعطاء الزوجة الحق في أن تشتكي زوجها بتهمة الاغتصاب أو التحرش"، وعلى "التساوي في الميراث" و"استبدال الشراكة بالقوامة، والاقتسام التام للأدوار داخل الأسرة بين الرجل والمرأة مثل الإنفاق ورعاية الأطفال" "والتساوي التام في تشريعات الزواج مثل: إلغاء كل من التعدد والسماح للمسلمة بالزواج بغير المسلم"، ووصفت الإعلان بأنه "يوفر الحماية والاحترام للعاهرات".

بعد إسقاط حكم الإخوان المسلمين، تغيّرت طبيعة الخطاب السياسي تجاه قضايا المرأة، وارتفعت نسبة تمثيل النساء في برلمان 2016 إلى 14.9%، ولكن أوضاع النساء لم تتحسّن. فمن حملات تخوين المعارضات والناشطات ووصمهن إلى اعتقالهن، سعى نظام السيسي إلى قمع المصريات بكل الوسائل الممكنة.

وتجدر الإشارة إلى أن نسبة النساء اللواتي ترشحن في أول انتخابات برلمانية بعد الانقلاب العسكري عام 2013، والتي جرت في نهاية عام 2015 انخفضت إلى 5.6% من مجموع المرشحين بعد أن كانت 9% في انتخابات 2011.

تعتبر سارة حجازي أن المعركة بين الإخوان والعسكر هي معركة وصول إلى السلطة أولاً وأخيراً، وهو ما توافقها عليه الباحثة في مجال القانون الدولي وحقوق الإنسان سمر الحسيني التي تقول لرصيف22 إن نظام السيسي يستهدف حركة حقوق الإنسان بشكل عام ومن ضمنها حقوق المرأة، مشيرة إلى أن الدولة تستخدم مفهوم الإرهاب والأمن كوسيلة لتبرير سياسياتها القمعية ضد كل مَن يتعاطى الشأن العام.

في خطاباته، يدّعي نظام السيسي الاهتمام بالمرأة. اعتبر أن عام 2017 هو "عام المرأة" واستخدم ملف المرأة كأداة ترويجية له أمام المجتمع الدولي، متباهياً بالوجوه النسائية الموجودة في مراكز صناعة القرارات، واللواتي اختارهن على أساس الولاء والتبعية وليس على أساس الكفاءة، ولكنه لم يتوانَ عن ملاحقة الناشطات والمدافعات عن حقوق الإنسان بل قام بإغلاق مكاتب المنظمات النسوية وتجميد حساباتها ومنع الناشطات فيها من السفر ولاحقهن قانونياً، خاصةً بعد إقرار القانون 170 لسنة 2017 المتعلّق بتنظيم عمل الجمعيات الأهلية، والذي كانت بين عرّابيه امرأة هي وزيرة التضامن الاجتماعي غادة والي، المشاركة في قمع الحريات وإغلاق المجال العام في مصر.

ناشطات كثيرات يرون أن النظام المصري الحالي يريد نساءً خاضعات يقتصر دورهن على تربية أجيال خاضعة لا نساء واعيات بحقوق الإنسان عامةً وحقوقهن خاصةً، وأنه ترجم هذه الإرادة عبر اعتقال ناشطات وحقوقيات وصحافيات، وعبر استخدام النساء كأداة انتقام سياسي من رجال مطلوبين.

يمكن القول إن النظام المصري الحالي يرى في مسألة حقوق المرأة موضوعاً أداتياً يستخدمه وفق المصالح السياسية لا مسألة مواطنة وحقوق. وبرأي سمر الحسيني، "حقوق الإنسان كلها ليست على أجندة النظام المصري".

ثورة المصريات مستمرة

شاركت الباحثة والكاتبة المصرية و. م. في ثورة يناير. تروي لرصيف22 أن وعيها النسوي بشكله الحالي تشكل لديها بعد عام 2014، أما قبل ذلك فقد كان وعياً عاماً بالحقوق والحريات.

وتضيف أنه قبل 25 يناير كان الرجل غير قادر على تصور أن المرأة متساوية معه وأن النساء سيتركن البيوت وينزلن إلى الشوارع للمشاركة في التظاهرات وأن "تشرب المرأة سجاير هي وماشية في الشارع".

وبعد 18 يوماً من الثورة، وبرغم حالة التضامن والوحدة والنضال المشترك بين الشباب والشابات، ظهرت ضرورة المواجهة الحقيقية مع التراكمات الثقافية والبنى التقليدية للمجتمع. وصُدمت النساء بمنعهنّ من المشاركة في اجتماع للألتراس عُقد في فترة الليل، بعد أشهر من الثورة.

وتذكّر و. م. بأن أحد أشكال ردة الفعل على مشاركة النساء في التظاهرات كان العنف الجنسي من قبل عناصر الأمن ضد المتظاهرات، إضافة إلى حالات تحرّش من بعض المتظاهرين في ميدان التحرير، وهو ما أثّر على العائلات التي راحت تطلب من بناتها عدم المشاركة.

ترى سارة حجازي أن للمجتمع المدني والمنظمات الحقوقية دور كبير في رفع وعي النساء بحقوقهن. أما سمر الحسيني فتعتبر أن أهم إنجازات الثورة "أنّها نقلت الخطاب النسوي من المرحلة الفئوية النخبوية إلى مستوى أشمل وأكثر تعبيراً عن النساء المصريات"، بمعنى أن الوعي النسوي انتشر ليستهدف شرائح أوسع من النساء المصريات، ونتيجة لهذا الانتشار أصبح الخطاب النسوي في مصر أكثر تمثيلاً لمشاكل وتحديات وتطلعات النساء من كل الطبقات والشرائح المجتمعية في مصر.

"لو أن شعارات ثورة 25 يناير تحققت بالمعنى الذي نفهمه اليوم، وخاصة الحرية، ما كنت لأكون اليوم منفية وبعيدة عن إخوتي وما كانت لتكون ماهينور المصري اليوم في السجن" تقول سارة حجازي وتختم: "لو حصلت تظاهرات مجدداً حشارك بس حرفع شعار إسقاط النظام الأبوي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard