البقاء للأجمل، لا للأقوى

الأربعاء 29 يناير 202007:02 م

"أصاب بالقرف كلما حدّقت بذيل الطاووس الذكر"، هذه كلمات تشارلز داروين عام 1860، بعد صدور كتابه الأشهر، "عن أصل الأنواع عبر آليات الاصطفاء الطبيعي"، والذي جزم فيه أن الكائنات الموجودة بأشكالها، نتاج عملية تطورية تنقرض إثرها جماعة من فصيل ما وتستمر أخرى، بسبب الخصائص الجسمانية التي تمتلكها، هذه الخصائص تضمن نجاة الأفراد في البيئة التي يسكنونها، وتحفظ قدرتهم على التكاثر ونقل خصائصهم الوظيفية والتكيفية إلى الأجيال القادمة.

الاصطفاء الدارويني الطبيعي الذي هزّ تاريخ البشرية، لم يستطع حسب داروين نفسه، تفسير ذيل الطاووس، المنتصب، المزيّن والمزخرف بأعين متقنة الصنع، الذي لا يحمل أي وظيفة "تكيفية" سوى جذب الإناث، وهذا ما شرحه لاحقاً، في كتابه "سلالة الإنسان والانتقاء على أساس العلاقات الجنسية"، والذي شكلت إحدى النظريات فيه، صفعة لمؤيديه، كونه شرح فيه مفهوم الذوق الجمالي، وكيف أن بعض الخصائص الجسمانية والتزيينية موجودة لأسباب ترتبط باللذة التي يبحث عنها الفرد في الشريك المحتمل، ويتم اختيارها والحفاظ عليها بصورة اعتباطية، فقط كونها "مثيرة" وتلبي احتياجات "الرغبة".

الصدمة التي شكلها داروين للمجتمع العلمي حينها تنبع من تهديد فرضيته لمفهوم سيادة الإنسان على الطبيعة، كون هذه السيادة ناتجة عن وعيه المعرفي، واقتراح أن الحيوانات قادرة على تكوين "الحكم الجمالي" يعني أنها قادرة على وضع معايير للجمال، والاختيار منها، ما يهدد مفهوم الانتقاء الطبيعي، الذي يحدد الخصائص الجسمانية التي تظهر وتتلاشى على أساس عوامل خارجية، لا دور للخيار "الواعي" فيها، أي كأن داروين يقول إن الحيوانات قادرة على إطلاق الأحكام، واختيار "الأجمل".

يعيد داروين عبر هذه الفرضية النظر في المفاهيم التطورية المرتبطة بـعملية اختيار الشريك الجنسي، التي تتم عادة عبر المنافسة بين الذكور من أجل الحصول على الإناث، فـ"المنتصر" و"الأقوى" هو من يتمكن من الحصول على من يريد، ونقل خصائصه الجسمانية إلى المستقبل، على حساب "الأضعف" الذي تختفي سلالاته مع خصائصها، لكن هناك أشكال تزيينية وخصائص شكلية، لا تمتلك وظيفة تكيّفية مع البيئة، ولا تساهم في تحدي الذكور الآخرين، ولا تزيد احتمالات الإخصاب، والأهم أنها لم تتلاشَ إثر عملية اختيار الأقوى أو "الأنسب للتكاثر"، بل إن بعض هذه الخصائص تندرج تحت مفهوم "سوء التكيف"، أي أنها تعيق الحركة والقدرة على "النجاة" ضمن البيئة، كحالة ريش الطاووس، ذو الزخرفات شديدة الإتقان التي لا تمتلك أي قيمة "وظيفية"، وتهدد قدرة الطاووس على الطيران وتتركه عرضة للالتهام، مع ذلك مازالت حاضرة ويتم تناقلها بين الأجيال حتى الآن.

يقدم داروين بخجل مفهوم الحكم الجمالي الذي يتم على أساسه اختيار الشريك، محاولاً تفادي الكلمة كي لا يتهم باللاعلمية، لكن ما أثار حفيظة المجتمع العلمي والبيئة الذكورية حينها، هو أن "الحكم الجمالي" الذي يتم إثره اختيار الشريك، يطلق من قبل الإناث اللاتي يخترن من يجذبهن أكثر، بسبب زخرفاته، الأهم، أنه هدد الحتمية الطبيعية العلمية، كونه يحرر التطور من هيمنة الظروف الخارجية والخصائص الوظيفية البحتة، ويجعله نتاج الذوق والحكم الذاتي، أي أنه يعطي الموضوع القدرة على الاختيار الذي لا يمكن توقعه لأنه مرتبط بـ"اللذة" التي لا تعرف "منطقاً" أو "علماً"، ومحكومة فقط بسبيل الوصول لها.

تكمن خطورة المقاربة السابقة، أنها تهدد عقلانية التطور، وعملية الانتقاء، القائمة على ضمان النجاة في البيئة واختيار الشريك "الأمثل" للتكاثر، فالتطور على أساس الحس الجمالي قد يؤدي أحياناً إلى نتائج غير متوقعة بسبب اعتباطية الحكم الجمالي، ما يعني أن هناك أسلوباً مختلفاً يحكم التطور، يمكن تسميته بـ" التطور الجمالي عبر اختيار الشريك" حسب الباحث ريتشارد أو. بروم، في كتابه " تطور الجميل، كيف شكلت نظرية داروين المنسية عن اختيار الشريك عالم الحيوان، وعالمنا"، هذا الشكل الجديد من الانتقاء الجنسي يعرّف بأنه "العملية التي تقودها الأحكام الحسية والخيارات المعرفية للموضوعات الحية"، أي أن الرغبة الجنسية واللذة تحركان التطور، ومسؤولتان عن عديد من الخصائص التزيينية المهيمنة، بعيداً عن الوظيفة المناطة بها، ما يعني أن اختيار الشريك لا يهدف فقط للتكاثر، بل أيضاً للاستمتاع، وكأن اللذة تعمل يداً بيد مع الرغبة بالتكاثر، ما يفسر الاختلاف في بعض الخصائص بينا كبشر، وبين أجدادنا الأقرب، قردة البامبو والشامبانزي.

تجدد الاهتمام بنظرية التطور الجمالي في السبعينيات مع انطلاق الثورات النسوية، التي أعادت الاعتبار لـ"استقلالية خيار الأنثى الجنسي"، ودوره في عملية التطور التي لا تحكمها قوّة الذكور، ومنافستهم على الأنثى التي اعتبرت مجرد غرض أو إناء لحمل الأطفال

بقيت نظرية التطور الجمالي في غياهب النسيان الأكاديمي لسنوات طويلة إلى أن دخلنا في السبعينيات وانطلقت الثورات النسوية، التي أعادت الاعتبار لـ"استقلالية خيار الأنثى الجنسي"، ودوره في عملية التطور التي لا تحكمها قوّة الذكور، ومنافستهم على الأنثى التي اعتبرت مجرد غرض أو إناء لحمل الأطفال، كما أن هذه المقاربة جعلت "اللذة" خاصية "نسوية" وتهديداً لعقلانية التطور والرجولة التي تتشابه حتى في تطور الكباش التي تتناطح من أجل الجنس.

قسم داروين العملية التي "تختلف" إثرها الخصائص الجسدية إلى فئتين، الأولى هي " قانون القتال"، أي الصراع بين الذكور لأجل الهيمنة على الشريك المحتمل، وإثرها سادت الخصائص التي ترتبط بحجم الجسم، والقوة، وشدة التحمل، والثانية هي "الذوق الجمالي"، والتي تطورت إثرها خصائص ومهارات لا تفيد التناسل ولا تؤدي للهيمنة، لكها ترضي الذوق وتشعل الرغبة الجنسية، والتي يمكن وصفها بالخصائص التخزينية، إذ يقول:" الشجاعة، الإصرار، القوة، الأسلحة بأنواعها، الأعضاء، الأدوات الموسيقية، الألوان الزاهية، الخطوط والعلامات وغيرها، تم اكتسابها بشكل غير مباشر عبر تأثير الحب والغيرة، وتقدير الجميل، والخيارات الفردية"، فالرغبة الأنثوية قادت عملية التطور، وحددت أشكال الزينة في أجساد الذكور، وكأن الرغبة في الجمال تصطفي بعض الخصائص الجسدية وتحافظ عليها، وتعلي من قيمتها التطورية، فقط لأنها مرغوبة، هي جذابة لأنها جذابة، حتى لو لم تكن وظيفية.

بسبب المقاربة السابقة قد تظهر اتهامات بأن الأثر الجمالي الأنثوي تزييني ولا وظيفي، واستخفاف بالتزييني نابع من عقلانية وذكورية مفرطة، تنفي اللذة والجمال بحجة أنهما لا ينتميان للتاريخ الطبيعي، ما يتطلب من إعادة النظر في معنى تزييني على المستوى البيولوجي، فالانفتاح على أشكال التفضيلات الجسدية بوصفها ذاتية وفردية، ونابعة من خيار اعتباطي، لا ينفي قيمتها، ولا يجعلها مجرد قناع تختفي ورائه الرغبة بالتكاثر والتناسل مع الشريك الأنسب الذي يضمن استمرار النسل، بل هي موقف جمالي يتحرك على أساس النشوى والرغبة السيكولوجية والمتعة دون أي نتيجة "منطقية" سوى استمرار ما يشبع الرغبة.

الانتقاء الجمالي لدى البشر: اللذة كحدث تطوري

نختلف نحن البشر عن باقي القرديات العليا بأننا نمارس الجنس خارج أوقات الإباضة، أي أن هناك متعة ونوع من التواصل الاجتماعي الناتج عن العملية الجنسية، التي تتم على أساس اختيار الشريك بصورة متبادلة بين الذكور والإناث، هذا الاختيار أثّر على الظاهرة الجنسانية وطبيعة تكويننا الجسدي، صحيح هناك عوامل ثقافية لا يمكن أبداً إهمالها أو تجاهل أثرها، لكن إن أدرجنا الحكم الجمالي- النفسي ضمن مجموعة القوة الطبيعي، قد تتحول اللذة إلى قوة تطورية يتجاوز أثرها الرغبة بالتكاثر والنجاة.

قدمت نظرية التطور الجمالي مقاربة جعلت "اللذة" خاصية "نسوية" وتهديداً لعقلانية التطور والرجولة التي تتشابه حتى في تطور الكباش التي تتناطح من أجل الجنس

هناك عوامل كثيرة تحكم ظاهرة اختيار الشريك، والشرط الثقافي حالياً يسعى ليؤكد أن الاختيار نابع عن أسباب ثقافية مكتسبة، ناتجة عن علاقات القوة في المجتمعات وكيفية لعب الأدوار، لكن من وجهة نظر العلوم التطورية وحسب كتاب "تطور الجميل" سابق الذكر، يمكن التركيز على اثنين من العوامل، الاختيار المتبادل للشريك، والصراع الذكوري ، وعبرهما منها يمكن تفسير التغيرات التزيينية التي أصابت أجساد البشر، والتي يمكن القول إنها ظهرت أو تم الحفاظ عليها تطورياً لدواع جمالية، والأمر هنا لا يقتصر على خيار الأنثى كما السابق، بل خيار الذكر أيضاً، وديناميكية العلاقة بين الجنسين.

يقترح التطور الجمالي، أن تلاشي شعر الجسد مع بقاء أجزاء منه "الحاجبين، العانة، تحت الإبط"، كان "خياراً تطورياً جمالياً جنسياً"، صحيح هناك فوائد وظيفية تكيفية لهذا التلاشي، كالركض بصورة أسرع، والتحكم بحرارة الجسد، لكن تطابق هذا التلاشي لدى الجنسين وظهوره في ذات الأماكن، بالرغم من اختلاف الدور "التقليدي" المناط بكل منهما، "الرجل للصيد والمرأة للمنزل"، يعني أن هذا التلاشي ناتج عن خيار متوافق بين الجنسين، والمؤشر الثاني لارتباط هذا الخيار بالرغبة الجنسية، هو أن شعر الإبط والعانة، لا يظهر إلا عند البلوغ الجنسي، وكأنها مزينات وأساليب للجذب بين الجنسين تدل على النضوج والقدرة، أو لنقل "الاستعداد" للتكاثر، دون أن تتلاشى لاحقاً، حتى بعد تجاوز العمر المرتبط بالإنجاب كما في حالة الإناث.

قد يكون التثدّي الدائم، أي أن يحافظ الثدي على شكله، بالرغم من أن وظيفته الطبيعية "الإرضاع" مؤقتة، خاصية جمالية تم الحفاظ عليها تطورياً من قبل.

ينسحب الأمر ذاته على النسيج المتثدّي لدى الإناث، المفهوم التقليدي يقول أن الأثداء مصممة طبيعياً لأجل إطعام الأطفال، وهي جذابة للذكور كونها دليل على "القدرة" على التغذية، لكنها لدى أجدادنا القردة مؤقتة، أي أن حجم الثدي يزداد بعد الإنجاب وأثناء مرحلة الإرضاع، ثم يصغر حد التلاشي في الأوقات العادية، في حين أنه عند البشر، يحافظ على شكله، أي بالرغم من أن وظيفته الطبيعية "الإرضاع" مؤقتة، إلا أنه يحافظ على شكله "الجذاب" خارج الزمن الوظيفي، السبب إذا هو أن التثدّي الدائم، خاصية جمالية تم الحفاظ عليها تطورياً من قبل خيارات الذكور.

الأهم أن الدراسات التطورية، تؤكد أن الحجم أو الخصائص الجمالية للثدي لا تدل على مدى الخصوبة، بل أن الكثير من الدراسات تقول إن الأثداء تجذب الرجال لأنها تخفي رغبتهم الدفينة بإيجاد أم مرضعة لأطفالهم، ذات نتائج لا تكفي للتعميم، ما يعني أن خيارات الذكور لا ترتبط بالقدرة على الإنجاب، بل بعوامل ثقافية ومعايير جمالية، ترسخت في اللحم وغيرت شكله لإشباع الرغبة، بصورة أبسط، في سبيل اللذة.

يُقال إن أشد تأثيرات الخيارات الجمالية المؤنثة على جسد الرجال تتمثل في القضيب، الذي اختلف شكله لدى الذكور من البشر عن باقي القرديات لأسباب لا تتعلق بالوظيفة، بل بالمتعة والجمال، إذ يقول الرأي السائد إن الحجم تطور بسبب المنافسة على إنتاج النطاف، فالعضو الأكبر يعني نطافاً أكثر، بالتالي تلقيحاً أكثر، لكن هذا غير مثبت، كون باقي الثديات تمتلك أعضاء أصغر و تقوم بذات الوظيفة، ما يعني أن الحجم هدفه استعراضي، لكن الأثر الأشد هو شكل "الطربوش" وهي التسمية الشعبية لرأس القضيب، بصورة أدق، يتضح أثر اللذة التطورية في الجسر الذي يفصل الرأس عن طول القضيب، والذي يعتقد أنه يُستخدم لإخراج نطاف ذكر آخر، واستبدالها بنطاف الشريك الجديد، لكن هذا التفسير لا يتطابق مع شجرة التطور ومفاهيم "الوظيفية"، التي نظرياً تحكم أجدادنا، فالقرديات الأخرى، كالشمبانزي التي تمارس إناثها الجنس مع عدد كبير من الشركاء في سبيل الإلقاح ضمن فترة قصيرة، لا تحوي قضبان ذكورها هذا "الجسر" الذي ستكون وظيفته منطقية إن كان موجوداً. هذا الجسر أشبه بعيون ذيل الطاووس، ليس فقط جمالي بل وظيفته المتعة المؤنثة، سواء كان الرجل مختوناً أم لا، وكأن هناك لذة ترتبط بأسلوب حركة القضيب ذي الجسر داخل المهبل، هذه الحركة فضلتها الإناث واختارت الذكور على أساسها.ينسحب الأمر أيضاً على أجساد الذكور، فخصائص الرجولة، كشكل الذقن القاسي، الحواجب السميكة، الشفاه الدقيقة، الذقون الكاملة والأجساد الممتلئة بالعضلات، بعيداً عن الدليل العلمي وحسب الثقافة الشعبية، ليست دائماً المفضلة، خصوصاً أنها دلائل على الهيمنة والقسوة، لكن لم هي موجودة بين الرجال؟ ولم لم ينقرض النحيلون والهشون وذوي الخصائص "الناعمة"؟ من وجهة النظر السابقة، هذه الخصائص سادت بسبب الصراع بين الذكور، وتقسيمهم إلى "منتصرين" و"خاسرين"، لكن الخيارات الجمالية المؤنثة، حافظت على استمرار "الناعمين"، وهنا تتضح الأوهام الثقافية حول ذوق الأنثى، الذي يروج أنه يتطابق مع الرجولة المفرطة.

علنية القضبان الذكورية لدى البشر هو العامل الذي أدى إلى شكلها الحالي، والأثر الأوضح نراه في غياب العظمة في القضيب، أي أن ذكور البشر بحاجة لتوليد الانتصاب، وإثبات قدرتهم وصحتهم، ليس فقط للتكاثر، بل أيضاً للمتعة، لأن لو كان هدف القضيب التكاثر فحسب ويتم اختيار الشريكة فقط لحمل الأطفال، لبقيت العظمة، ولكان الإيلاج سهلاً ولا حاجة للاستثارة أو إثبات القدرة على الانتصاب، ويمكن القول إن غياب العظمة "سوء تكيف"، كون هذا الغياب لا يخدم التكاثر بل يعيقه.

يقترح ريتشارد دوكينز في نظرية طريفة، أن علنية القضبان الذكرية، وغياب العظمة في القضيب، جعل القدرة على الانتصاب محفزاً للذكور على تمرين أنفسهم ومهاراتهم، السبب هو "الأنثى الطبيبة"، فبرأيه كانت الإناث تعاين قضبان الذكور لتختار منها الأشد صحة والأكثر جاذبية، ما يعني قدرة تشخيصية -لذوية لدى الإناث، لاختيار الذكر الأنسب والأكثر إمتاعاً.

التفسير الأشد راديكالية لغياب العظمة ومصيرها، يرتبط بالعهد القديم، إذ تقول إحدى الدراسات الثيولوجية قليلة الشهرة، إن الله هو من أزال العظمة من قضيب آدم عندما خلق حواء، فالشق الطولي على كيس الصفن هو مكان استخراج العظمة، إذ نقرأ :"فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْماً"، هذا الملء ترك ندبة تتجلى في هذا الشق الذي لا يوجد مثله في الجسد، أي أن حواء لم تخلق من ضلع في الصدر، خصوصاً أن عدد الأضلاع متساوية لدى الجنسين، ولا يمتلك الضلع أي قيمة تكاثرية، بعكس عظمة القضيب ذات القيمة المجازية للدلالة على التكاثر.

الدراسات التطورية تخبرنا بأن خيارات الذكور ترسخت في اللحم وغيرت شكل الجسد لإشباع الرغبة بصورة أبسط في سبيل اللذة.

ذات الأمر مع الأنياب التي تلاشت لدى الذكور، وسبب ذلك هو اختيارات النساء لرجال أقل حدة وعنفاً وعدوانية، سواء أثناء الصراع مع الذكور الآخرين أو مع الإناث أنفسهم، وكأن خيارات "النساء" هذبت الرجولة، وقومتها لتكون اجتماعية أكثر، هذا التهذيب الذي قاومته الرجولة السامة ووجدت فيه تناقضاً مع الثقافة التي تتنصر للقسوة والعنف، يكشف سطحية ثقافة الرجولة التي فسرت العالم بناء على منافسة وهمية بين "الخشن" و"الناعم"، لا على أساس رغبات الإناث، التي ركّزت على خصائص ثقافية كالشجاعة، والقدرة على التعبير، والتعبير العاطفي والفضول.

التطور كظاهرة كويرية

هناك نفحة ذكورية في الحجج السابق، ويمكن تفنيدها من وجهة نظر ثقافية، خصوصاً أنها تتعامل مع فرضيات عن التاريخ البيولوجي وتستخدم دلائل قائمة على المقارنة بين الأنواع الحية والاستنتاج المنطقي مع بعض التعميمات والمفارقات اللماحة، لكنها في ذات الوقت، تدفعنا لإعادة النظر في السلوك الجنسي الذي لا ينتمي لدائرة التكاثر الضيقة: "نطفة تلقح بويضة"، وتفتح المجال على فهم الرغبات الذاتيّة للأفراد، والانجذاب الجنسي الجمالي، كمحرك تطوريّ قائم على الرغبة والجمال واللعب والمتعة، لا يخفي وراءه حتمية طبيعية مرتبطة بالتكاثر.

بالرغم من الفرضيات التي يقدمها الكتاب للمثلية لكن لا دليل علمي عليها كما يقول المؤلف، بل هي محاولات لتفسير الظواهر الإنسانية الجنسية، لكن الأهم، أن مفهوم التطور الجمالي نفسه، يعني أن خيارات المتعة تتحرك ضمن دائرة لا منطقية، و الممارسة الجنسية ليست أبداً حكراً على التكاثر، بل هي متنوعة ومتغيرة ولا يمكن الحكم عليها من وجهة نظر وظيفية، أما التراث العلمي المرتبط بفكرة أصل المثلية أو جذورها العلمية، فليس إلا محاولات بائسة لكبح الظاهرة الجنسانية البشرية وفق قواعد، هذه العلوم ذاتها لا تقبل بها، بل ويمكن القول إن هذه الدراسات ليست إلا محاولة من الرجولة للحفاظ على صورتها المهيمنة والقوية، خصوصاً أن الظواهر المثلية لدى الحيوانات، لا تثير حفيظة أحد ضمن الجماعة/ القطيع، ولا ينفى صاحبها خارجاً، بل هي شكل من أشكال المتعة واللعب، في حين أنها تحولت إلى "مشكلة" لدى البشر لأسباب ثقافية فقط لا علاقة للبيولوجيا فيها.الأهم لا يوجد أي علم يدعم فرضية أن العلاقات المثلية تهدد الإنجاب أو التكاثر، أو قد تقضي على "نوع ما"، لكنها من وجهة نظر الكتاب السابق، تختلف في تفسيرها بين الذكور والإناث، فبالنسبة للإناث العلاقات المثلية أساسها شكل من أشكال التضامن في ظل غياب الحماية، وأسلوب لتجنب عنف الذكورة التي تهيمن على عملية الإنجاب، أما بالنسبة للذكور فالمثلية ترتبط بخيارات النساء ومفهوم "الناعم" الذي يجذب فئة من الذكور.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard