جزائري في الأندلس... نافذة على مدن الفردوس المفقود

الثلاثاء 28 يناير 202004:32 م
بخيال متقد وحواسٍ يقظة، سيبحر القارئ مع كتاب "جزائري في الأندلس" لسفيان مقنين، الصحفي الجزائري الذي وثق رحلته إلى إقليم الأندلس في إصدار طبع مرتين وترجم إلى الإنكليزية.

ألمرية، غرناطة، قرطبة، إشبيلية ورندة، خمس مدن إسبانية قصدها الكاتب الجزائري في سبتمبر عام 2017، وبلغة غير متكلفة وسردٍ خالٍ من الزخرفة، دوّن ملاحظات، جُمعت فيما بعد بين دفتي كتاب يحكي ثراء هذه المدن جغرافياً وتاريخياً، بحكم الحضارات التي تعاقبت عليها ولا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم.

أكثر ما شعر به خلال زيارة هذه المدن الأندلسية هو ألفتها وقربها من جوارحه، كما يقول، معللاً بأنها "مدن الفردوس المفقود كما تسميه أدبياتنا.. قررت أن أسافر إلى بلد نشترك معه في تاريخ طويل ربما كان برائحة الدماء والبارود أحياناً، لكنه جدير بالزيارة".

يقيم مقنين في وهران، المدينة الجزائرية التي لم تغب عنها الآثار الإسبانية منذ رحيلهم عنها قبل حوالي 200 عام. القلاع والقصور والملاجئ، وحتى الكثير من الكلمات الإسبانية التي تتخلل اللهجة الوهرانية، أسباب جعلت لإسبانية الواقعة على الضفة المقابلة من المتوسط مكانة خاصة، كما يقول.

"السفر يخرجك من شرنقتك اللغوية والدينية والفكرية إلى فضاءات أخرى ستجعل منك أكثر نضجاً وتسامحاً وتفهماً"، يقول الكاتب لرصيف22، معبراً عن الأثر الكبير الذي يحدثه السفر، ليحيلنا إلى قول الشاعر الأمريكي ت. س. إليوت: "ارتحلوا.. انطلقوا أيها الرحالة، فأنتم لستم نفس الأشخاص عند بدء الرحلة".

التدوين كان جزءاً من رحلة مقنين: "جرب أن تسافر وتكتب لأن أضعف أنواع الحبر أقوى من أي ذاكرة". قلم ومدونة يضعهما في قفة من القش تلفت النظر ببساطتها وتفجر الفضول لمحتوياتها. عنها يحكي لنا: "القفة دعاية من غير كلام إلى السلوكيات البيئية السويّة، توحي بأهمية التخلي عن الأكياس البلاستيكية والعودة إلى أشيائنا العتيقة الصديقة للبيئة والتي لا يصيبها الصدأ ولا تنتهي موضتها على الإطلاق"، أما محتوياتها فهي "آلة تصوير وقارورة ماء والكناش الذي أدون فيه ملاحظاتي وأفكاري".

قارئ "جزائري في الأندلس" سيعي أن التحضير الجيد للرحلة يجعلها أكثر سهولة ومتعة، القراءة والاطلاع عن المدن المقصودة، وتعلم بعض لغتها، قبل ذلك اختيار التوقيت المناسب للرحلة.

"جزائري في الأندلس، كتاب يوثق رحلة إلى خمس مدن إسبانية عربيةهي ألمرية، غرناطة، قرطبة، إشبيلية ورندة

"السفر يخرجك من شرنقتك اللغوية والدينية والفكرية إلى فضاءات أخرى ستجعل منك أكثر نضجاً وتسامحاً وتفهماً"، يقول الكاتب الجزائري سفيان مقنين.

رغم ذلك، الشروع بالسفر أمر غير هيّن، خاصة على أبناء البلاد العربية، يتحدث المؤلف عن ضعف جوازات السفر العربية، وعن الدول التي "تفرض على الجزائريين الراغبين بالسفر إليها ماراثوناً طويلاً وحملاً ثقيلاً من الوثائق التي ربما تسمع بوجودها لأول مرة، وزمناً مخيفاً من الترقب والانتظار. بل إن الترقب سيسافر معك إلى غاية وصولك عند شرطي الحدود في الدول الأوروبية التي حصلت على تأشيرتها، فربما أعادك من حيث أتيت لسبب أو لآخر".

بعد انتظار طويل في ميناء وهران البحري، وإجراءات تطلبت الكثير من الصبر وطول النفس، يبحر السائح الصحفي ليلاً إلى ألمرية الإسبانية: "كنتُ أشاهد من النافذة الزجاجية الكبيرة أضواء الميناء ومباني وهران، ولا أدري لماذا انتابني شعور مدغدغ بأنها أضواء لمدينة أخرى غير التي أعيش فيها. أتساءل دائماً عن السرّ في تبدل إحساس المسافر اتجاه الأشخاص والأماكن حين يهمّ بمغادرتها، فيصبح مسالماً ودوداً متسامحاً عطوفاً، ومتأملاً نحوها كما لم يكن من قبل".

يحكي المقنين تفاصيل وصوله إلى ألمرية، حيث يشعر الإنسان بقيمته كما يقول: "كل شارع موجود حقاً لحمايتك وحفظ حقوقك وتسهيل فترة تجوالك. الأضواء للتنظيم واللافتات للإرشاد، والمساحات الخضراء للراحة، والشرطة لإشعارك بالأمن والاطمئنان لا لزرع الخوف والتوجس".

التكنولوجيا ستؤمن المزيد من الرفاهية للمسافر الجزائري، بدأ من الوصول للفندق الذي حجز فيه قبل انطلاقه، ثم اختيار المعالم التي سيقصدها في المدينة، أخيراً في حجز تذكرته إلى محطته القادمة، غرناطة.

"ألمرية تاريخ تحت الأرض وتاريخ فوقها"، يقول الكتاب، مشيراً إلى معالمها التي تحكي التاريخ الإسباني، ملجأ الحرب الأهلية الذي يأخذنا إلى الحرب الأهلية الإسبانية بين عامي 1939-1945، بما يحوي من تفاصيل يصفها الكتاب بدقة، الأنفاق والأواني والرسومات والتحف: "معلم تاريخي يجعلك بحق تعيش أجواء تلك الفترة التاريخية، التي كانت عبارة عن مقدمة وصورة مصغرة لما سيحدث بعدها من حرب مدمرة ستغير وجه العالم".

ملامح الملجأ الإسباني ستعيد ذاكرة الكاتب إلى وهران الجزائرية، "هي الأخرى لديها أوجه شبه مشتركة مع هذا المعلم، أولا لأنها احتضنت الكثير من أنصار الجمهورية الذين فرّوا إليها من بطش فرانكو، نهاية الثلاثينيات إبان الحرب الأهلية، وثانياً لأن وهران أيضاً تضم متاهة حقيقية من الأنفاق تحت شوارعها وأحيائها ومعالمها، تشبه جبنة القرويار الفرنسية، منها ماحفره الإسبان ومنها ماحفره العثمانيون ومنها ما حفره الفرنسيون".

"قررت أن أسافر إلى بلد نشترك معه في تاريخ طويل، ربما كان برائحة الدماء والبارود أحياناً، لكنه جدير بالزيارة"... الأندلس بعيون اليوم

في مواضع كثيرة من إصداره، يذكرنا سفيان مقنين بالتشابه الكبير بين مدن إسبانية والجزائر، هذا التشابه هو أحد مفرزات الحضارة المشتركة التي تظهر جلية لكل عربي يزور إسبانيا: "زيارة إسبانية ولو لغرض سياحي محض، هي بالضرورة زيارة للتاريخ، بكل مافيه وما له وما عليه، وإطلالة بديعة من نافذة التاريخ على معالم الحاضر، تجعلنا نكتشف أشياء كثيرة في واقعنا المعاش، وربما نستشرف أحداثاً ستقع مستقبلاً، لأن التاريخ دورات كما شرح ابن خلدون في مقدمته".

وفي غرناطة سيقضي الكاتب سبع ساعات في قصر الحمراء المهيب، مأخوذا ببهاء معماره وحكاياته التي يروي بعضها المرشد السياحي، وبعضها يتلقاه مقنين من كتاب يرافقه لواشنطن ايرفينغ، حمل عنوان "حكايات الحمراء" عن القصر وساكنيه وأساطيره.

سيعرج أيضاً على حيّ البيازين (البائسين): "في المرتفع المقابل لموقع الحمراء، وهو الحي الذي يشعرك بألفة غريبة مع هذه المدينة الساحرة. أُنشئ الحي أصلاً لاستقبال المسلمين النازحين من مختلف المناطق الإسبانية التي سقطت بأيدي المسيحيين في حروب الاسترداد". سيؤكد مراراً تفوق جمال غرناطة عمّا تبدو عليه في أي شريط وثائقي، "ستدرك كما يقول المثل هنا، أنه لا يمكن أن يتشابه في الحياة شخصان، أحدهما رأى غروب الشمس في غرناطة، وآخر لم يره بعد".

قرطبة هي المحطة التالية، سيزور الكاتب فيها المسجد الكتدرائية والجسر الروماني على نهر الوادي الكبير ومتحف محاكم التفتيش، وسيتجول في شوارعها وأزقتها التي لن تشعره بالغربة أبداً: "ليس هناك شارع ومنزل وسقيفة وحديقة ونافورة وسور تمر بجانبه إلا وتستشعر قربك من معانيه وقربه من جوارحك، وهو إحساس سيظل ساكناً بداخلك ما دمت مسافراً في ربوع إقليم الأندلس". ثم سيدهش الكاتب بالبذخ المعماري في مدينة إشبيلية، المركز الاقتصادي للمملكة الإسبانية بعد اكتشاف الأمريكيتين عام 1492، في فترة عرفت بـ"القرن الذهبي"، كما يروي الكتاب.

"ثمة قرى وبلدات إسبانية لا تقلّ إغراء وجمالاً عن حواضرها المعروفة"، معلومة يتلقاها الكاتب خلال التحضير للسفر، يقرر بعدها أن تكون رندة هي النُّزل ما قبل الأخيرة في رحلته.

المدينة ذات المباني البيضاء والمبنية على صخرة كبيرة تطل على وادٍ كبير، تذكره بقسنطينة الجزائرية، مستحضراً شهادة لزائر إسباني للجزائر يوماً، عندما أكد له الشبه بين مدينة الجسور ومدينة رندة، "مسقط العالِم العربي وصاحب أول محاولة طيران في التاريخ، عباس بن فرناس، كما ينسب إليها الشاعر أبو البقاء الرندي صاحب المرثية الشهيرة للأندلس التي نحفظ جميعاً افتتاحيتها: لكل شيء إذا ما تم نقصان.. فلا يغرن بطيب العيش إنسان".

لن يودع الصحفي الجزائري رندة دون أن يزور حماماتها "الموروثة من العهد الإسلامي، والتي تتميز بأنها الوحيدة في بلاد الأندلس التي حافظت على شكلها القديم وكل مكوناتها الهندسية والهيدروليكية"، مشيداً بجهود الإسبان في الحفاظ على تلك الآثار وترميمها.

مدينة مالقة أو "حسناء الأندلس" كما يسميها. كانت المقر الأخير للرحلة، سيزور فيها حصن القصبة ومتحف السيارات القديمة والميناء، معجباً بشواطئها الخضراء الممتدة والممتلئة بالمشاة. ثم سيأكل البايلا، الطبق الشعبي الإسباني الشهير المكون من الأرز المكلل بقطع الأسماك وفواكه البحر المتنوعة.

وعندما يحين وقت العودة، سيحزم سفيان مقنين حقائبه المحملة ببعض الهدايا والكثير من الذكريات الجميلة عن هذا البلد المجتهد كما يسميه، يؤكد أنه لم يزر كل الأماكن التي أراد رؤيتها، لكن لا بأس، كي يعود مرة أخرى مستقبلاً، أو كما يقول الجزائريون "خلي باش تولّي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard